قراءات ودراسات

الجريمة والعقاب: القاتل المتأمل”1″

بقلم: حسين جبار” ديموزي”

تمثل رواية الكاتب الروسي العظيم فيدور ميخائيلوفتش دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” فاتحة أعماله الروائية الكبرى الخالدة، وبداية الخطوات في طريقه الخاص، متحررا من تقليد الأساليب السابقة. هذا الطريق الخاص الذي جعل منه واحداً من أعظم الروائيين، إن لم يكن أعظمهم، في العالم.
تتميز هذه الرواية الرائعة بالتوتر النفسي الحاد، وإن كانت رواياته الأخرى لا تخلو من هذا التوتر، فإنه (أي التوتر) هنا يكاد يربط مطلع الرواية بخاتمها ربطا محكما، دالاً على براعة فنية فذة في صب الأحداث بحيث لا نكاد نخرج في أي مشهد من المشاهد من ذاك الصراع الذي يعانيه بطلها.
ومع أن محور الرواية هو جريمة قتل، فالرواية لا تدخل تحت صنف الرواية البوليسية وذلك لسبب واضح بسيط وهو أن ذروة الرواية البوليسية إنما يتمثل في جهلنا بفاعل الجريمة؛ بينما نحن هنا، ومن المشهد الأول، نجد أنفسنا ليس أمام القاتل فقط وإنما في داخل صراعه النفسي السابق على جريمته؛ وذروتها التي لا تكاد تختفت إلا في الخاتمة هي في تلك التمزقات الحادة لنفسية القاتل وفي بحثه عن دافعه.
ومن المفارقة أن نرى أن القاتل لا يعرف لماذا قتل! إنه طالب جامعي ترك دراسته منذ أشهر قليلة، يعيش في غرقة صغيرة حقيرة خانقة ببطرسبج، وهو يعيش على ما ترسله اليه أمه التي تعيش مع اخته بعيدا عنه من مبلغ ضئيل بعد أن توقف عن اعطاء الدورس التي كانت تساعده بعض المساعدة.
إنه وضع مساعد بلا شك ليدفع شابا بائساً في طريق الجريمة، لكنه لم يقتل لهذا السبب فقط، وربما قط!، فهو سوف يصرخ أمام صونيا، منقذته، في حالة انفعالية قائلا: ((لو أنني لم أقتلها إلا بدافع الجوع، فلربما كنت الآن “سعيداً”! اعلمي هذا!))[١]. إن “مأساته” إنما تكمن في كونه “قاتلا مفكراً”، في أن جريمته نابعة عن تفكير تأملي. والتفكير التأملي هو صفة بارزة لأبطال دوستويفسكي المأساويين.
وسنرى في المحصلة بعد أن نعرج على رواياته الكبرى الأخرى أن التفكير التأملي، والأبطال الذين هم على مستوى عقلي عالٍ لا يحظون مطلقا بحياة طبيعية، فالعقل عند دوستويفسكي لا ينبغي إطلاق العنان له، لأنه يوهم الإنسان بحقوق ليست هي حقوقه ويأخذه إلى حدود ليس له أن يصل إليها. ويمكن أن نقول أن مسكن الشيطان هو العقل في نظر روائي روسيا الخالد.

أول شيء يقود إليه العقل الجامح صاحبه هو الانعزال عن المجتمع، وهذه الصورة تطالعنا في مطلع الرواية، كما يطالعنا تردد القاتل الطويل وتفكيره، ولذا فليس عجيبا أننا نراه وهو في لحظة القيام بجريمته وكأنه يفعل من دون وعي، كمن يمشي في حلم، وليس غريبا كذلك بأن الصدفة كان لها الدور الأبرز في خروجه من منزل العجوز المرابية دون أن يلحظه أحد، ولأنه واع بذلك كل الوعي(والوعي الذاتي هو من أبرز صفات أبطال دوستويفسكي) نراه يحدث نفسه قائلا:((لأنك محروم من العقل عاونك الشيطان!))[٢]. ولكن الشيطان لم يعاونه إلا لأنه ليس قاتلا مجربا ولا محترفا. ولهذا نراه هو ذاته أول من ينزل العقاب بنفسه، ليس ندما، ولكن بالتحديد لانه لا يستطيع إلا أن يفكر، وكأنه مفكر ينتقد الفكرة في اللحظة التي ينطق بها! وهذا ما يجعله يفند كل رأي يطرحه مع نفسه لتبرير جريمته. فهو يفند دافع الفقر والعوز قائلا لصونيا: ((لقد ذكرت لك منذ هنيهة أن مواردي كانت لا تتيح لي البقاء بالجامعة. ولكن هل تعلمين أنني ربما كان يمكنني مع ذلك أن أتابع دراستي؟ كان يمكن أن ترسل لي أمي ما أنا في حاجة إليه، وكان يمكنني أيضاً أن أجني بالعمل ما يكفيني طعاماً وكساءً وحذاءً. لا شك في أنني كنت أستطيع ذلك. كان يمكنني أن أعطي دروساً، فأتقاضى خمسيناً كوبيكاً عن كل درس)). ثم يفند رأيه في كون الإنسان مجرد قملة وفي حقه بالسلطة: ((هل يمكن حقاً أن تظني أنني كنت أجهل مثلاً أن مجرد القائي هذا السؤال :”هل لي حق في السلطة أم لا؟” كان يبرهن على أنني لا أملك ذلك الحق؟ أو هل تظنين أنني كنت أجهل أن القائي هذا السؤال:”هل الإنسان قملة؟” إنما يعني في الواقع أن الإنسان ليس قملة في نظري، وأنه ليس قملة إلا في نظر من لم يخطر بباله يوماً أن يلقي على نفسه ذلك السؤال، وإنما هو يمضي إلى هدفه قدماً لا يلوي على شيء؟ لئن ظللت أعذب نفسي طوال تلك الأيام كلها بالتساؤل عن نابليون أكان يقتل عجوزاً أم لا، فإن معنى ذلك أنني كنت أشعر شعوراً واضحاً بأنني لست نابليون))[٣]. ونحن نعلم مسبقاً كل هذه الأفكار التي كانت تسلبه راحته، وترميه في بحر من الشك والاضطراب، ونعم كذلك في ختام الجزء الثالث من الرواية بشأن مقالته التي يقسم فيها الناس فئتان: فئة العاديين، وفئة الخارقين. فأما “العاديون” فيجب أن يعيشوا طائعين خاضعين، وليس لهم حق في مخالفة القانون، وذلك لأنهم عاديون. وأما “الخارقون”، فيحق لهم أن يرتكبوا جميع الجرائم وأن يخالفوا جميع القوانين، وذلك لأنهم “خارقون”. هذه نظريته كما اختصرها لنا المحقق بورفير. وقد عقب راسكولنيكوف موضحاً أي سوء فهم: ((كل ما أوحيت به هو أن الانسان الخارق يملك الحق…لا الحق الرسمي بل الحق الشخصي في أن يأذن لضميره بتخطي بعض الحواجز…وذلك في حالة واحدة هي الحالة التي تتطلب فيها فكرته هذا التخطي(وهي فكرة قد يتوقف عليها سلام النوع الإنساني)))[٤].
في رده على سؤال المحقق بورفير حول إيمانه بوجود الله يقول راسكولنيكوف بأنه يؤمن به، ولكنه في حوار آخر مع صونيا نراه يشكك بوجود الله، ربما لم يكن تشككه هذا إلا اختباراً وامعاناً في الإلم لهذه المخلوقة الضعيفة، ولكن جوابه للمحقق قد يكون غير صادق هو الآخر، فلأننا نعرف أن كلامه، وخصوصاً مع المحقق، كان محسوباً بدقة، فلربما أجاب هكذا ليقول للمحقق بأن المؤمن بالله بعيد عن ارتكاب جريمة قتل، وما يجعلنا نشكك هكذا بإيمانه هو أنه لا يؤمن بالحياة الآخرة كما صرح بذلك في حوار مع سفدريجايلوف.
إذن هو شاب مفكر لا يؤمن بالله وهو يعاني كل ذلك الفقر والبؤس، لا شك أنه سيتساءل حينها عن الحدود، عن امكانيات الانسان، ولماذا هناك عظماء يخلدهم التأريخ وهم كانوا في زمانهم قتلة؟ ولم لا يكون هو عظيما كذلك؟
((لقد أحسست يا صونيا أن السلطة لا توهب إلا لمن يجرؤ أن يطأطئ ليتناولها. تكفي الجرأة: الجرأة كل شيء! ووافتني عندئذ، لأول مرة في حياتي، فكرة لا شك أنها لم تخطر ببال أحد حتى الآن في يوم من الأيام! لقد بدا لي واضحاً وضوح النهار، على حين فجأة، أنه ما من أحد قد تجرأ، حين رأى بطلان العالم، أن يمسك الشيطان من ذيله ببساطة، فيرسله إلى جهنم! أما أنا، أما أنا…فقد أردت أن أجرؤ، فقتلت! إنني حين قتلت لم أرد يا صونيا إلا أن أجرؤ! وذلك هو السبب الذي جعلني أقتل))[٥]. ثم يقول، واعيا مأساته كل الوعي، ((إن العقل هو الذي كان يقودني، وذلك بعينه هو ما ضيعني)).
من الضروري الإشارة إلى نقطة مهمة تخص أبطال دوستويفسكي وشخوصه بشكل عام، وهي تتعلق بالأساس ببراعة هذا الروائي الفذ وهي قدرته على رسم شخوصه بدرجة عالية من الدقة بحيث عندما نسير معهم لا نشعر بتدخل الراوي في تقلباتهم النفسية وفي تحولاتهم الروحية. والحال أننا قد نتساءل ونتشكك فيما يصبه راسكولنيكوف على نفسه من عذاب إذا لم نلاحظ أن هذا هو في صلب طبيعته. فنحن نسلم أن هناك توجيها إيديولوجيا يقوده دوستويفسكي ليهاجم العقل المتحرر ولكن هذا التوجيه، وهنا يتغلب الروائي فيه على الإيديولوجي، هو في صلب طبيعة بطله. فنحن قبل الجريمة نشاهد مع البطل حلما ذا دلالة بليغة: نرى راسكولنيكوف صبيا يقوده أبيه من يده في قريته الصغيرة، وأمام حانة(يخبرنا المؤلف أنه كان يخافها في صغره) نشاهد مجموعة من السكارى يقودهم ميكولكا وهم يعذبون فرساً هزيلة ويضربونها وهي تحاول أن تجر حملاً فوق طاقتها وأخيرا تسقط ميتة، وهنا يهرع راسكولنيكوف مرتمياً على خطم الفرس الميتة ويأخذ بالبكاء.
وبالرغم من أن ظاهر الحلم أنه يتحرك في الماضي فإنه محمل بشحنة عاطفية تنبؤية عالية(لن نستطيع هنا الإحاطة بإمكانيات الحلم عند دوستويفسكي)، فالأب الذي يفترض به أن يمثل الماضي لا نرى له في الحلم سوى حضوراً شبحياً سلبيا(ليس هناك وصف لملامحه ولا لمشاعره) وعندما يتوجه الصبي إليه بالسؤال مستنكراً نرى جواب الأب سلبياً متشابها في المرتين:[٦].
صاح الطفل يسأل أباه:
-أبتٓ! أبتِ! ماذا يفعلون؟ أبتٓ! لماذا يضربون الفرس المسكينة؟
قال الأب:
-تعال، تعال، انهم سكارى يرتكبون حماقات. تعال! لا تنظر إليهم؟
………
دمدم الطفل يقول بين شهقتين سائلا أباه:
-أبتِ…لماذا…الحصان المسكين…فعلوا به؟…
ولكن أنفاسه تقطعت، وكانت الكلمات تتدفق من صدره المختنق مع صرخات!
قال الأب:
-هم سكارى يرتكبون حماقات. ليس هذا شأننا. تعال!
………

وكما يرى فيليب رالف فإن الفرس تمثل، بالإضافة إلى ضحايا مثل صونيا وليزافيتا، راسكولنيكوف نفسه ((انه موجود في الحلم لا باعتباره الصبي الصغير الذي يشهد فعلا لا تحتمل وحشيته فحسب، وانما هو في الوقت نفسه مقترف الفعل وضحيته معا))[٧]. ونحن نعلم أن المؤلف وصف بطله مرة، وذلك في الليلة التالية لليلة الجريمة، وصفه بأنه ((يرتجف ارتجاف حصان عاجز)). ونرى رساكولنيكوف أمام صونيا يقول ((هل العجوزَ قتلتُ؟ لا بل أنا قتلت نفسي!)).
نعم لقد قتل نفسه، حين أسقط الساطور على رأس العجوز فإنما كان يقتل الطفل الذي في داخله. لذا نراه يعامل أمه واخته بعد عودتهما بكل ذلك النفور والاشمئزاز. فهو يمشئز منهما “جسميا” ويكتشف أنه إنما كان “يحبهما عن بعد”، انه قتل لروحه. لذا حين تسأله أمه عن الفتاة التي كانت خطيبته، وهي فتاة ضعيفة ممراضة ليست بالجميلة:[٨].
سألته بولشيريا السكندروفنا مضطربة أشد الاضطراب:
-أما زلت تحبها؟
-هي؟ ما زلت أحبها؟ آ… نعم… أنت تتكلمين عنها… لا… ذلك كله قد أصبح الآن عالماً آخر… انقضى زمان طويل… انقضى زمان طويل… لا هذا فحسب… بل ان كل ما يجري حولي الآن فكأنه يجري في عالم آخر…
قال راسكولنيكوف ذلك، ونظر إليهم بانتباه ثم أردف يقول:
-إليكم هذا المثال: أنا أنظر إليكم الآن، فكأنكم على مسافة ألف فرسخ مني…
….
لكننا نعلم رغم كل هذا أن الطفل الذي بداخله لم يمت، وإنه لا يزال هناك اثنان منه(وهذا الانقسام من صفات أبطال دوستويفسكي البارزة) نعلم أنه لا يحجم عن مساعدة أحد ولو بكل ما يملك وذلك ما فعله حين أعطى أسرة الموظف البائس مارميلادوف كل ما معه من مال. وكيف دس بعض الكوبيكات في جيب شرطي شاب ليحمي فتاة صغيرة من رجل كان يتربص بها، مع أنه في كل حادث من هذه الحوادث نراه يصارع نفسه ويتساءل لماذا فعل ذلك؟ وما شأنه وتلك الفتاة!
وإذا أردنا أن نقارن نظريته حول الأفراد الخارقين بنظرية نيتشه حول الانسان الأعلى لرأينا أن انسان نيتشه هذا واقع وراء الخير والشر، بينما راسكولنيكوف ما يزال واقعاً بينهما ولذلك فهو يصارع ويتساءل وينقسم على نفسه. ومن الطريف، وليس من البعيد، أن نشبه راسكولنيكوف بنيتشه نفسه، فلو أن نيتشه كان واقعا وراء الخير والشر، كما أراد لإنسانه الأعلى، فهل كان سيجن؟ وربما رأينا في جريمة قتل العجوز وجه الجنون الخارجي وفي جنون نيتشه وجهه أو جانبه الداخلي.
………………………

المصادر:
[١]. الجريمة والعقاب، المجلد٢، ص٢٦٤.
[٢]. نفسه، المجلد١، ص١٥٥.
[٣]. نفسه، المجلد٢، ص٢٧٢-٢٧٣.
[٤]. نفسه، المجلد١، ص٤٩٥.
[٥]. نفسه، المجلد٢، ص٢٧١-٢٧٢.
[٦]. نفسه، المجلد١، ص١٢٤ و١٢٩.
[٧]. “دوستويفسكي” تحرير رينيه ويليك، ترجمة نجيب المانع، ص٣٨-٣٩.
[٨]. الجريمة والعقاب، المجلد١، ص٤٤٣.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق