قراءات ودراسات

قابيل ثنائية الخير والشر

سعيد ماروك *

” قابيل”، عمل أدبي خاص يتلمس، بحذر، زوايا حساسة وقلقة. عمل يختلف عن العالم الروائي الفريد لساراماغو الذي دأب على اختلاق افتراضات صادمة طارئة ليبني عليها مقولاته الأدبية المتمحورة حول موضوعة الإنسان وطبائعه ورغباته وقناعاته وتطلعاته وآلامه وآماله. في رواية «العمى» يفترض الكاتب بلداً يصيب العمى كل سكانه، وفي «انقطاعات الموت» يتخيل ساراماغو بلداً ينقطع عنه الموت وما يتبع ذلك من مفارقات، وكوميديا سوداء. وفي «الطوف الحجري»، تنفصل الجزيرة الإيبيرية عن أوروبا وتسبح عائمة في المحيط الأطلسي. وإلى جانب هذه العوالم السوريالية المتخيلة، طرح ساراماغو مواضيع مألوفة، كما في رواية «بالتزار وبليموندا» التي تتناول قصة حب تدور في برتغال القرن السابع عشر، ورواية «كل الأسماء» التي تدين البيروقراطية.

 

أما في رواية «قابيل»، فيلجأ ساراماغو إلى تاريخ موغل في القدم، عبر الاتكاء على مرجعية دينية راسخة تتمثل، هنا، في «العهد القديم». وتعدّ هذه الرواية استكمالاً لروايته السابقة «الانجيل يرويه المسيح» التي ناقشت، بدورها، ما ورد في «العهد الجديد»

*****

رواية «قابيل» هي نوع من إعادة البناء للسرديات الكبرى الواردة في العهد القديم، وغيره من النصوص الدينية. تبدأ الرواية بخروج آدم وحواء من «جنة عدن» إثر تذوقهما ثمرة شجرة المعرفة. ولعل هذه البداية التي أسست لمفهوم «الذنب أو الخطيئة»، والتي قادت الكائنين البشريين الى التمييز بين الخير والشر تختزل مضمون الرواية القائم على هذه الثنائية. بعد الخروج من الجنة ومجيء الأولاد، يقدم قابيل على قتل شقيقه هابيل، ليصبح إنساناً مطارداً هائماً على وجهه. يشهد قابيل بنفسه، بعد ذلك، على أحداث كبرى، إذ يلتقي بإبراهيم ويرى برج بابل العظيم الذي أراد به البشر الوصول إلى السماء، فهوى بنفخة واحدة، ويصل إلى سفح جبل سيناء وعبادة الناس لعجل ذهبي. وترد حكاية مدينة أريحا التي تهدّم سورها بدوي أبواق من قرون الكباش، ثم أُهلك كل من فيها من رجال ونساء، شباب وشيوخ، وكذلك الأبقار والأغنام والحمير، وحكاية الفيضان وسفينة نوح، وحكاية أيوب الذي امتحنه الله في ماله ورزقه. باختصار، تحفل الرواية بشخصيات كثيرة من التوراة وكذلك ترد أسماء يشوع وموسى وهارون ولوط… وغيرهم. ويجتهد ساراماغو في تقديم وصف موجز لكل شخصية، ثم يناقش تصرفاتها وسلوكها من دون أن يغرق في البعد اللاهوتي المعقد.

ولعل براعة ساراماغو لا تقتصر على نسج حكايات جديدة بناء على قصص قديمة معروفة وشائعة، وإعادة مجريات التاريخ وفق تصور حداثي، إذا جاز التعبير، بل هو يمضي بالسخرية إلى نهاياتها القصوى مستخدماً الطرافة والكثير من المرح والخفة، فيأتي السرد طازجاً متخففاً كأنه يناقش قضايا وشؤوناً حياتية معاصرة.

ساراماغو وماهية القربان:

قابيل وهابيل، القاتل والقتيل، صورتنا الحقيقية عن ماهية التحريك في العالم الأرضي، رعبنا الدائم المتذبذب بين المطهر والنعيم، وسؤالنا الذي لا نمل من تكراره حول الجبرية وحرية الخيار، أيهما يحفظ لنا الهيئة الإنسانية وكرامتها. أما تفكيك تلك الصورة الملغزة فيدخلنا في متاهة الغواية الكبرى، وهذا ما فعله  ساراماغو في روايته  بجرأة غير مسبوقة. إذ تناول مفاصل التاريخ التوراتي الحاسمة ليناقش فعل القتل كحرية توسوس للإنسان الممتحن بالخلاص، متخذا من قابيل مثالا للبطل الأسطوري الذي دشنت جريمته فجر التاريخ الإنساني.

يتغلغل ساراماغو في مسار الأحداث التوراتية ليفسر موقف قابيل وشعوره إزاء نبذ الإله السيد لقربانه، ويتوقف مليا عند الازدراء والتجاهل الذي يلقاه منه، ويجعله متلبسا موقف هابيل؛ فبدل أن يشفق على حزن أخيه ويواسيه، يسخر منه، رافعا من قيمة نفسه، معلنا أمام قابيل المرتبك والحائر، أنه المختار من الإله. انعدام رحمة هابيل، والتبجح والازدراء، منح ساراماغو الإذن بتسويغ فعل القتل، وإلقاء تبعاته على عاتق السيد باعتباره المذنب الأول لأنه دمّر حياة قابيل. بذلك نهضت أساسات التمرد الأولى، وُمنحت صفة الحرية من أجل القتل، وترافقت بتحدٍّ لإرادة السيد وسلطة كبريائه التي رفضت قربان قابيل، مع أنه قدم الشيء الوحيد الذي يمكنه تقديمه: البذور والسنابل التي نمت بجهده وعرقه.

هكذا أرسى الكاتب قواعد لعبته بين السيد ممثل السلطة وقابيل المتمرد الأول الذي أعلن: طوبى لمن اختار الغواية لأن ملكوت الأرض سيكون له. غدا مدنسا للمقدسات، لكن تدنيسه في رأي ساراماغو لن يكون أعظم من سماح السيد بموت هابيل، الذريعة التي فجرت تاريخ الأضاحي البشرية. قابيل قدم جوابه حين قتل هابيل لأنه لم يستطع قتل السيد، أما السيد فأقر بأن “حصته من الذنب لا تغفر عن حصة قابيل منه”، لذا سيظل مدى الحياة تحت حمايته ورقابته.

رأى ساراماغو في قابيل الإنسان المطارد الهائم على وجهه، الملاحق بخطواته نفسها، الملعون قاتل الأخ، الذي كانت لديه مبادئ طيبة لا تتوافر إلا لقلائل. فقد نام ليلة طرده، كما يفترض بحجر أن ينام بلامسؤولية، بلا وعي وبلا ذنب، وإن كانت الكلمات الأولى التي قالها حين استيقظ، لقد قتلت أخي.

بدءا من هذه الصورة يدخلنا ساراماغو في قلب التيه التوراتي، وازدواجية المعايير الأخلاقية، التي ترسم ملامح الإله أو كما يسمّيه السيد المتواري خلف قناع القسوة والتعطش للدماء.

في التباس متعمد يخلط ساراماغو الأوراق ليسمي قابيل باسم هابيل، ويدخله أول تجربة احتكاكية مع أقرانه الخاطئين، في البلدة التي تحكمها ليليت سيدة الشهوة والفتنة، حيث يغدو أبا لطفلها، وتصبح هي صورة الأنثى المدانة في التوراة، ممثلة كل النساء. ومع أنها تتوقف عن التهام الرجال إلا أن قابيل يستأنف تيهه ضمن تداخل في الأزمنة يبلبل التاريخ.

بحث ساراماغو عن ماهية القربان في التوراة فوجده متجذرا كعادة، كتكرار للقصة ذاتها: البدء بخروف والانتهاء بقتل من يجب حبه أكثر من الجميع: الابن. أي أننا نكون قد وصلنا إلى ابرهيم وابنه إسحاق الذي يتجرأ ويسأل قابيل: لو كان لهذا السيد ابن، فهل سيأمر بقتله، فيجيب ساراماغو بخبث: المستقبل سيقول ذلك، فليس من مستحيل على السيد. لنصل بعدها مع قابيل إلى برج بابل، ومأزق اللغة الواحدة التي تشرذمت لغات كي لا يبلغ البشر السماء، ويكون ساراماغو قد أضاف إلى السيد صفة الغيرة والحسد بعدما سمّاه بالحاقد. ثم يعود قابيل إلى ابرهيم ويتوجه بصحبته إلى سدوم وعمورة، حيث أهلك السيد البررة مع الفاسدين من دون أن يستثني الأطفال. ثم يدخل صحراء سيناء، ويصدم بأوامر موسى التي تخمد التمرد بدفع الأخ لقتل أخيه وجاره، لتبلغ التضحية ثلاثة آلاف رجل بمشيئة إله إسرائيل!

يناقش ساراماغو بسخرية هامش الأخلاق التوراتية؛ موافقة السيد على زنى المحارم كأمر يومي لا يستحق العقاب في تلك المجتمعات القديمة التي شكلها هو نفسه، يسوّغه بأهمية انتشار الجنس البشري، سواء بالدافع النزوي أو بمجرد الشهوة، أو لما صار يقال في ما بعد من أجل صنع المعروف من دون التدقيق لمن. ليبيرالية السيد في مسألة صنع الأبناء، لها علاقة بالحاجة إلى تعويض الخسائر من الموتى والجرحى التي تتعرض لها الجيوش الموالية والمعارضة كل يوم، مما يجعل الحرب تجارة من الطراز الأول، وربما هي أفضل تجارة على الإطلاق، بالنظر إلى السهولة التي تكتسب بها، في رفة جفن، آلاف الأبقار والأغنام والحمير والنساء الأبكار، لذا يدعو قابيل لتسمية السيد بإله الجيوش.

يتوقف ساراماغو مليا عند يشوع لطرح هشاشة الحياة الإنسانية؛ فقد اعتاد القائد العسكري أن يخلّف وراءه آلاف القتلى بعد كل معركة، لكنه فقد عقله عندما مات له عدد تافه يتمثل في ستة وثلاثين من جنوده. لأجل ذلك رجم السارق جالب الهزيمة حتى الموت كي يهدئ غضب السيد. وانتصر في معركته بعدئذ ليسقط اثنا عشر ألفا من الرجال والنساء. ومع أن مجازر المدن الأخرى التي تم جزر السكان فيها عن بكرة أبيهم، فاتت قابيل، لكنه أكد أنه لم يشهد في جميع الأزمنة أعجوبة أعظم من تلك التي جعل السيد فيها الشمس تتوقف كي يتمكن يشوع من الانتصار على ضوء النهار في المعركة ضد الملوك الأموريين.

تحرض محنة أيوب قابيل على المناشدة الحانقة لاستبدال الرعب والخوف المتواصل بالرحمة والنقاء الجديرة بالإله. فهو يستشعر أن السيد لا يحب البشر، وصممه إزاء معاناتهم خير دليل على ذلك. فمن أنحاء العالم تتعالى إليه التضرعات، من الفقراء، التعساء، المنكوبين، جميعهم يتوسلون إليه العلاج الذي ينكره عليهم العالم، فيدير لهم ظهره. لقد بدأ بحلف مع العبرانيين وهو الآن يعقد اتفاقا مع الشيطان، لهذا لا يرى قابيل موجبا لوجود إله. أما دور إبليس في محنة أيوب فيشرح وضعا بالغ الخطورة يتمثل في تواطؤ تكتيكي، لكنه مضمر، بين الجانب الشرير والجانب الخيّر في العالم. وجود الشيطان يعني أن هناك أمرا لا يمكن الأخلاق البسيطة تفهمه. يتجه قابيل للتفكير في منح حياته طريقا أكثر احتراما. ومع أن قابيل قتل أخاه، لكنه حضن في داخله حسا أخلاقيا بالوجود، أملى عليه أن يخوض مواجهة شجاعة مع الرب.

يحط قابيل طوافه عند نوح وسفينته، آن فسدت الأرض وطغى العنف فيها، وترافق مع بدايات تمرد الملائكة واعترافهم بأن الحياة في السماء هي أشد الأمور ضجرا، وتفضيلهم سعادات الناس العاديين البسيطة. أما فكرة الطوفان فيجدها قابيل مؤاسية، إذ كيف يمكن التجربة الثانية أن تكون مرضية في الوقت الذي انتهت فيه التجربة الأولى بسلسلة من التعاسات، مما يعني أن الكائنات البشرية لا تستحق الحياة. تتضاعف نقمة قابيل على السيد، ويلقي تبعات الانحراف الأخلاقي للبشر على السيد نفسه، الذي يستخدم سلطته للتحكم بالحياة الحميمة للمؤمنين به، واضعا لها قواعد ومحظورات وتحريمات وتلفيقات. يدعم قابيل رأيه بحادثة نوح الغارق في السكر وابنه حام الذي يفعل الفاحشة به، مما يدفع قابيل الى تسوية غضبه ضد السيد بقتل زوجة نوح وزوجات اولاده، كي يبيد البشرية ويضع الإله أمام وجهه الحقيقي. أي إن بذرة التمرد أثمرت رغبة حرف التاريخ عن مسار القربان، لكن المحاولة بقيت حلما يراود مخيلة المنظرين، وأملا في جدال يتواصل بين السيد وقابيل إلى الآن.

يتبنى ساراماغو فكرة التداخل بين الحيوات إذ يقول على لسان ليليت: لا أحد منا يظل شخصا واحدا، فأنت نفسك يا قابيل، هابيل أيضا. وما بين قابيل وهابيل، القاتل والقتيل، نتتبع معه كيف رسم القربان البشري خطوط الفصل الوهمية، بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجمعي، كي يكون التكرار صورة تشحذ حماسة المتطرفين والشهداء على السواء.

******

رواية «قابيل»؛ آخر ما كتب ساراماغو، وقد صدرت ترجمتها العربية، أخيراً، عن دار دال (دمشق – 2011) بتوقيع صالح علماني.

*كاتب مغربي..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق