ثقافة المقال

إلى أمير كلامنا، الحاضر الغائب فينا

في الذكرى الثالثة لرحيله ، إلى محمود درويش

د. حبيب بولس

محمود، أيّها الحاضر الغائب فينا إلى الأبد،تحيّة..

إنّها الذّكرى الثّالثة لرحيلك الفاجع، ولكن رغم كونها الذّكرى الثّالثة يا محمود، ما زلت تحتلّني شعرا ونثرا وأفكارا ومواقف، من هنا كلّما أردت أن أكتب عنك تَهَيَّبتُ، لأنّني على ما يبدو أخشى أن تكون الكتابة عنك مجرّد نثر لأشعارك- أو مجرّد إجترار وتكرار لآرائك الّتي حفظتها جماهير شعبنا عن ظهر قلب، ولا غرابة فهي أشعار أمير الكلام وسيّده. لا أدري كيف تلملم الكلمات يا محمود أشياءها وترحل، أو كيف تهجر الحروف أوكارها، وتجافي الجمل قلمي كلّما نويت الكتابة عنك؟! ولكنّني هذه المرّة قرّرت أن أغامر، لا بدّ أن أراوغ وأتحايل بأن أقدّم لك شيئا مِنّي. مِنّي!!! وهل ما هو مِنّي سيكون مَعفِيّا منك وخالصا!!! لا أدري لكنّها محاولة من خلالها أحاول إستلهامك وإستيحاءك، علّ الكلمات تدفّيء برودة قبرك وتنير وحدتك فيه فَلّيْتَها تكون ضُمّة حبق، كمشة نعنع أنثرها على ضريحك لتؤنس غربتك علّها، علّها!!

في ذكراك يا محمود، وفي حضرة غيابك الجسديّ، وحضورك الرّوحي تكون هذه الكلمات على رجاء أن تقبلها، وسلام عليك، سلام عليك.

حبيب

صباح الغضب، صباح النّصر

يا أهل غزّة ورام الله ونابلس وسائر أماكن تواجدنا

يا شبابنا وصبايانا،

أمامكم نعترف،

نحن جياد شاخت شجاعتها، وضمرت أجسادها،و تشكّلت قوادمها، أمّا أنتم فجيادنا الطّالعة من الشّمس نحو الشّمس، أنتم رهان المرحلة.

أيّها الشّباب والصّبايا،

حين تصبح القضيّة، قضيّة شعب يذود عن مقدّساته

حين تصير القضيّة، قضيّة شعب يدافع عن كرامته

حين يقف الفلسطينيّ في العراء وحيدا يواجه أرقى أنواع الآلات العسكريّة حين ينتصب الفلسطينيّ متحدّيا غطرسة المحتلّ، وهو لا يملك سوى كرامته وحلمه الأخضر بالواحة. تنهال عليه الذّكريات، ويخرّ أمامه الزّمن، وتتهافت عند قدميه الأشياء، فيصرخ: لا سماء فوقي، ولا أرض تحتي، أنا الفلسطينيّ بالعذاب تعمّدت وبالقهر تسربلت، فمن:

” أنشر على لهب القصيد شكوى العبيد إلى العبيد”.

وأنا أبحر في ذاكرة التّاريخ

أمخر عباب الزّمن الريء

أرجّ أعمدة الصّمت العربيّ

أهزّ جدران القهر

أعري عهر العهر

أستحضر مأساتي،

أقف معها وجها لوجه

أعاين أحداثها

فيسكنني البارود ويحتلّني هدير المدافع

أنضو عن مأساتي ملابسها، أعريها، أشرب كأسها المرّة فيتراكم في صدري الضّيق، وينتفض في الذّل.

ويتقحّمني العار، ويرتدّ إلى الذّاكرة تاريخ

مزيجة الخيانة، ولبّة الغدر، ولحمته النّفاق

أسافر في عتمة ليل الزّيف،

فألتقي النّكبة شلّال خوف، ونهر رحيل،

ونزيف شعب ” رمت معاطفة الجبال”

بكت ودّعته وطوى السّفر النّزال

حريق، دمار، دخان، عويل، صراخ، بكاء

وعلى سطح بيتنا المقنطر هوى الهلال

فكان الخوف وكان الهلع

وكان الرّحيل وكان القتال

وكان أن نعى بوم ونعق غراب

فعشنا في الضّياع، بين البقاء، وبين الذّهاب

قرى هُدمَت، قرى شُرِّد أهلها

وأخرى بقيت تنتظر من الدّهر الجواب

وطن نازف، جرح ملحاح

“فيا وطن، كان جدّي يفرش الحطّة تحت الدّالية وينام

والأزاهير نشاوى والغمام

يا زمن قمّة الجرمق كانت عالية

والدّوالي حانية،

ثمّ مال الدّهر غدرا يا زمن

فيا زمن،

عشتُ مع الغدر عار اللّجوء

ومرّ الخيام

وذلّ الفقر وإنكسار العوز

ورحت أكابر

“فظلم ذوي القربى قاس يا وطن

فكان صباح وكان مساء، وكانت الرّحلة من البحر الى البحر، وكان التّمزّق بين الرّحيل والبقاء، بين البقاء والرّحيل،

وكان الصّراع والطّريق طويل طويل

أرحل؟ جبال مكسورة الجناح، أرض تستصرخ

أرحل، وطن نازف، جرح ينزّ

أبقى؟ وكيف البقاء يا زمن؟ وحكم الأجنبيّ ظالم يقهر

أرحل؟ وأنا الّذي رسم من شرايين القلب للوطن قصيدة

أرحل؟ وأنا الّذي جدل من دموع العين للوطن ضفيرة

أرحل؟وأنا الّذي حفظ إنجيل الأرض وآحترف قرآن الجبال

وأتقن توراة البحر

أرحل؟ وأنا الّذي تعمّد في العشق حتّى النّخاع

وغزل لشمس الوطن من الوجع تعويذة

صلاة هي عشقي لك يا وطن

محبّتي لك مصلوبة على وجوه النساء، محفورة على قلوب الأطفال،

مزروعة على جبين العذارى

أرحل أم أبقى يا وطن؟

والطّريق طويل، وإنتظار الفجر طويل، وعرس الضّياء بعيد

لا بأس عليك يا زمن، فأنا مذ جئت تمرّست بالمصاعب

وعاقرت منذ البدء المحن

تقول:” الطّريق طويلَ

إذا كان ماذا تريد؟

تقول: الخلاص بعيد

وفي ظلمة اللّيل وحش وموت أكيد

إذا كان قُل لا تُداور، إذا كان ماذا تريد؟”

أنا سوى أرض بلادي لا أعبد شيئا،

فعلى جسدي أنت يا وطن

عزيمتي منك إليك عزيمة لا تفل

هنا باقون فليشربوا البحرا، يا وطن

على جسدي أنت ” فالأرض خناجر تحت الأقدام الوحشيّة،

والأرض مقابر للأقدام الهمجيّة

باقون: القرار، باقون: الإصرار

فعلى لحمي أنت يا وطن

وَ”بأسناني سأحمي كلّ شبر من ثراك بأسناني”.

رحلتي منك إليك، عنك وفيك

هنا في الرّحم منك نحن منزرعون

من جرحك سنغزل للنّصر إكليلا

ومن دموعك سنقصّ للطّفل حكاية الصّمود،

وَ”سنُفهم الصّخر إن لم تفهم البشر أنّ الشّعوب إذا هبّت ستنتصر”

فبإسم كلّ امرأة صادروا فرحتها يا وطن

بإسم كلّ أمّ قتلوا زغرودتها

باقون هنا، رغم أنف الغاصب، ورغم أنف القهر وأنف الزّمن

“سأظلّ هنا أمسك جرحي بيدي وألوح بالأخرى

لربيع يحمل لبلادي دفء الشّمس وباقات الأزهار”

سأظلّ هنا أنبش خاصرة الألم، أفتّش فيها عن بهجة،

أخترق الجرح، أبحث فيه عن فرحة، أحمله بيد وبالأخرى

أحمل زهرة

فيا وطن،

منذ “سأحمل روحي على راحتي وأهوي بها في مهاوي الرّدى”

كانت الرّحلة المضنية أكثر من ستّين عاما

فكان صباح، وكان مساء، وكان أن شربنا التّجربة حتّى الثّمالة، وعرفنا

أنّ الحزن قد ينبت فرحا، وأنّ الشّر قد يلد خيرا، وأنّ المأساة قد تفرّخ أملا

ومنذ “هذي شراييني خذوها وانسجوا منها بيارق جيلنا المتمرّد”

كانت المعرفة: من رحم الموت قد تكون الولادة، ومع الشّدة فرج، ومع اليوم غد، وخلف السّحاب غيث.

وهكذا كان يا وطن، فرغم الحزن ورغم القهر، رغم الصّمت ورغم العهر،

رغم الخروج ورغم البحر، ما هنّا يوما ولا خذلناك يا وطن. بل رأينا أنّ الفرج آت،

وقلنا: ” فلتسمع كلّ الدّنيا فلتسمع، سنجوع ونعرى، قطعا نتقطّع، ونسف ترابك يا أرضا تتوجّع.

ونموت ولكن، لن يسقط من أيدينا علم الأحرار المشرّع”

كان صباح، وكان مساء، وكانت الانتفاضة، وكان الغضب، يا وطن، شلّال فرح ونهر كرامة، فارتدّت إلى التّاريخ عزّته، وعاد إلى الزّمن إباؤه، ورجع إلى فلسطين الشّموخ، فعلت الهامة، وانتصبت القامة، ولمع الإصرار على جبين شيخ، وشعّ التّحدّي على وجه أم، وزغرد في يد الطّفل الحجر.

وزال عن الوطن التّرهّل، وسقطت عنه أقنعة الزّيف،

وغادره الحزن، وقلنا:

“عملاق هذا العصر،

هبّ أطلع النّصر

فكلّ السّابقين أطلعوا الهزيمة”

فالتأم الجرح، وتآزرت السّواعد، وكان صباح، وكان مساء، وكان رجال وكان شباب وكان أطفال يرسمون بالحجر للوطن إكليل نصره. كان صباح، وكان مساء، وكانت أمّهات، يحرقن بالحجر المسافات، وبالتّضحية ينسجن للوطن حكاية عزّه.

” فالأمّ الّتي لم تودّع بنيها بابتسامتها إلى الزّنازين لم تحبل ولم تلد”. وأنتم أيّها الشّباب والصّبايا، أنتم يا أهلنا في غزّة، ورام الله ونابلس

يا من رسمتم الوطن في الذّاكرة، ويا من رفعتم إلى اليد حجرا غاضبا، وعلما خافقا، يا من آمنتم بالكلمة الحرّة الشّريفة، وقلتم: ملعونة وخائنة هي الكلمة الّتي لا تصبح رصاصة تطلق في وجه أعداء الحياة. وشوكة في طريق الحقّ هو القلم الّذي لا يفرز كرامة.

أنتم أيّها الشّباب والصّبايا، يا أهلنا في غزّة وفي الضفة وفي كلّ مكان من فلسطين وَ”كلّ مكان ينبت العزّ طيب” فلسطين بإنتظاركم، ها هي قد إغتسلت بالتّحدّي، وتطيّبت بالصّمود، وتعطّرت بالإصرار، ها هي قد دفعت المهر غاليا، أرضا ودماء وشهداء.

فهاتوا الحلم عسلا ولبانا ومرّا، هاتوا الحلم وتعالوا لنشهد سويّة زفّة الشّمس وعرس القمر.

فهذه ثورة الغضب، ثورة الحجر، ثورة البشر، ثورة الشّجر،”فكونوا يا شبابنا على الشّفاه لحونا، أمطرونا بطولة وشموخا، واغسلونا من قبحنا إغسلونا”.

ويمينا،

“سنظلّ إلى أبد الآباد، نتجدّد يا وطن الأجداد”

فنحن وغزّة والضفة وشعبنا كلّه والنّصر وشمس الأحرار، على ميعاد، على ميعاد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق