قراءات ودراسات

ورقة نقدية في قصّة القنديل الصّغير لغسّان كنفاني.

الإنسان قضيّة.. الطّفل قضيّة

رشدي بن صالح سعداوي*

لئن كان من شائع الكتابة و سهل التّناول السّردي أن تحمل القصّة الموجّهة للشّاب و الكهل رسائل سياسيّة و ذلك مهما كانت أغراضها. فإنّه من النّادر و العسير أن تحوي قصّة الطّفل مضمونا سياسيّا عميقا دونما الوقوع في الخطاب التّوجيهي المباشر الأيديولوجي الفجّ. و لعلّ من هذا النّادر العسير ما خطّه غسّان كنفاني في قصّة ” القنديل الصّغير”.
ورقة نقدية مختلفة لقصّة مختلفة. القصّة موجّهة للطّفل. ستتولّى طفلة، حلا سعداوي، انطلاقا من مقدّمتها كما رواها غسّان كنفاني، تخيّل أحداثها وروايتها لكم. في مرحلة ثانية سأتولّى عرض بعض ملاحظاتي حول القصّة.
قصّة “القنديل الصّغير” لغسّان كنفاني، صدرت بعد استشهاده ضمن مجموعة قصصيّة (1) كما صدرت في كتيّب منفصل (2).
و لم أجد أبلغ وأدقّ ممّا كتبته آني كنفاني عن زوجها تقديما لهذه القصّة حيث تقول: ” في كلّ عام كان غسّان كنفاني يكتب قصّة و يرسمها للميس، ابنة أخته، في عيد ميلادها. ما زلت أذكر يديه المرهفتين وهو يعدّ الرّسومات الجميلة للقصّة الّتي كان قد انتهى للتّوّ من كتابتها لعيد ميلادها الثّامن… كان غسّان في الثّانية عشرة من عمره في العام ١٩٤٨ عندما أرغم وأسرته على مغادرة وطنه فلسطين. وهكذا تحوّلوا إلى لاجئين، واستقرّوا في دمشق… وفي سنّ العشرين، انتقل غسّان إلى الكويت للانضمام إلى أخته، والدة لميس، وبدأ العمل كمدرّس للفنون. ولدت لميس في العام ١٩٥٥… كان غسّان يحبّها حبّا كبيرا وكانت هي تبادله هذا الحبّ الكبير… كانت علاقتهما عميقة جدّا و كأنّ هناك رابط قويّ يجمعهما، حتّى في الموت. ففي بيروت، صبيحة السّبت ٨ تموز/ يوليو ١٩٧٢، استشهدت لميس مع خالها غسّان، إذ كانت برفقته لحظة اغتياله بتفجير سيّارته. دفن غسّان و لميس في مقبرة الشّهداء في بيروت، حيث الأرض بيضاء بحمرة أرض فلسطين، وتركا لكم كتابهما « القنديل الصّغير » كي تقرؤوه. ” (3)

من هذا التّقديم يمكن أن نلمس ميزة في شخصية كاتبنا غسّان كنفاني ألا و هي رهافة الحسّ الذي لازمه و جعله أديبا. فرغم ما عاشه من معاناة الاحتلال والتّهجير واللّجوء، ورغم انخراطه في النّضال و المقاومة من خلال انتمائه للجّبهة الشّعبية لتحرير فلسطين و ما يتطلّبه ذلك من رباطة جأش إلى حدّ استشهاده. فإنّ ذلك لم ينزع عنه شعوره الإنساني الجميل كأيّ فلسطيني. و ما علاقته بالطّفلة الشّهيدة لميس و ما كتبه لها إلّا مثالا على ذلك و صفعة في وجه الكيان الصّهيوني من غسّان الإنسان.

شكلا لم يشذّ كنفاني في مقدّمة قصّته عن الموروث السّردي العربيّ، وحتّى العالمي، الموجّه للطّفل: ملك عادل يموت و يترك وصيّة لابنته الأميرة و تدخّل حكيم القصر كشخصية مساعدة. ولكن من حيث المضمون يطرح كنفاني في مستهلّ قصّته إشكالية فلسفية وسياسية عميقة ألا وهي الحكم و محدّدات شرعيته. مات الملك و ترك وصيّة لابنته بأن تدخل الشّمس للقصر لتتوّج ملكة وإلّا فستسجن في صندوق!

حلا سعداوي -تلميذة سنة رابعة ابتدائي

كتبت حلا سعداوي تصوّرها كحلّ لهذه الإشكالية فقالت:

نور القلب

… مقدّمة غسّان كنفاني…(4)

بعد أن قرأت الأميرة الصّغيرة وصيّة أبيها، استدعت حكيم القصر وقالت له أنّ أباها قد كلّفها بمهمّة عسيرة، و أنّها لا تريد أن تكون ملكة أبدا… فأجابها الحكيم: “لا يمكنني أن أساعدك، عليك أن تتّبعي وصيّة أبيك لوحدك.”. فقالت مستغربة: “كيف يتمّ جلب الشّمس للقصر؟ هذا أمر مستحيل! ” واستدعت كلّ الوزراء لكن دون جدوى. وفي ليلة من اللّيالي وهي نائمة، أتاها أبوها في حلمها والبسمة تبدو على محيّاه وهو يقول: “ألم تستطيعي فكّ لغز الوصيّة؟ كنت أظنّك ستحلّينها! سأساعدك بالقليل: معنى الشّمس ليس هي بذاتها بل ضوئها، ومعنى الصّندوق ليس هو بذاته بل ظلمته” ثمّ اختفى. أفاقت الصّغيرة في هلع وخرجت من غرفتها وذهب إلى عرش أبيها وجلست تحته وبدأت تبكي. ثمّ قالت في نفسها: “هل الحلم صحيح أم لا؟ غدا سأحلّ ذلك! “و عادت للنّوم. وفي الصّباح أفاقت وذهبت إلى حديقة القصر وقالت: “يا إلهي، هل كلام أبي صحيح؟ ” فأجابتها زهرة الأقحوان: “نعم يا صغيرتي، كلامه صحيح فهو شخص طيّب. هو من كان يسقينا ويرعانا ويحمينا وأنا أريد أن أرجع له جميله، لكنّه مات! وسأساعدك عوضه. الّذي أمرك به أبوك لا يمكنني مساعدتك فيه لأنّه توجّه به لك أنت فقط ولكن إذا تعرّضت لخطر سأحميك منه. “

شكرت البنيّة الأقحوانة وذهبت إلى القصر، جلست إلى عرش أبيها تفكّر في حلّ. قالت في نفسها: ” إذا فتحت في كلّ غرفة نافذة فسينير القصر…” ثمّ ذهبت وطلبت منهم فتح نوافذ في كلّ غرفة ولكنّها كانت تشعر بأنّ فتح نوافذ لا ينفع وحده لإنارة القصر وبأنّ أباها يريدها أن تضيء قلبها فتضيء القصر بالهناء والسّعادة للجميع.

هكذا، وانطلاقا من مقدّمة غسّان كنفاني لقصّته ” القنديل الصّغير “، تخيّلت حلا أحداث القصّة دون الإطّلاع على وسطها ونهايتها.

كما أسلفنا، كنفاني يطرح إشكالية الحكم ضمن إطار سردي كلاسيكي يبدو للوهلة الأولى نمطي لكنّه في عمقه يحمل رسائل سياسيّة وتربويّة تتعدّى الطّفل في المقاصد لتمسّ المجتمع بكلّ مكوّناته.

يموت الملك ويترك وصيّة لابنته الوحيدة تشترط إتيانها بالشّمس للقصر أو تحرم الملك وتعيش في صندوق.

أمام استحالة المهمّة ترفض في البداية العرض وهو سلوك طبيعي لطفل أمام كلّ تحدّ لو لاحظنا حتّى الطّفلة حلا تبنّته في سرديتها. ثمّ انعزلت الأميرة لأنّها لم تجد من يساعدها حتّى حكيم القصر دفع بها للمحاولة دون أن يقدّم لها حلّ وكذا حال جميع من في القصر.

في مرحلة ثانية حاولت المسك بالشّمس ضمن تمشّ حسّي أسطوري، ميزتا الطفل قبل مرحلة التّجريد، فصعدت للجبل حيث تغرب الشّمس لتمسك بها وفشلت في مسعاها فدخلت في عزلة جديدة. هذه المرحلة الحسّية الأسطوريّة التي أتى عليها كنفاني في سرديته أوردتها حلا في سرديتها من خلال الحلم بالأب و الحوار مع الأقحوانة.

في مرحلة ثالثة حسّية تجريدية وانطلاقا من فانوس رأته ثمّ صار فوانيس أزالت الأميرة أسوار القصر لتدخل الفوانيس القصر فالنّور. ولئن اختلفت حلا شكلا مع كنفاني، حيث استبدلت إزالة الأسوار بفتح نوافذ ونور القنديل بنور القلب، فإنّ الرّمزية واحدة الانفتاح والتّنوير. من خلال هذه المقابلة بين سردية كنفاني وسردية حلا تتبيّن لنا عظمته في مجال الكتابة للطّفل حيث كتب كطفل أو كما يحسّ طفل.

سنحاول الآن التّطرّق لجوانب أكثر تعقيدا في قصّة كنفاني. هو عكس المشهد السّياسي السّائد في عصره من خلال إشارات خفيّة وذكيّة.

بدءا هو نظام ملكي، وسعى من خلال سرديته لتواصله كأنّه يريد أن يقول أنّه سيستمرّ وهو فعلا مستمرّ إلى يومنا. والملكيّة هنا لا تعني الشّكل وإنما عقلية الحكم فكم من جمهورية هي في جوهرها ملكيّة. إلّا أنّه طرح التّغيير بجعل الحكم استحقاق لا حقّ. لعلّها نافذة فتحها للشّعوب لتغيّر السّائد.

المسألة الثّانية نستجليها من شخوص القصّة. ملك شيخ وحكيم شيخ وكأنّ الحكمة ستظلّ في مجتمعاتنا حكرا على الشّيوخ. فقط الأميرة شابّة ولعلّها نافذة فتحها للنّاشئة للرّيادة في مجتمعاتها.

ثمّ شخصيات القصّة كلّهم ذكور من حكّامهم إلى مواطنيهم، مجتمع ذكوري فقط الأميرة أنثى، لعلّها نافذة فتحها كنفاني للمرأة لتكافح وتفتكّ موقعها.

ليختم بخلاصة أتت كنتاج سردي طبيعي مضمونه أنّ النّوافذ سالفة الذّكر ما هي إلّا مسيرة انفتاح وتنوير ما أحوجنا إليها في واقعنا.

_______
المراجع:
(1) كنفاني، غسّان. أطفال غسّان كنفاني و القنديل الصّغير، دار المدى للثّقافة و النّشر، 2002. (الطّبعة الأولى 1975).
(2) كنفاني، غسّان. القنديل الصّغير، مؤسّسة غسّان كنفاني الثّقافية، بيروت 2005.
الرّابط الألكتروني لقراءة القصّة: http://qrtopa.com/books/reading?token=JDJ5JDEwJFZudFJXQWd5ZkdPWlRkYjE4Qi5FRk94NUF1cTNVc2djTDB1YnBYM1pOWlJGNHJ5VjZ6QjZP
رابط القصّة على اليوتوب:
https://youtu.be/EOk9JBOu41c
(3) كنفاني، غسّان. القنديل الصّغير، مؤسّسة غسّان كنفاني الثّقافية، بيروت 2005. ص 7.
(4) كنفاني، غسّان. القنديل الصّغير، مؤسّسة غسّان كنفاني الثّقافية، بيروت 2005. من ص 18 إلى ص 22.

*كاتب وشاعر تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق