ثقافة السرد

مزحة ثقيلة

مصطفى داود المرشد*

عدت لِتَوّي من المدينة الأم …لم أكَدْ أضع قدميّ في باحة الدار حتى علا الصوت في خارج الدار،،، أصوات صاخبة وحركة لعربات ثقيلة لم أتبين صنفها لكنّ سياج الحديقة الذي لم يكن مرتفعاً أعطاني فكرة أولية عن طبيعتها ،،خرجت مسرعا لأستجلي حقيقة الموقف ..وحين وقفت في الباب الخارجي كانت الصورة جلية واضحة ..أربع مدرعات أمريكية تحاصر المنزل من ثلاث جهات وقفت إحداهن بمواجهة الباب مباشرةً ،، كان منظر المدرعات بحجمها الكبير وأنواع الفوهات المنزلقة منها والثابتة وعدد الجنود المحتشدين فيها ومن حولها يوحي بأمر جلل ..كنت أراقب المشهد بحركة رادارية مجيلا بصري بين المدرعات الأربع ،، لكني أوليت إحداهن اهتماما أكبر كونها اتخذت مكانها بمواجهة المنزل تماماً..مضت فترة من الزمن دون ان يصدر من القوة المحاصرة سوى صوت لأمر القوة الذي كان يمسك بجهاز اتصال لاسلكي وهو يتحدث بانفعال لم يكن مبررا بالنسبة لي على الأقل وبعد أن أتَمّ اتصاله نزل من مدرعته موجها سلاحه نحوي وعلامات الغضب بادية على وجهه… كنت مسترخياً بأقصى حدود الاسترخاء .. فتوقف بمسافة عدة أمتار بدت له مناسبة بما يكفي لضمان سلامته من خطر قد يتهدده في أية لحظة … ثم قال بلغة انكليزية ” متأمركة* ”
هناك مصدر للنيران خرج من منزلك قبل قليل …
قلت : –
ليست هناك أيّة مصادر للنيران خرجت من منزلي.
عاد وأكّد *
بلى.. أنا اعرف ما أقول ولن يجديك الإنكار مهما حاولت ونحن في برج المراقبة رصدنا مصدر النيران على نحوٍ دقيق.
استغربت من إصرار آمر القوة المحاصِرة .. وعلى حين غرّة استذكرت أنّ هناك مناسبة زواج في مكان قريب … قلت
لعلك سمعت إطلاق نار في منطقة قريبة من هنا تقع إلى الخلف من هذا المكان …وهي ليست موجهة لكم ولكنّها أحدى الطقوس التي يستخدمها الناس للتعبير عن أفراحهم ..عادات عراقية تجهلونها حتماً….
لمحت في وجه آمر القوة شيئاً من الاطمئنان لما سمعه مني لكنه أردف محذراً: *
إن دخلت منزلك ووجدت سلاحا فستكون عرضةً للمحاسبة القانونية أمام الجيش الأمريكي ..
كانت لحظات محرجة فانا أمتلك قطعة سلاح قديمة كانت تستخدم في الحرب العالمية الثانية وهي سلاح نصف آلي لا يمكن حشوه إلا ببضع اطلاقات … قلت مع نفسي ..لن تلقَ بالاً منه حتى لو عثر عليها … لكنه سرعان ما تحرك إلى مدرعته وأعطى أوامره إلى باقي المدرعات بالتحرك …. تنفست الصعداء بعد أن أيقنت بجدية تحركهم بعيدا عن المنزل … دخلت المنزل مطمئنا أن الخطر زال ولو بشكل مؤقت … لكني انتبهت أثناء الدخول إلى نافذة المطبخ …. كانت هناك فوهة لسلاح بارزة من النافذة… تحركت سريعا إلى المكان فوجدت والدتي ممسكة بالسلاح القديم … –
ماذا تفعلين يا أماه ؟
قالت : *
راقبت الموقف وقلت ربما تحتاج إلى السلاح لمواجهة الجنود الأمريكان….
أصابتني موجة عاصفة من الضحك ….قلت : –
هل تعلمين حجم القوة التي كانت تحاصر المنزل ؟

*العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق