ثقافة السرد

أبدا Never

للأديب الإنجليزي: هـ. أ. بيتس

ترجمة: خلف سرحان القرشي*

الوقت ما بعد الظهيرة، سحب مكتنزة تتعثر في السماء، في غرفة
هادئة شبه مظلمة، جلست الفتاة متثاقلة بجوار النافذة، قلما تأتي بحركة، كمن ينتظر أمرا واقعا لامحالة؛ زيارة شخص ما، غروب الشمس، أو من يأمرها بشيء ما. ببطء شديد، كانت تسحب أصابع إحدى يديها فوق ظهر الأخرى، تحرك شفتيها بتلك الطريقة البائسة البغيضة التي تقطب بها حاجبيها، بالطريقة نفسها تجول بنظراتها إلى الحقول القريبة ذات الظلال إلى أن تعبر بها المرتفعات الغربية حيث ألقت الشمس شريطا من الضوء. لم تتجاوز نظراتها تلك الغابة الواقعة بين الحقول والتلال، يبدو لها المشهد ندوباً سوداء تارة وملاذات حميمة تارة أخرى، كل شيء كان مضطربا تماما مثله مثل الغرفة التي تجلس فيها، ظلت تعزف من حين لأخر لحنا شجيا ينصب عليها، يجعل جسدها ساكنا لبرهة، غير أن هذه الحالة ما تلبث إلا أن تغادرها لتبدأ أصابعها تشعر بالثقل عند العزف، وتحتويها الكآبة ثانية.
كل شيء كان مضطربا، لقد عقدت العزم على الرحيل ظلت تقول لنفسها ظهر ذلك اليوم مئات المرات (سوف أرحل.. نعم سأرحل، لم أعد أقوى على الاحتمال)، غير أنها لم تقم بأي محاولة للرحيل. وعلى هذه الحالة، تمر بها الساعة تلو الأخرى وكل ما يجول بخاطرها: “إنني راحلة اليوم، كم أنا متعبة هنا، إنني لا أعمل شيئا أبدا، هذا هو الموت، هذا هو العفن بعينه”.
قالت كل ذلك أو فكرت فيه دون أدنى أثرٍ للابتهاج، بل أنها كانت
تفكر بطريقة آلية أحيانا، غير أنها تحاول أن تكون منطقية عندما
تفكر بموضوع الرحيل: “ماذا آخذ معي؟”
الفستان الأزرق ذو الحلية الوردية -الزرقاء أيضا- نعم؟ وماذا غيره؟ ماذا غيره؟”، لتعود ثانية إلى كل التفكير السابق: ” إنني راحلة اليوم. إنني لا أعمل شيئا أبدا”.
إنها محقة تماما، فهي لا تعمل شيئا أبدا؛ تستيقظ متأخرة كل يوم، تتناول إفطارها بتثاقل، كل شيء تؤديه بتثاقل، القراءة، تناول الطعام، الخياطة، عزف البيانو، لعب الورق كل مساء، ذهابها للنوم، كل ذلك كانت تعمله بتثاقل لمجرد أن تعمله فقط، لتملأ فراغ يومها. ليس إلا! قطار العمر يمضي يوما بعد آخر وهي لا تعمل أي شيء مختلف أبدا!
لكن اليوم، اليوم فقط، هناك شيء ما على وشك الحدوث، لن تلعب الورق في المساء كعادتها كل يوم؛ حيث تلعب مع أبيها الذي يصيح دائما: ” لم أحصل على ورق جيد، ظننت أن(الجوكر) قد فات، يا للحظ السيء!”. لن تسمع بعد اليوم: –
” نيللي؟ الساعة الآن العاشرة. حان وقت النوم”.
لن تصعد السلم بعد اليوم بذلك التثاقل العجيب. اليوم سوف ترحل بعيدا. لا أحد يعرف، ولكن هذا ما سيحدث؛ ستستقل قطار المساء المتجه إلى (لندن).
“إنني راحلة، ماذا أخذ معي؟ الفستان الأزرق ذو الحلية الوردية.
وماذا أيضا؟”.
زحفت بصعوبة صاعدة السلم، جسمها متصلب بعد طول الجلوس. السنوات التي ستعيشها وقفت أمامها تتكلم مجازا، هناك بدأ جسمها يزداد تصلبا، كما لو أنها بصدد إيقاف رد فعل عنيف، قامت بإشغال نفسها تماما في تجهيز أغراضها، كانت تؤدي ذلك في عصبية بالغة، ألقت الفستان الأزرق في الحقيبة أولا، وبعده وضعت عشرات الأغراض التي تذكرتها للتو. وأغلقت حقيبتها بإحكام، لم تكن الحقيبة ثقيلة. عدَّت ما معها من نقود عدة مرات، كل شيء على ما يرام. نعم كل شيء على ما يرام. إنها راحلة.
هبطت- ولأخر مرة- إلى الغرفة المظلمة الآن، في الصالة هناك من يقرقع بأكواب الشاي، كان الصوت مزعجا لا يطاق بالنسبة لها رغم أن صوت مألوف بالمنزل. لم تكن جائعة، ستكون في لندن الساعة الثامنة. الأكل الآن قد يجعلها تستفرغ. من السهل لها أن تنتظر. القطار يغادر الساعة السادسة والثامنة عشرة دقيقة. نظرت إلى جدول مواعيد القطارات ثانية: (القطار المتجه إلى (إلدن) يغادر الساعة السادسة وثلاث عشرة دقيقة، القطار المتجه إلى (أولدي) يغادر الساعة السادسة وثمان عشرة دقيقة، القطار المتجه إلى (لندن) يغادر الساعة السابعة وثلاث وخمسون دقيقة).
بدأت تعزف على البيانو موسيقى رقصة (الفالس). النغمة حالمة وبطيئة: ” تا، تم- تم- تا- تم- تم”. أصابعها تنزلق مع اللحن بطريقة آلية وفي تتابع حزين وعاطفي. الغرفة مظلمة تماما، بالكاد ترى المفاتيح. كانت تضمن النغمة نفسها ما يجول بخاطرها (إلدن 6:13، أولدي 6:18). من المستحيل أن تخطيء في هذا أو تنساه.
وبينما هي تعزف، كانت تقول لنفسها: “لن أعزف هذه المقطوعة مرة أخرى لأنها ارتبطت بجو هذه الغرفة. إنني أعزفها للمرة الأخيرة”.
لفظت المقطوعة أنفاسها الأخيرة على نحو بطيء. جلست لبرهة في صمت مطبق. الغرفة مظلمة وغامضة. تلاشى الآن جو موسيقى (الفالس) تماما. سمعت بعد ذلك قرقعة أكواب الشاي ثانية مما جعل فكرة الرحيل تعود إليها: “إنني راحلة”.
نهضت وخرجت بهدوء. كان العشب على جانب الطريق يهتز جراء هبَّات نسيم الليل معطيا صوتا مثل صوت عدد من الأيادي وهي تلامس بنعومة بعضها البعض. لم يكن ثمة صوت آخر.
قدماها خفيفتان لا تكاد تسمع حركتهما، وبينما هي تواصل خطاها على الطريق ظلت تقول لنفسها: “أخيرا سيحدث، أخيرا، (إلدن 6:13، أولدي 6:18)”.
عند تقاطع الطرق وقفت تفكر: “أأذهب إلى (إلدن)؟ أم إلى (أولدي)؟” وتابعت منولوجها الذهني:
“لو ذهبت إلى (إلدن) فلن يعرفني أحد – أما في (أولدي) وبدون شك- فلابد أن أحدا ما قد يلاحظني ويظل يثرثر. إلى (إلدن) إذاً”. والأمر في عمومه لا يهم. نعم لم يعد ثمة ما يهم الآن. الشيء الوحيد الذي يهم هذه اللحظة إنها راحلة، ومتأكدة من الرحيل ولن يمنعها منه شيء.
صدرها يرتعش بدفء، بدأ يعلو ويهبط مع ازدياد اهتياجها، حاولت أن تسترجع في ذهنها الأغراض التي وضعتها في الحقيبة. لم تستطع أن تتذكر إلا الفستان الأزرق ذو الحلية الوردية الذي غطته الأشياء فوقه. مع تفكيرها هذا غاصت في هدوء غريب، يزداد كلما واصلت السير. وفي تفكيرها هذا أيضا راودتها مئات الانفعالات والقناعات؛ لن تعزف تلك المقطوعة مرة أخرى. لقد لعبت الورق
لأخر مرة. انتهى الماضي البغيض، الوحدة، التثاقل، الاضطهاد، نعم لقد انتهى كل هذا الآن:
“إنني راحلة”.
شعرت بدفء يسري في كافة أوصالها كما شعرت بوخز رعشة خفيفة ولذيذة مثل ملامسة نسيم الليل الناعم. لم يعد ثمة مكان للمخاوف الآن. شعرت بحنق شديد فجأة عندما باغتتها فكرة:” لن يصدق أحد إنني رحلت، لكنها الحقيقة، إنني راحلة أخيرا”.
حقيبتها غدت ثقيلة الآن! وضعتها فوق العشب الذي جلست عليه برهة من الوقت. شرعت تعمل نفس الشيء الذي عملته ظهرا في غرفتها المظلمة. بدأت تربت بأصابعها ذات القفازات على ظهر يديها؛ مقطع أو اثنان من اللحن الموسيقى الذي بدأ يعزف نفسه داخل فكرها. أهـ! من ذلك البيانو الأحمق، مفتاح (جي) مسطح. دائما هو هكذا. كم هو مدعاة للضحك والسخرية! حاولت أن تسترجع بعض الصور القديمة لمدينة (لندن)، غير أنها لم تستطع. يصعب عليها التذكر الآن، أخيرا أفسحت المجال ثانية للصيحة القديمة: “إنني راحلة”. إنها مسرورة جدا الآن وأكثر من أي وقت مضى.
عند المحطة ثمة مصباح وحيد يعطي ضوءاً أصفر مشعٍ ومتقاطعٍ؛ زاد من كآبتها. وزاد الطين بِلَة أنها لم ترى أحدا. في ذلك الجو الخالي والبارد تتابعت خطواتها واحدة تلو أخرى دون أن تشعر بأحدٍ أو تراه. وعند المساحة المعبدة بالإسفلت فكل الإشارات تعطي دوائر حمراء قاسية يبدو أنها لن تتغير.
منذ ذلك الحين لم تعد تقول لنفسها: “إنني راحلة. إنني أكره كل إنسان هنا. لقد تغيرت. إنني بالكاد أعرف نفسي”.
كانت تنتظر القطار بنفاد صبر بالغ. وياللغرابة! لأول مرة يخطر ببالها أن تعرف كم هي الساعة الآن! سحبت كمَّ معطفها للوراء. نظرت إلى الساعة التي كانت تشير إلى السادسة والنصف. شعرت بالبرودة. حتى خط النهاية. كل الإشارات تظهر حلقاتها الحمراء وكأنها تسخر منها. نعم. نعم إنها السادسة والنصف. حاولت ألا تكترث بالأمر. بالطبع إنه متأخر، أن القطار متأخر عن موعده ولكن البرد يزداد الآن، ليس البرد حقيقة بل خوفها هو الذي يزدد. لم تعد تصدق الأمر.
غيوم كثيفة عاصفة ومنخفضة – أكثر من أي وقت مضى – تطفو فوق رأسها وهي تجر خطاها عائدة إلى بيتها، للرياح لفحة عميقة وشجية أيضا. هذه الأشياء لم تكن تزعجها من قبل لكنها الآن لا تزعجها فحسب بل وتحدثها عن فشلها وتتنبأ لها بمزيد من الحزن والشقاء.
ليس لديها الآن روح. الجو بارد جدا وهي متعبة إلى حد الارتعاش.
في الغرفة الساكنة والمظلمة تماما الآن جلست وهي تحدث نفسها: “ليس هذا هو اليوم الوحيد سأرحل يوما ما، نعم سأرحل في يوم ما!”
كانت صامتة تماما بينما هم يلعبون الورق في الغرفة المجاورة لها، سمعت والدها يئن: “ظننت أن الجوكر قد فات!”.
وهنا سمعت صوتا آخر يضحك. عاد إلي مسمعها ثانية صوت والدها متماً حديثه:
” لم أحصل على ورق جيد- لم أحصل على ورق جيد قط!”.
كان شعورها مرعبا بحيث أنها لم تقوى على احتماله. لابد أن تعمل شيئا لوضع حد لهذا الشعور. بدأت تعزف تلك المقطوعة على البيانو غير أن التتابع التلقائي للحن بغموضه وعاطفيته جعلها تبكي:
” ليس هذا هو اليوم الوحيد، سأرحل يوما ما”.
هذا ما كانت تؤكده لنفسها مرة أخرى. ظلت تعزف نفس المقطوعة مرة تلو أخرى وهي تحني رأسها وتبكي وتقول في داخلها:
” في يوم ماـ نعم في يوم ما!”.

————————————————————–

* المترجم من السعودية

نبذة عن كاتب القصة: – هـ. إ. بيتس
H. E. Bates

هـ. أ. بيتس. أديب إنجليزي مشهور، ولد عام 1904م وتوفي عام 1974م.
عرف عنه تمكنه من الفن الروائي في مجال القصة القصيرة والرواية. يرسم شخصياته بدقة متناهية مبرزا تفاعلهم مع الحياة ومظاهر المجتمع بحرفية عالية.
عمل محاميا في القضاء الريفي مما أكسبه ثقافة واسعة عن الريف وحياة أهله، ووظف ذلك في كتاباته الإبداعية.
غلب على سردياته؛ قصصا وروايات طاقته الجبارة في استخلاص ماهية وروح المشاهد الطبيعية والريفية بجانب قدرته الفذة على بناء شخوصه نفسيا خدمة لغرض النص وغايته.
عمل محررا صحفيا.
نشر أول أعماله الروائية (الأختان) وهو في العشرين من عمره.
من أشهر أعماله مجموعة (نهاية الأيام وقصص أخرى)، و(سبع حكايات والإسكندر).
له كتاب (العظماء في العالم).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق