قراءات ودراسات

الوضع وسرقة الحديث الشريف

د. عالية سليمان سعيد العطروز*

الوضع وسرقة الحديث الشريف:
الوضع في الحديث الشريف:

إن من المواضيع المهمة التي درسها نقاد الحديث وعلماء الجرح والتعديل قضية الوضع في الحديث، فلقد شكلت قضية الوضع ظاهرة قوية كانت لها أسبابها، ولوفرة ما كتب حول هذا الموضوع، ستقتصر الباحثة عل أهم العناوين التي لها علاقة بهذا الموضوع ، وهي:
أوّلاً: تعريف الوضع:

الوضع لغة، قال أبو الخطاب ابن دحيه: “الموضوع الملصق، وضع فلان على فلان كذا أي ألصقه به”. أمّا اصطلاحاً فيعرف الوضع بأنه: “الْمُخْتَلَقُ الْمَصْنُوعُ”.
فأساس تعريفه بأنه الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. بأن يختلق أحدهم حديثا ليس له وجود وينسبه لأحدهم ليرويه على لسان النبي عليه الصلاة والسلام. وبهذه الصورة يظهر المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي لهذه الكلمة، والتي تتلخص في عدم توفر الصحة في النسبة.
ثانياً: بواعث ظهور الوضع:
من خلال ما سبق تبين للباحثة أن حقيقة الوضع هو الكذب على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الباعث للنفس على ذلك يختلف من حين لآخر، دون خلاف في حرمة الكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام مهما كان عذر فاعله. وفيما يلي توضيح لبواعث الوضع:
أ-البواعث الطوعية التي تحدث بإرادة الفرد وهي:
1) الرغبة في تشويه الإسلام:
لقد شكل حقد الكثيرين من أعداء الإسلام سببا في سعيهم لتشويه صورة الإسلام والنيل منه بشتى السبل، ليجعل بعضهم من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيلته في ذلك، بالكذب فيها بإصرار وتعنت، لعله بهذه الطريقة يحقق مأربه بالثأر من الإسلام؛ لعدائه القديم مع هذا الدين. ومن الأمثلة على ذلك: ما رواه ابن الجوزي في الموضوعات بقوله:”… عن أم الطفيل امرأة أبى ” أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شابا موفورا، رجلاه في مخصر، عليه نعلان من ذهب، في وجهه مراس (فراش) من ذهب” .
2) الانتصار للمذهب: سواء أكان هذا المذهب مذهبا سياسيا أو عقائديا أو فقهيا أو لرغبة الشخص في الانتصار لفكرة معينة يتبناها، إذ إن شعور الفرد بالضعف في موقف معين و خوفه من الهزيمة يدفعه للكذب لعله بهذه الطريقة يحقق لنفسه جانبا من التوازن و الاستقرار، وهذا ما فعله بعض الوضاعين.
​ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره ابن الجوزي بقوله:”… عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يجئ في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام، يحيى السنة، والجماعة هجرته من خراسان إلى بيت المقدس، كهجرتي من مكة إلى المدينة “هذا حديث موضوع والمتهم به إسحاق بن محمشاذ”.
3) التوصل لبعض الأغراض الدنيوية كالتقرب لحاكم أو ولي أمر؛ طمعا بمال أو سيادة، وقد يكون الدافع رغبة الوَضاع بحشد الناس حوله، وهو ما عرف عن جماعة من القصاص والوعاظ. وبالذات بين القصاص إذ أن المجال مفتوح أمامهم للكذب، لما للإغراب من أثر في جذب أنظار السامعين. فرغبة الفرد بتحقيق منفعة مادية مثلا أو بجمع الناس حوله لنيل إعجابهم، عده علماء النفس من أقوى الدوافع نحو الكذب؛لما له من أثر في إفقاد النفس اتزانها.
ومن الأمثلة على ذلك:” قدم على المهدى بعشرة محدثين فيهم غياث ابن إبراهيم، وكان المهدى يحب الحمام، فقال لغياث: حدث أمير المؤمنين .فحدثه بحديث أبى هريرة: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل، وزاد فيه: أو جناح. فأمر له المهدى بعشرة آلاف درهم. فلما قام قال المهدى: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما استجلبت ذلك أنا. وأمر بالحمام فذبحت.”
4) من البواعث على الوضع ما له علاقة بالجانب الديني إذ أن الرغبة في حث الناس على الالتزام بأوامر الدين واجتناب نواهيه،قد دفع بالبعض لوضع الحديث، وهذا إن تشابه مع بعض من سبق إلا انه يتفرد بحسن النية المطلقة، التي دفعت بعض من ينتسب إلى الزهد لما روا من الناس بعدا عن الدين، إلى أن يضعوا من الأحاديث ما يساهم برأيهم على تحقيق نوع من الدافعية للناس لتصحيح مسار حياتهم، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن رجب بقوله: “… ومنهم من كان يتعمد الوضع ويتعبد بذلك: كما ذكر عن أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل ، وعن زكريا بن يحيى الوقار المصري.”
ومن الأمثلة على ذلك:”… أبو عصمة نوح بن أبى مريم يتعقب سور القرآن واحدة واحدة، فليصق بكل سورة فضيلة، ويرتب لها فائدة، ويضع فيها حديثا ينسبه إلى الرسول زورا بعد أن يصنع له سندا ينتهي في غالب ما وضع إلى ابن عباس، ثم إلى النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق عكرمة بن أبى جهل. كما كان أحيانا يرفع إلى أبى بن كعب أو سواه.والعجب منه ومن أمثاله.لا يرى أنه وقع في إثم بما فعل! اسمع إليه يدفع عن نفسه اللوم حين عوتب فيقول: لما رأيت اشتغال الناس بفقه أبى حنيفة، ومغازى محمد بن إسحاق، وأنهم أعرضوا عن القرآن، وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى” .
ومما ينبغي التنبيه عليه أنه على الرغم من سلامة نية من يضع الحديث لمثل هذا السبب إلا أنه لا يصح منه هذا التصرف بحال من الأحوال ،فلا مبرر للكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن الوضع في هذه الحال يعد من أشد الأنواع فسادا و ضررا ،لما يصاحبه من حسن تسليم العوام لمثل هؤلاء المدعين للصلاح فثقة الناس بهم يجعلهم يقبلون على حديثهم بلا مناقشة.
ج-من الأسباب التي تدفع بالبعض على الوضع أسباب قهرية دون إرادة الراوي ومنها:
1) وقوع الراوي بالغلط و الوهم إما نسيانا من الراوي.
2) أو لكون المحدث قد ابتلي بوراق يدس في حديثة ما ليس منه.
3) أو لحدوث خلل في ضبطه، لإصابته بعلة عقلية معينة كالاختلاط وغيرها، مما يجعل الراوي يقع بالكذب دون أن يقصد ذلك.وقد شكل هذا الأمر سببا في تعرض بعض المحدثين للتلقين بشتى أنواعه كما سبقت الإشارة لذلك.
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام الذهبي عن عبد الله بن صالح كاتب الليث بقوله:” كان في نفسه صدوقا، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له، فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبى صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبدالله ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبدالله أنه خطه فيحدث به” .

سرقة الحديث النبوي
​يقال في اللغة:” (سرق) السين والراء والقاف أصلٌ يدلُّ على أخْذ شيء في خفاء وسِتر. يقال سَرَقَ يَسْرق سَرِقَةً. والمسروق سَرَقٌ. واستَرَقَ السَّمع، إذا تسمَّع مختفياً. ومما شذَّ عن هذا الباب السَّرَق: جمعَ سَرَقة، وهي القطعة من الحرير”. فالأصل في كلمة السرقة أخذ المرء ما ليس له خفية.
وانطلاقا من التعريف اللغوي فإنه يمكن أن تعرف سرقة الحديث بأنها استيلاء أحد الرواة على شيء من مسموعات أو كتابات غيره مدعيا أنها له. وبعد التعرف على مفهوم السرقة مجردا من أي حالة أخرى، و نتيجة للتداخل الحاصل بينها و بين مفاهيم أخرى كالتدليس والإرسال الخفي وغيرها، كان من الأجدر توضيح أهم الأسباب التي دفعت بالبعض لمثل هذا التصرف، وفيما يلي بيان ذلك:

• الأسباب الباعثة على سرقة الحديث الشريف:
تعددت الأسباب الباعثة على السرقة للحديث فكان منها ما يلي:

أ-الأسباب النفسية:
1- الشره الشديد بالرواية مع قلة ما لديه من المرويات:
قال سفيان الثوري: “أكثروا من الأحاديث ، فإنها سلاح، وقال أيضا: فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة”، لقد دفعت مثل هذه الأقوال بعض من عمل بالحديث إلى زيادة الرغبة لديه في جمع أكبر قدر ممكن من الروايات لا سيما مع ما تميز به المحدثون بين الناس من منزلة عاليه ومكانة رفيعة؛ إلا أن بعضهم قد ضل الخطى، بإتباعه لأساليب غير صحيحة.
قال ابن الجوزي:” القسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث ولم يكن مقصودهم صحيحا ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب فطافوا البلدان ليقول أحدهم لقيت فلانا ولي من الأسانيد ما ليس لغيري وعندي أحاديث ليست عند غيري وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث وكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة وهي البستان الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه ويقول في مجموعاته حدثني فلان وفلان بالزقة ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث. قال المصنف: وهذا كله من الإخلاص بمعزل وإنما مقصودهم الرساة والمباهاة، ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه، وربما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم فأخفاه؛ ليتفرد هو بالرواية وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشخصين، وربما رحل أحدهم إلى شيخ أول اسمه قاف أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب”.
ولذلك قال الإمام البخاري: “آفة أصحاب الحديث الشره.” . ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن الأثير من أن إبراهيم بن هدبة كان يروي عن الأوزاعي ولم يدركه.
2- الحرص على الدنيا والرغبة في البروز وطلب الشهرة. ولقد وصف الخطيب البغدادي هذا النوع من الناس، فقال: “وقد رأيت خلقاً من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى أهل الحديث، ويعدون أنفسهم من أهله المتخصصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يدّعون، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون، يرى الواحد منهم إذا كتب عدداً قليلا من الأجزاء واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر، أنه صاحب حديث على الإطلاق، و لما يجهد نفسه و يتعبها في طلابه، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه”.
قال ابن الصلاح: “عِلْمُ الْحَدِيثِ عِلْمٌ شَرِيفٌ، يُنَاسِبُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ، وَيُنَافِرُ مَسَاوِيَ الْأَخْلَاقِ، وَمَشَايِنَ الشِّيَمِ، وَهُوَ مِنْ عُلُومِ الْآخِرَةِ لَا مِنْ عُلُومِ الدُّنْيَا. فَمَنْ أَرَادَ التَّصَدِّيَ لِإِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، أَوْ لِإِفَادَةِ شَيْءٍ مِنْ عُلُومِهِ، فَلْيُقَدِّمْ تَصْحِيحَ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصَهَا، وَلْيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَأَدْنَاسِهَا، وَلْيَحْذَرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرِّيَاسَةِ، وَرُعُونَاتِهَا”.

ب-الأسباب العلمية:
1- جهل الراوي بقواعد الرواية الشفوية أو الكتابية عند المحدثين، أو عدم التزامه بها:
لقد وضع المحدثون قواعد صارمة للرواية لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، مفصلين في صيغ التحمل و الأداء بطريقة تحول دون وقوع الخطأ، إلا أن جهل البعض بهذه القواعد، أو تركه لها قد يوقعه في المحظور، بأن ينسب لنفسه ما ليس له.
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام الذهبي عند كلامه عن أحمد بن علي الطريثيثي بقوله:” وَقَالَ السِّلَفِيّ:هُوَ أَجْلُّ شَيْخ رَأَيْتُهُ لِلصُّوْفِيَّة، وَأَكْثَرُهُم حُرمَةً وَهَيْبَةً عِنْد أَصْحَابِه، لَمْ يُقرَأ عَلَيْهِ إِلاَّ مِنْ أَصلٍ، وَكُفَّ بَصَره بِأَخَرَةٍ، وَكَتَبَ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ الكِرْمَانِيّ أَجزَاءَ طَرِيَّةً، فَحَدَّثَ بِهَا اعتمَاداً عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ طَرِيْقَ المُحَدِّثِيْنَ وَدقَائِقَهُم، وَإِلاَّ فَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ، وَأُصُوْله كَالشَّمْس وُضُوحاً”.
وبالنسبة لهذه الحالات جميعا، فلم تخل من وجود للباعث النفسي عليها، رغم اشتراكه مع أسباب أخرى، ولم تخل جميعا من أثر تركته في الرواية، لتكون الظاهرة الأبرز في الدلالة على جرح عدالة الراوي و إسقاطها ظاهرة الوضع وسرقة الحديث النبوي الشريف.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*أستاذ مساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة القاسمية بالشارقة
Dr. Alia Suleiman Saeed Al Atrouz
Assistant Professor, Department of Islamic Studies, Qassimiya University, Sharjah

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق