ثقافة السرد

رجل الرُّقْيَة

عبد العزيز دياب*

استطالت ذراعه أمام الناس في مقهى “الجوهرة” لصاحبه “عجورة”، كانت بدايةً مثيرةً ليخوض في طرق غامضة جعلته رجلا استثنائيًا، كان يجلس أمام الطاولة يلعب الورق، وكانت ذراعه متجهة إلى الماء البارد بجوار النصبة، صب لنفسه كوبًا، ارتدت الذراع واليد تحمل كوب الماء إلى حيث يقيم أمام الطاولة، نفس الرحلة التي تقدر بثلاثة أمتار على الأقل خاضتها الذراع مرة أخرى وأتت بكوب لرفيق الطاولة، أوقف رفيقه المباراة اعتقادًا منه أن صاحب الذراع التي استطالت إلى أن خرجت من المقهى ولوحت الكف للمرأة الجميلة التي تخوض في رحابة الشارع لا يمكن أن ينهزم أبداً، اكتفى بأن شرب معه سيجارة كليوبترا بوكس، وفرقع معه بالضحكات.
“عجورة” صاحب المقهى أعجبه ذلك، فيا حبذا لو أن كل الزبائن يتمتعون بتلك الفضيلة، فلن يحتاج إلى عامل يصب لهم الماء… يصب لهم الشاي… القهوة، كما أنها مادة سخية للحديث خلال السهرات التي يقوم برعايتها في جوف الليل على شرف “لهلوبة” الغازية…
“عجورة” لا يعي البداية التي كان منبعها الحسد، حسد الآخرين للرجل كان يدمر كل شيء، زوجته الجميلة خرجت عن طورها بانفعالات عصبية رجرجت البيت، ولم تعد هي تلك الوقور التي إذا تحدثت كان حديثها همسًا… أبناؤه الثلاثة شيع واحدًا إلى السجن، والثاني إلى المقابر إثر حادث أليم، أما الثالث فقد امتد رسوبه إلى ثلاث مرات في شهادة الثانوية العامة، كان وراء ذلك الرسوب فلسفة أحالت “هيجل” إلى المعاش، وأقعدت “كانت” إلى جوار الجدران، وأطلقت “أرسطو” عاريًا يتوارى بعريه وراء تمثال روماني، فلسفته كانت تقول: إن الرسوب نجاح، إذا رسوبه يعنى نجاحه، لكن ماذا يعنى أن يطلق الولد شعره، ليس ذلك فقط بل يقوم بصباغته بألوان بهيجة: خضراء وحمراء وبنفسجية، إلى جانب ذلك رسم لحية وشاربين رسمة مستفزة، فالشاربان خطان، يتصلان مع خط اللحية، وهى في طريقها حسب سخرية البعض لتتصل بخط “جرينتش”، الجيتار لا يفارقه وإذا تخلى عنه يستبدله “بالسنجة”… حسد الآخرين كان يدمر كل شيء، وهذا بيت الرجل الشامخ، المنتصب وسط حديقة غناء أصابته الشروخ والتصدعات… موالح الخمسة أفدنة أكلها العطب… إذا جلس ليشرب كوب شاي في المقهى اندلق على هدومه…
اهتدى الرجل إلى الرقية يمنحها لكل شيء في حياته، بدأها بكوب الشاي في المقهى، يمسح على جسد الفراغ حول كوب الشاي فظن رواد المقهى أن يهش ذبابًا، لكن “عجورة” أيقن أنه رجل استثنائي، تأكد يقينه بعد أن امتدت ذراعه مرة أخرى وصب لنفسه وزميل الطاولة كوبين ماء، وامتدت في موقف آخر ليغازل امرأة جميلة تمشى في الشارع.
رقية الرجل لكوب الشاي كانت البداية، بعدها كانت رقية لزوجته، يمسح جسدها بكف حنون مرتعشة، ليست تلك المَسَحَاتْ الشهوانية التي يظنها البعض، ورقية لولده عسى أن يتخلى عن حمل السنجة وقص شعره المصبوغ باللون الأخضر، كان يمسح على جسده ويخيل إليه أن اللون الأخضر يتساقط عنه، لكن الولد الذى يلهج لسانه بفلسفة عميقة قال: لن يفيد ذلك كله فالدنيا فارغة.
بعدها كانت رقية منزله، يمسح الفراغ من حوله، تستطيل ذراعاه وتلتفا حول البيت ليتمكن من أداء المهمة أداءً حسنًا، انتقل بعد ذلك إلى رقية للشارع، والبنايات، والمدارس، والجامعات، والمشافي، والملاعب… تمتد ذراعاه، تستطيلان لتتحقق رقية ناجحة يمسح بها على جسد مزرعته، الخمسة أفدنة مزروعة بالموالح، تستطيل ذراعاه، تلتفان حول محيطها ويمسح عليها، أو على الفراغ من حولها، بعدها كانت رقية للعالم بأسره، يمشى هائمًا على وجهه وهو يمسح على جسد الفراغ…
“عجورة” كان رجلا ألمعيًا، أشاع بأن الرجل بركة، أن رقيته تشفى العليل، وكانت الخلائق تزحف زحفها المبارك إلى بيته، والألمعي يبتز الخلائق ابتزازًا جميلا.

*كاتب من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق