ثقافة المقال

نبي الله الخضر عليه السلام (اسمه ولقبه ونسبه)

الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض

نبي الله الخضر عليه السلام عند تتبع حياته وسيرته في كتب التأريخ والتفاسير لن أجد أحداً أختلف الناس فيه كاختلافهم عليه، وفيه .

فقد اختلفوا في ولادته، واسمه ، وكنيته، ولقبه ، ونسبه، وزمانه ، ومكانه، كما اختلفوا في حياته، وفي وفاته ، وكما اختلفوا هل هو نبي مرسل؟ أم نبي؟ أو هو ولي من أولياء الله تعالى؟! وهل علمه الله تعالى العلم الحقيقي اللدني؟ أم علمه أحوال محدودة؟.هل هو حي؟ أم ميت؟

أولا : الولادة:

قد ذكرت المصادر التاريخية إن الخضر عليه السلام ولد قبل إبراهيم عليه السلام، (1) وإنه عاش في أيام أفريدون بن أثفيان، و في عهد ذي القرنين،
و قد اختلفت الأخبار والروايات في كيفية ولادته و نشأته، ويذكر الأستاذ عماد الهلالي صاحب كتاب العبد العالم الخضر عليه السلام (2) روايتين منقولة من بعض كتب التأريخ والتفاسير حول كيفية ولادة الخضر و نشأته:
الرواية الأولى : أوردها أبو القاسم السهيلي في كتابه (التعريف والأعلام) حيثذكر تفاصيل ولادة الخضر ونشأته بصورة لا تخلوا من مبالغة حيث قال: (كان أبوه ملكان، و أمه اسمها (ألها) وقد ضاع منها صغيرا فلما شب طلب أبوه كاتبا ً وجمع أهل المعرفة و النبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم عليه السلام وشيث عليه السلام وكان فيمن قدم عليه من الكتاب أبنه وهو لا يعرفه ، فلما استحسن خطه ومعرفته بحث عن جلبة أمره، فعرف انهابنه فضمه لنفسه و ولاه أمر الناس، ثم إن الخضر فر من الملك .. ) (1). أقول : يبد إن هذه القصة لا تخلو من ضعف من جهات عديدة، وكأنها نسجت على غرار ما ينسج من قصص خرافية وأساطير، بالإضافة لما تحتويه من غموض في بعض أحداثها كما لا يخفى على القارئ . وقد أورد الحافظ ابن كثير طرفا من هذه القصة، ولعله ذكرها للإستناس بها في ذكر ولادة نبي الله الخضر عليه السلام. وكما قدمنا يظهر التأليف والتكلف في من نسجها، وقد أوردنا ذلك أسوة بالحافظ.
الرواية الثانية: (إن الخضر كان من أبناء الملوك فآمن بالله وتخلى في بيت في دار أبيه يعبد الله، ولم يكن لأبيه ولد غيره، فأشاروا على أبي أن يزوجه، فلعل الله أن يرزقه ولدا فيكون الملك فيه وفي عقبه، فخطب له امرأة بكرا ً، وادخلها عليه فلم يلتفت الخضر إليها فلما كان اليوم الثاني قال لها: تكتمين
على أمري؟ فقالت: نعم، فقال لها: إن سألك أبي هل كان مني إليك ما يكون (2)الرجل إلى النساء ، فقولي : نعم ، فقالت: أفعل ، فسألها الملك عن ذلك ، فقالت:نعم ، و أشار عليه الناس أن يأمر النساء أن يفتشنها ، فأمر فكانت على حالتها،
فقالوا: أيها الملك زوجة الغر من الغرة ، زوجه امرأة ثيبا ً ، فزوجه ، فلما أدخلت عليه سألها الخضر أن تكتم عليه أمره ، فقالت: نعم ، فلما سألها الملك ،قالت: أيها الملك إن أبنك لا يأتي النساء تبتلا وعبادة ؟ ! (1)فغضب عليه فأمر بردم الباب عليه فردم ، فلما كان اليوم الثالث حركته رقة الآباء،فأمر بفتح الباب فلم يجده فيه ، و أعطاه الله من القوة أن يتصور كيف يشاء ، ثم كان على مقدمة ذي القرنين ، و شرب من الماء الذي من شرب منه بقي إلىالصيحة . وقد كان في الزمان الأول ملك له أسوة حسنة في أهل مملكته ، كان له أبن رغب عما هو فيه ، وتخلى في بيت يعبد الله ، فلما كبر سن الملك مشى إليه خيرة الناس ، و قالوا : أحسنت الولاية علينا ، و كبرت سنك ، و لا خلفك إلا أبنك ، وهو راغب عما أنت فيه ، وإنه لم ينل من الدنيا ، فلو حملته على النساء حتى يصيب لذة الدنيا لعاد ، فأخطب كريمة له ، فزوجه جارية لها أدب وعقل ، فلما أتوا بها. وحولوها إلى بيته أجلسوها وهو في صلاته ، فلما فرغ قال: أيتها المرأة ليست النساء من شأني ، فإن كنت تحبين أن تقيمي معي ، و تصنعين ما أصنع كان لكيمن الثواب كذا و كذا ، قالت: فأنا أقيم على ما تريد ، ثم إن أباه بعث إليها يسألها هل حبلت ؟ فقالت: إن أبنك ما كشف لي عن ثوب ، فأمر بردها إلى أهلها وغضب على ابنه ، وأغلق الباب عليه ، و وضع عليه الحرس ، فمكث ثلاثا ً ثم فتح عنه فلم يوجد في البيت أحد، وهذه الرواية لا تقل ضعفا وتهافتا من سابقتها ، ولكن قدمنا أن ذلك من أورده المؤرخون في كتبهم ، وبسطوا فيه الكلام ، حتى أن الحافظ ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء أورد روايات أخرى لولادة نبي الله الخضر عليه السلام ، أكثرها واه .و يذكر المؤرخون قصة نشأة الخضر اعتمادا ً على روايات تاريخية مذكورة في كتبهم ، فقالوا : إن الخضر عليه السلام كان أبن ملك من الملوك ، و كان أبوه ( ملكان ) ملكا عظيما (1) ، في الزمان الأول ، و لهذا الملك سيرة حسنة في أهل مملكته ، ولم يكن له ولد غير الخضر عليه السلام ، فسلمه إلى المؤدب ليعلمه و يؤدبه ، فكان الخضر عليه السلام يختلف إليه كل يوم ، فيجد في الطريق رجلا عابدا ً ناسكا ً ، فيعجبه حاله ، فكان الخضر عليه السلام يجلس عند ذلك العابد ، و يتعلم منه حتى شب على شمائل العبد و عباداته ، فنشأ الخضر منقطعا ً لعبادة الله عزوجل في غرفة خاصة به في قصر أبيه ملكان ، فأحب أبوه أن يزوجه ،ثم ذكروا بقية القصة وهي لا تختلف عما هو الوارد في الروايتين الأخيرتين . ونخلص من هذا أنه لم يصح في ولادة الخضر عليه السلام شيء ، وكل ما ورد لو لا أنه قد ذكر في كتب الأولين ما ذكرناه ، لتجاوزنا عن كثير من هذا الهراء والزيف والخرافة .
ثانياً : الاسم :أقوال العلماء في اسمه وكنيته ولقبه ونسبه عليه السلام :

قال الحافظ ابن عساكر : يقال له الخضر بن آدم لصلبه ، ثم روى الدار قطني عن ابن عباس رضي الله عنهما : قال : الخضر ابن آدم لصلبه (1).قال أبو حاتم السجستاني سمعت من مشائخنا أنهم قالوا : أن الخضر اسمه خضرون بن قابيل بن آدم .(2)وذكر ابن اسحاق : أنه لما حضرت آدم عليه السلام الوفاة اخبر بنيه عن الطوفان قلما كان يوم وفاته هابوه ، حتى ظهر الخضر عليه السلام فتولى دفنه فهو يحيى إلى ما شاء الله تعالى .(3)وذكر ابن قيبة في المعارف : أن اسم الخضر عليه السلام إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفحشد بن سام بن نوح عليه السلام (1)وقيل اسمه المعمر بن مالك بن عبدالله بن نصر بن زلاد .وقيل هو : خضرون بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن اسحاق بن ابراهيم الخليل عليهم السلام .وقيل هو : أرميا بن خلقيا .وقيل : كان مالك وإلياس أخوان ، فولد لمالك مولود صغير اسماه الخضر .وقيل : أنه من أبناء فرعون صاحب موسى بن عمران عليه السلام .وقيل : كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل عليه السلام .وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال : الخضر أمه رومية وأبوه فارسي ، وقيل بل أبوه رومي وأمه فارسية .

ثالثاً : الكنية :وقد وردت كنيته في تفسير روح المعاني ج15 ص319 بأبي العباس ، وأبي محمد .

رابعاً : اللقب : وورد في البداية والنهاية ج1 ، ص326 أنه لقب : بالخضر ، والعالم ، والعبد العالم وأشتهر بالأول .(1)وقد ذكر أكثر هذه الأقوال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية المجلد (2).ولعل من أسباب الاختلاف في الاسم واللقب هو من التصحيف أو من سهو النساخ وطول الزمان ، وذهول الناس عن الكتابة والتوثيق وإعتمادهم على الحفظ فقط ، ومما ذهبت إليه أكثر المصادر في اسم الخضر عليه السلام هو : ( بليان أو إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام لِمَ سُمِّي الخضر بهذا الاسم ؟

هذه أبرز الأقوال التي وردت في اسم ونسب نبي الله الخضر عليه السلام .وقد روى الإمام البخاري حدثنا محمد بن سعيد الاصبهاني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء ) والمراد بالفروة ها هنا الحشيش اليابس وقد تفرد به الإمام البخاري رحمه الله تعالى . قال الخطابي إنما سمي الخضر خضراً لحسنه وإشراقه وجهه ، وهذا لاينافي ما ثبت في الصحيح فيما سبق بيانه . وقال قتادة عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما سمي الخضر خضرا لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضــراء ) ، قال ابن كثير وهذا غريب من هذا الوجه ، وعن مجاهد قال : ( إنما سمي الخضر لانه كان إذا صلى إخضر ما حوله ، ولما وجدا موسى عليه السلام وفتاه الخضر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من رأسه وقدميه . والخضر عليه السلام نبي مبارك منذ ولادته ، ومحفوظ من الله تعالى ، قال الله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) سورة الأنعام (124) ، وقال تعالى : ( الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ) سورة الحج ( 75) .ويظهر مما سبق من حشد الأقوال ورصد ما ذهب إليه كتاب السير والتأريخ أن الأقرب في اسمه هو الخضر ، هو اسم سمي به ،و وافق لقبا لقب به ومما يؤدي ما ذهبنا إليه أولا : ما ثبت في صحيح الإمام البخاري من حديث محمد بن سعيد الاصبهاني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء ) .فهذا دليل بين واضح على أن الاسم هو الخضر عليه السلام .

ثانياً: ما قاله الخطابي : ( إنما سمي الخضر خضراً لحسنه وإشراقه وجهه ) (3) ،ويظهر في هذا أنه ولد في صورة حسنة بهية ، وإشراقة نضرة ، فسموه أهله الخضر لهذا فهو اسم ولقب لقب به .

ثالثاً : تظافر الأقوال السابقة فيه على أن اسمه الخضر ، بل أكثر الأقوال التي وردت في كتب المفسرين وكتب التأريخ في شرح قصة موسى عليه السلام تكون مع الخضر عليه السلام .

رابعاً : عنون الإمام ابن كثير في قصص الأنبياء : قصة موسى والخضر عليهما السلام .(1)

خامساً : ذكر غير واحد من كتاب السير والتأريخ هذا العنوان : قصة موسى والخضر عليهما السلام .(2).

سادساً : قلة من ذهب إلى أن اسمه غير الخضر ، مقارنة بمن أثبت للخضر هذا الاسم ، وهذا يظهر من إستعراض ما سبق من أقوال أهل التأريخ والسير في شأنه عليه السلام . ولذا يظهر مما سبق ذكره وسرده أن الخضر هو الأسم الحقيقي واللقب .(1)ضبط اسم الخضر عليه السلام :

ورد اسم الخضر عليه السلام في اللغة مضبوطة بصور مختلفة ، منها :

أولاً : الخَضِر : بفمتخ الخاء وكسر الضاد ، قال الله تعالى : ( فأخرجنا منه خَضِراً ) سورة الأنعام (99) ، ثانياً : الخِضْر : بكسر الخاء وتسكين الضاد ، على وزن كِتْف وهو أفصح كما الإمام الرازي (2)

ثالثاً : خُضْر : بضم الخاء وسكون الضاد ، قال الله تعالى : ( ويلبسون ثياباً خُضْراً من سندس ) سورة الكهف ( 31) .

رابعاً : الخَضْر : ويقال بفتح الخاء وسكون الضاد . قال صلى الله عليه وسلم : أيّاكم وخَضْراء الدّمـــن ) قيل يارسول الله وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء ) (3).

خامساً : الخَضَر : ويقال بفتح الخاء والضاد ، وقد سمعت الناس ينادون بهذا الاسم ، ولعله تصحيف ، أو من العامي الفصيح ، والذي له وجه في اللغة .وقد رأيت أن هذا الاسم منتشر ومتداول بين المسلمين ،فلا يخلو قطر مسلم إلا ولهذا الاسم مكان عند الناس ، بل قد رحل هذا الاسم حتى إلى الديانات الأخرى غير الإسلام ، فاليهودية والنصرانية وبعض النحل الأخرى ، يوجد اسم نبي الله الخضر عليه السلام ، وهذا يدل على أنتشار خبره عليه السلام بين الناس جميعاً . ( يتبع )

الدكتور / سالم بن رزيق بن عوض ــــــــ جدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق