ثقافة السرد

عزيزة.. والجرو

حسين عباس

كل يوم يحمل محفظته على كتفيه..ويعبر الطريق المتربة..إلى المدرسة التي تبعد مسافة كبيرة عن منزلهم الرابض على سفح الجبل.. لا يصده عن سعيه شيء..لا يمنعه أي مانع..لا المطر..ولا الثلج..ولا كلمات أمه المتقطعة في أسف وشفقة بادية..

ـ لقد ذهبت أمس..وما قبله..ولم يحضر المعلم..

لا شيء يثنيه عن مسيرته اليومية..وجد رفاقا له من الدوار أم لم يجد..رغم علمه أن المعلم قد يحضر إن صادف  في طريقه قافلة عسكرية توصله إلى المدرسة..وقد لا يحضر في أغلب الأيام..منذ أن صارت الطريق الغابية المؤدية إلى القرية بؤرة لكل المخاطر..منذ أن تحولت إلى مقبرة مفتوحة لكل من يغامر فيها دون حماية من وحدات الجيش..منذ أن غدا الموت والدفن والنحيب..من الطقوس اليومية للبقية الباقية من سكان المنطقة..

 

هو لا يدري من هم الذين يمارسون هواية القتل..؟ لا يدري كيف نما نهم الموت بهذا الشكل المرعب..؟ لماذا تزهق أرواح كل هذا الكم من البشر..؟

الكبار يقولون أشياء كثيرة..يتمتمون فيما بينهم بأمور لا يدرك لها كنها ولامعنى..تلطم النسوة وجوههن احيانا..يضعن سباباتهن على أفواههن في دهشة أحيانا..ويذرفن الدموع كل حين في صمت..

وحينما يدفعه الفضول لطرح السؤال..قلما يحظى بجواب يجلو الضباب من على ناظريه..

قصارى ما يسمعه من أمه:

ـ الله يحفظ..ويستر..

يعلم أن الخوف مقيم بينهم.. ينتشر يوما بعد يوم في أرجاء بيتهم..كفضلات البهائم..يسكن معهم آناء الليل وأطراف النهار..يعشعش في كل الزوايا كعنكبوت ضخم الجثة..متحفز للانقضاض عليهم في كل لحظة..

رائحة الخوف المقرفة طردت كل شيء..طردت الابتسامة من الوجوه.. طردت الطمأنينة من النفوس..طردت حكايات السمر الممتعة..وطردت أباه..وأعمامه جميعهم إلى عالم المجهول..

لم يمكث في البيت سوى جده الطاعن في السن..جدته الحاجة طيمة..زوجات أعمامه..أطفالهن الرضع..وعمته الخرساء..

عمته ليست خرساء فحسب..بل ومختلة العقل أيضا..تشابكت خيوطها..لا يدري أحد ما يتأجج في مرجل جمجمتها..ولا ما يمكن أن تقدم على فعله..ومتى تفعل..؟

لم تكن أبدا على هذه الحال..يتذكر الجميع بمزيد من الحسرة طيبتها..انشراح طبعها..تراقص جسمها الرشيق كالفراشة الملونة في فناء البيت..يتذكرون فطنتها وذكاءها الفائقين..يشهد الجميع..وفي مقدمتهم الشيخ المعلم..بأنها كانت أنجب من عرفتهم مقاعد المدرسة..قبل أن يقررالجد ذات يوم..فصلها وإلزامها حدود العادة..بعدما لاحظ بزوغ حدبتي صدرها..اتساع  حوضها وتقاطع النظرات من حولها..

اتخذ قراره الذي لا رجعة فيه..أصبحت امرأة..مكانها البيت..

كانت عزيزة حينا..و”عزيوزة”أحيانا أخرى..فتحولت بين عشية وضحاها إلى كائن أخرس..حيوان غريب متوتر الحركات..تائه النظرات..مجهول الانفعالات والردود..

بين مغرب ذلك اليوم المشئوم..وفجر الغد..حدث الذي حدث..

اقتحمت البيت أقدام خشنة..وجوه مكفهرة عليها غبرة..أصوات مرعبة.. نظرات حمراء بلون الدم المسفوك..

كسروا باب البيت المتهالك..استولوا على الخبز والدقيق..وجدي المعزة قبل فطامه..سكبوا الدموع من محاجرها..أجفلوا القلوب في الصدور.واصطحبوا معهم عزيزة..تمد يديها لمن لا يقوى على الإمساك بهما..عبثا تصيح بأعلى صوتها..يخفت صداه شيئا فشيئا في قلب تلك الليلة الحالكة الظلمة..لتعود في الغد حافية القدمين..ممزقة الثياب..خرساء لا يصدر عنها أي صوت..

من يومها..انزوت في جهة من البيت..ودخلت في صمتها الرهيب..الذي لم يقو أحد على فتح بابه السميك..فتركوها في جهتها الموحشة..متحاشين ذكر سيرتها..

ومن يومها فقد هو الآخر محاورته الوحيدة..متنفسه..ومستودع أسراره..كلمها طويلا..تعقل بثوبها..ذرف الدموع عند رجليها..وأيقن أخيرا أنها انتقلت إلى عالم آخر..

كعادته..غاب المعلم..وبقيت باب المدرسة مغلقة..

مثله..حضر بعض التلاميذ..بقصد اللعب مع أقرانهم..ومغادرة أوامر البيوت ونواهيها.. لبرهة  من الزمن..

لاعبهم بعض الوقت” حويزة ”..والقاتل والمقتول..ثم  قفل راجعا إلى البيت.

في طريق عودته..استوقفه منظر لطيف..وغريب في ذات الوقت..جرو أسود..ينقل خطواته الأولى بين الحشائش الندية..يزحف على الأرض ببطء شديد..يصدر أصواتا ضعيفة..هي أشبه بالحشرجة منها بنباح الكلاب..

انحنى عليه..مرر يده على جسمه الصغير برفق..تلمس أذنيه اللطيفتين..دقق النظر فيه..وهو يتمايل كالسلحفاة..

أعجب بالمنظر الفريد..بقدر ما ملأه حيرة..

ما سر وجود هذا المخلوق وحيدا على قارعة الطريق..؟ أين أمه..؟ ما عهد الكلبة تبتعد عن صغارها..ما عهدها تترك أحدا يلمسها دون أن تنال منه أنيابها..

التفت يمينا وشمالا..خطا بعض الخطوات ليتسع مجال رؤيته..مد بصره يمسح الأرض من حوله..لا وجود لما يشبه أجسام الكلاب..لا واقفا ولا متمددا..

عجيب..جرو صغير لا يتعدى عمره اليوم على أكثر تقدير..ولا أثر لأمه بالقرب منه..يتيم منذ الولادة..؟

أتكون الكلبة ماتت..؟ أم هربت من خطر داهمها في يوم مخاضها..؟ وما أكثر الأخطار في أيامنا هذه..

سيلقى حتفه حتما..إن لم يجد ضرعا يمتص حليبه..إن لم يجد بطنا دافئة يندس تحتها في هذه الليالي الباردة..

تناوله بين يديه..حضنه إلى صدره..تأمل عن قرب عينيه الصغيرتين..لا زال يجد صعوبة في فتحهما..لم تتعودا بعد على أولى أشعة الشمس..

ماذا لو أخذه معه إلى البيت..؟ ربما أنقذه بذلك من الموت الأكيد..كيف لهذا المخلوق الضعيف أن يقاوم صقيع ليالي المنطقة في العراء..دون دفء وغذاء..؟

حبذا لو فعل..لكن إيواءه قد يوقعه في ورطة حقيقية مع كبار البيت..سيخنقونه بأسئلتهم الحادة..قبل أن يمطروه توبيخا وضربا..

ما الذي يبرر به وجود جرو غريب داخل البيت..؟ الرأفة والشفقة..؟ كلهم في حاجة إليها أكثر من ذرية الكلاب كلها..

ما الذي سيقوله للجدة طيمة..؟هذه التي يكفيها أن تحدجه بنظرتها الثاقبة..لتقرأ ما يخبئه في صدره وخلف رأسه..

ما الذي سيرد به على سؤال جده الصارم..؟ قد تنال منه عصاه المحدبة..تلك التي لم تعد له غنم يهش بها عليها..فتحولت إلى ظهور كل من يزيد قطرة في كأس غضبه الممتلئة..

جدته..ستجتث أذنه من منبتها..حتى قبل أن تبلغه عصا جده..تغمغم كعادتها:

ـ لا ينقصنا إلا هذا..تأتي لنا بجرو..لماذا..؟ لنطعمه..؟ وهل وجدنا نحن ما نضع في أفواهنا؟ أم تراك أتيتنا به لنربيه..؟ ألا تكفي أنت..؟ حتى نتحمل جروا آخر..

وأمه..ستبكي كعادتها دون انقطاع..تندب حظها العاثر..تلعن الزمن وأهله..وتتساءل مرة أخرى:

ـ أين المكشوف أبوك..؟ لو كان هنا لساعدني في تربيتك..لانتابك الخوف منه..قبل الإقدام على أفعالك الشيطانية..

وتنظر إليه مكتوفة الأيدي في صمت..وهو يتلوى تحت عصا الجد..

تساءل مرات..ومرات..دون جدوى..ما الذي يجعلهم يفرغون جام غضبهم على جسمه الضعيف..كلما ضاقت صدورهم..؟ وما أكثر ما تضيق هذه الأيام..

ما ذنبه..؟ كلما تفجر انفعال أحدهم..دفعه ليسقط وترتطم أسنانه بالأرض..كلما ضاقت إحداهن ذرعا بحصار البؤس القابع كالغمامة فوق البيت..صفعته ..أو أنبته من غير ما جريرة..كلما تذكرت رغد العيش وحلو الليالي..صاحت في وجهه:

ـ وجه الهم..لم نر الخير مذ رأيناك..

ما دخله هو في ما ألم بالبيت من تعاسة مستديمة..؟

هو لا يعرف شيئا عما يحدث..لا تميز عيناه الصغيرتان أي بصيص من النور  داخل هذا الضباب الكثيف..

يسمع كغيره..بين الفينة والأخرى..أن فلانا ذبح في طريق نائية..من الأذن إلى الأذن..وجدوا جثته دون رأس..دفنوها بصمت مطبق..ودموع حبيسة داخل محاجرها..من غير أن يتمكنوا من إغماض جفونه..

يقشعر بدنه من فرط الخوف..يتلمس رقبته..ينزوي في ركن من البيت..يجذب الحصير فوق رأسه..ويلزم الصمت..تماما كعزيزة..

تتلقف أذناه تمتمة النسوة..يميز بصعوبة..أن فلانة بنت فلان..أخذت من بيتها..في ليلة عرسها..بعدما أعدم العريس أمام عينيها الدامعتين..وترك أبوه العجوز طريح الأرض..يمزق أحلامه القديمة..عن خلف يسعى في فناء بيته..ويمدد حروف اسمه في مقبل الأيام..

يتكور على نفسه كالقنفذ..تزداد دقات قلبه..يقرأ المعوذتين كما حفظهما عن ظهر قلب..ويغمض عينيه متضرعا للعلي القدير..راجيا من لطفه الواسع ألا تنكسر الباب مرة أخرى..وأن يجنبه الأحلام المرعبة التي أضحت تطارده كل ليلة..

لو سألوه يوما..لو فسح لهم الألم منفذا للتحديق في عينيه..وفي عمق ذاته..ربما رأوا فيه ما يبرئ ساحته..

هم بوضع الجرو حيث وجده..له الله كبقية الخلق..قد تعود أمه..فتجنبه مصيره المشئوم..إن كانت ما تزال على قيد الحياة..

الراجح أنها ماتت..ربما نالت منها رصاصة طائشة..أردتها قتيلة..رغم أنها بسبعة أرواح..وقد تكون داهمتها سيارة عابرة يلاحقها الخوف..وهي الآن جثة منتفخة في منحدر خفي..وقد يكون هؤلاء القتلة حاقدين على الكلاب أيضا..لكبائر ارتكبها أجدادها..من يدري..؟

وفجأة خرج من سهومه..ضرب كفا بكف..وابتسم..كأنما لمعت بين عينيه نجمة مضيئة..

تذكر لويزة..كلبتهم المربوطة في السطح..منذ أن خشي الجد على حياتها من زوار الليل..منذ أن نجت بجلدها للمرة الأولى والأخيرة..رأتهم يقتحمون البيت..فنبحت كعادتها..غضبوا كثيرا..لم تحترم لحاهم الطويلة..كانت ستخترقها نيران المحشوشة لا محالة..لولا أن صاح الجد فيها بأن تسكت.. استجابت لأمره وهضمت نباحها على التو..أدخلت رأسها بين ساقيها   ولزمت الصمت..ومن يومها..ربطت في السطح..حفاظا على حياتها..     اهتدى إلى الحل..سيأخذ الجرو..يدسه داخل المحفظة..يدخله إلى البيت خفية عن الأنظار..يتحين الوقت المناسب..ويضعه بجانب الكلبة لويزة..فيعتقد الجميع أنها ولدت..وبذلك سيجد هذا المخلوق الضعيف  من يتبناه..

وضع الجرو داخل المحفظة..بين الكراريس الفارغة..وحث الخطو مسرعا صوب البيت..لا تستوقفه زقزقة العصافير..ولا الفراشات التي اعتاد السعي وراء ألوانها الزاهية..

لما اقترب من الباب..فتح المحفظة..وأطل على الجرو إطلالة أخيرة..وكأنه يستجديه أن يلزم الصمت..ألا يصدر أي صوت قد يفضحهما معا..

لحسن حظه..لم يصادف أحدا في باحة البيت..وإلا سهل على أي منهم اكتشاف أمره..لما كان عليه من التوتر والقلق..

أصغى مليا..لم تلتقط أذناه غير الصمت..جال ببصره عبر الأبواب..ثم صعد السلم الحجري..ثلاثا بثلاث..وفي لمح البصر..وجد نفسه وجها لوجه..مع الكلبة لويزة..

رفعت رأسها..انتصبت أذناها..ثم استقامت على قوائمها الأربع..كأنها اشتمت رائحة غريبة..

أخرج الجرو من المحفظة..والكلبة تتابعه بعينيها الثاقبتين..وضعه بجانبها..وأسرع الخطو نازلا يتلهم درجات السلم بحذر شديد..
لم ينتبه إليه أحد..النسوة منهمكات في شغلهن الذي لا ينتهي..

يضع المحفظة جانبا..ويدخل إلى المطبخ..تنتبه أمه لوجوده..فتغمغم كعادتها:

ـ عدت كما ذهبت..رأسك خشنة..كل يوم تقطع مسافة الطريق ذهابا وإيابا..من غيرما فائدة..

لكم كان بوده أن يصيح في وجهها:

ـ ” الرأس الخشنة هي رأسك..ما الفائدة من البقاء في البيت..بين نسوة يمضغن الألم كالعلك دون انقطاع..؟ على الأقل..هناك أجد من ألاعبهم بعض الوقت..من أكلمهم في أمور قد تولد ضحكة بين الحين والآخر. ”

تستدير الأم نحوه..وفي يدها رغيف خبز..يهز رأسه علامة على النفي..على غير العادة..هذه المرة ليست لديه رغبة في الأكل..رغم علمه أن هذا في بيتهم لا يرفض أبدا..ما رفضه الآن قد لا يجده فيما بعد..لكن مشاعره في هذه اللحظة..كلها منتشرة في السطح..

خرج إلى الفناء..وشرع يذرعه جيئة وذهابا..في حركات متوترة قلقة..تبدو الجدة طيمة..من فجوة أحد الأبواب..تتنبه لسلوكه الغريب..تصيح في وجهه:

ـ ما بك يا ولد..؟ أجننت..؟

يهز كتفيه..ويجلس في زاوية قريبة من السلم..يضع رأسه بين ركبتيه..وينتظر..أن تصعد إحداهن إلى السطح..فتكتشف الأمر..تندهش ويندهش هو أيضا مع المندهشين..

يطول انتظاره..قلما تصعد إحداهن ..لا شيء هناك غير الكلبة التي يناولها هو..بين الحين والآخر..ما تخلف من فتات ..

لويزة تنبح على غيرعادتها..منذ أن ربطت  وحشرت في عالم الصمت..لكن لا واحدة منهن  انتبهت لخروجها عن القاعدة التي ألزمت بها..

ينفذ صبره..يهم بأن يخبر الجدة بضيف السطح..ويخشى عاقبة أمره..فيلزم مكانه..وينتظر..

وفجأة يزداد نباح الكلبة ويستمربشكل متواصل..

تهتف الجدة من جوف إحدى الغرف بصوتها الحاد:

ـ يا ولد..اصعد إلى السطح..وانظر ما بهذه المجحومة..؟ ليس من عادتها النباح من غير ما سبب..

يستقيم في وقفته..يتريث قليلا..وكأنه مقدم على مخاطرة غير مضمونة العواقب..ثم يصعد الدرجات بخطى متثاقلة..يتوقف في أعلى السلم..قبل أن يصيح بأعلى صوته:

ـ جدتي..جدتي..

يجيبه صوت الجدة:

ـ باسم الله الرحمان الرحيم..ما بك يا ولد..؟

ـ الكلبة..

ـ ما بها..؟

ـ لقد ولدت..

يعم الصمت لحظات..قبل أن تمزقه الجدة:

ـ هل جننت يا ولد..؟

ـ لا يا جدتي..لقد ولدت..والجرو بجانبها..

تقبل الجدة..تجر ساقيها المعروقتين في تثاقل..تصعد السلم بعناء شديد..وتقف على آخر درجاته..تسترد أنفاسها المتلاحقة..تلقي بنظرة فاحصة على الكلبة التي لم تتوقف بعد عن النباح..تشاهد الجرو يتمايل تحت قوائمها.. يبحث في بطنها عن حلمة متخفية..

تتسمر الجدة مكانها..تفغر فاها للحظات طويلة..تزم شفتيها..وتضع سبابتها عليهما في حيرة..قبل أن تطلق زفرة من الأعماق:

ـ يا سبحان الله..

تصمت ثانية..تهز رأسها ذات اليمين وذات الشمال:

ـ سبحان الله..ايه..لقد ولدت لويزة..

تكررها ثانية:

ـ لويزة..وضعت جروا..؟

يشعر الولد بالارتياح وهو يسمع كلام الجدة..ينزاح بعض ما كان يجثم على صدره..يتصور أنه اجتاز شطرا كبيرا من الامتحان بنجاح..ما في ذلك من شك..ما دامت الجدة طيمة صدقت ما رأت عيناها..فلا حاجة لإقناع الباقين..هي الكل في الكل..لا واحدة من نسوة البيت تتجرأ على رد كلمتها..أو مناقشتها فيما ترى..

الشخص الوحيد الذي قد يصادق على قولها..وقد يهش عليها بعصاه المحدبة..غير آبه بقدرها العظيم ومقدارها المتميز..هو جده..العبوس المكفهر دوما..لا يتكلم إلا ناهرا مؤنبا..أو آمرا مزمجرا..وكثيرا ما تنطق عصاه قبل لسانه..

إنه الآن خلف البيت..مقوس الظهر ينبش الأرض الجدباء..بحثا عن حبات بطاطا..لم يأت عليها عسكر الدود بعد.                                             .

يجر كل يوم فأسه..قرفه الخانق..وغضبه على كل شيء..على البيت وساكنيه..على الأرض التي خرجت هي الأخرى عن طاعته..على الدنيا التي فقدت نواميسها الطبيعية..وعلى الحياة في امتدادها المؤلم السقيم..ويردد كل حين:

ـ متى يغمض الإنسان عينيه..ولا يفتحهما بعد ذلك أبدا..؟

ماذا سيقول في الأمر..؟ ليس هناك من يقوى على التنبؤ بردوده..قد يشيح بوجهه غيرآبه بما يسمع..يشير بحركة كسولة من يده..أن ابتعدوا عني وافعلوا ما تشاءون..وقد تحمر عيناه..ويصيح بأعلى صوته..فترتج الأوصال..ويردد الجبل الصدى..وقد يحكم قبضته على العصا حتى تنتفخ عروق ساعده..فتتقدم الضحية نحوه..صاغرة دون أن تنبس ببنت شفة..

لن يطول الانتظار..ويعرف الجميع ما ارتآه الحكم الفيصل..لقد نزلت الجدة طيمة..واتجهت خلف البيت..ستخبره لامحالة..ويكون من أمره ما يكون..

في ذات الوقت..كان الخبر قد بلغ آذان النسوة..فتركن ما كان بأيديهن وصعدن متلاحقات متدافعات إلى السطح..

حتى عزيزة..غادرت زاويتها المظلمة..وهرعت مع الجمع..كأنما خرجت فجأة من خندقها العميق..

شكلن حلقة حول الكلبة والجرو..وعلى وجوههن خليط من الريبة والاندهاش..ما الذي يجعل لويزة تواصل نباحها دون انقطاع..؟ ما الذي يجعلها تضطرب بهذا الشكل..تتنصل..تشد على رباطها بقوة..؟ كأنما تحاول جاهدة صد الجرو الساعي تحت بطنها..أو كأنما تبغي الفرار بعيدا عنه..

بعد صمت طويل..تنطق أم الولد:

ـ أمر غريب..

تعقب زوجة عمه متسائلة:

ـ وما الغرابة..؟ الكلبة وضعت جروا..شيء عادي..

تنظر إليها أمه نظرة استصغار..كأنها تقصد إشعارها بجهلها..وقلة خبرتها:

ـ الغريب هو أن تلد الكلبة جروا واحدا فقط..المعروف أنها تضع عدة جراء دفعة واحدة..

تنطلق زوجة عمه الثاني في ضحكة مسترسلة..ويتفحصها الجميع في استغراب..بينما تصيح أم الولد في وجهها بلهجة ناهرة مؤنبة:

ـ ما يضحكك يا امرأة..؟

تجيب هذه وهي تحاول السيطرة على نوبة الضحك التي استبدت بها:

ـ ما يضحكني أغرب مما تقولين..

ـ وما هو..؟

تتجه الأنظار إليها مترقبة لما يصدر عنها..متقطعا بين سيل ضحكاتها:

ـ خبروني بربكم..كيف ولدت الكلبة..ولم يمسسها كلب منذ  سنوات..؟

تجفل النسوة..كأنما سكب عليهن ماء بارد..كأنما صفعن على حين غرة..يصمتن للحظات قليلة..ثم ينطلقن في ضحكات طويلة متقاطعة..

ـ ايه..صح..

تنحني إحداهن على أذن صاحبتها متمتمة:

ـ كيف لم تنتبه الجدة طيمة لهذا الأمر..

وتعقب الأخرى:

ـ هي التي تعتقد نفسها ملمة بكل شيء..العارفة التي لا تخفى عليها خافية..

يشعر الولد بالخوف من نهاية هذه القصة التي نسج خيوطها..وبالحرج من جهله الصارخ لطبيعة الكلاب.وشروط تناسلها..ويشعر أكثر..بالتقزز والقرف مما سمعه من الألسنة السليطة للنسوة..واغتنامهن بمنتهى الخبث لهذه الفرصة السانحة للانقضاض على جدته الكريمة الموقرة..وذكر سيرتها بسوء..وكأنهن كن ينتظرن هذه اللحظة بفارغ صبر..

عزيزة كانت تقف هناك..على بعد خطوات من الجمع..وعلى بعد مسافات شاسعة من تمتما تهن وضحكاتهن المتقاطعة..لا شيء فيها ينطق بما يختبئ في صندوق ذاتها..لا شيء..سوى نظراتها التائهة..و اضطراب جسدها النحيف..كورقة في مهب الريح..

كانت تضع كفيها على وجهها حينا..وعلى بطنها حينا آخر..كأنما تتحسس موضع جرح ما فتيء ينبض في أحشائها..

سمعت خطوات الجد والجدة على السلم..فكممت الأفواه..وانزاحت الأجسام بعيدا..وفتحت الآذان على مصراعيها..تترقب ما يصدر عن رب البيت..

تقدم إلى وسط السطح يتكئ على عصاه..نظر مليا للكلبة..وللجرو الرابض بالقرب منها..وهز رأسه ذات اليمين وذات الشمال..قبل أن يغرز بصره في الولد..يحدجه بنظرة يتطاير منها الشرر..

فهم الولد ما ينتظره..لا حاجة لأن يصحب ذلك بأمر..دلف خطوات نحو جده..صاغرا مطأطئ الرأس..

وقبل أن يبلغ مضرب العصا..حدث ما لم يكن يتوقعه أحد..

نطت عزيزة من مكانها كالقرد..أمسكت بالجرو بين يديها..ثم رفعته في مستوى رأسها وهوت به على الأرض في عنف شديد لم يتوقع أحد أن يصدر مثله من عزيزة..تخبط الجرو لحظات..وهي تنحني عليه..كأنما هي  تتأكد من مفعول ضربتها القاضية..

تلوى المسكين في مكانه..قبل أن يتمدد وتسكن قوائمه..ترتخي تماما.وتنساب من فمه الصغير خيوط دماء..

عندها..تراجعت عزيزة إلى الوراء..وعلت وجهها علامات الارتياح..

كست الدهشة وجوه الجميع..وأخرسهم المنظر..فمكثوا صامتين كأصنام من الحجر الأصم..

وبعد لحظات سكوت مطبق..تقدمت الجدة طيمة بعدها نحو عزيزة.. حضنتها بقوة..ضمتها إلى صدرها بحنو..ثم اتجهت بها صوب درجات السلم..والدموع تنهمر من عينيهما معا..

تبعها الجد..بعد أن هوى بعصاه على ظهر الولد مزمجرا بكلمات لا يعلم مدلولها إلا هو..

تقوس الولد كالمنجل من أثر الضربة..كتم أنفاسه..وتسلل بين السيقان مسرعا إلى الخارج..

بكى يومها كما لم يبك قبلها أبدا..لا يدري وقتها..أمن أثرالضربة..؟ أم للمصير الذي آل إليه الجرو البريء..؟ أم لما رآه من عزيزة..؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق