قراءات ودراسات

اسطورة ( امحم عقيستاء) – قراءة في اكتشاف ميثولوجي جديد …

فريال الحوار*

إن تخيل ظاهرة اللاثقافة عند الشعوب القديمة غير وارد منطقياً،ومن الجائز- بحسب أرسطو- أن يكون العالم قد شهد مدنيات كثيرة، وصلت إلى كثير من المخترعات والتقدم ثم أصابها الدمار وزالت من ذاكرة البشر، ولا بد لذاكرة الفرد أن تنسى الجزء الأكبر مما يمر عليه في حياته من حوادث حتى يتمكن الإنسان من الاحتفاظ بقواه العقلية، وهذه الذاكرة لا تحتفظ إلا بأقوى وأنقى ما مر بها من تجارب ثقافية ودينية”(1). تتجمع هذه الحوادث فيما بعد وينسج منها الأساطير، خصوصا الأساطير ذات الطابع الديني، فكلما ازداد خوف الإنسان واغترابه تزداد حاجته للاحتماء فيما وراء الطبيعة ويختلق الإنسان-  السوبر مان- بحيث تكون له صلة بإرادة الأرواح أو الآلهة فيستطيع تحويل تلك الإرادة إلى ما فيه نفع الإنسان، كالادعاء أن “امحم عقيستاء” تنزل ببَرَكَته الأمطار، وأن الإله “زيوس” يتحكم بالسحاب والمطر في الأساطير اليونانية،وهذا هو التواصل الإنساني الفكري، سواء عاش هذا الإنسان في جنوب شبه الجزيرة العربية أو في اليونان لكن الاختلافات في الوسائل والغايات هي التي تفرض نفسها كأمر واقع من حيث التكوينات الجذرية،بدءاً بالتربية الدينية للجماعات المتعددة واتجاهاتها الثقافية والاجتماعية.

إن الفكر الإنساني ذو بُعد كوني مهما حاول التقوقع في الذات أو التخفي وراء الخصوصية الثقافية ومن المؤكد أنها توجد نواة لأسطورة “امحم عقيستاء” في فيفاء ولم يتم تدوينها- بحسب ظني- لأن من طبيعة القبائل التي تعيش منعزلة، ألا تحس بالحاجة إلى الكتابة إلا قليلاً، مما قوى ذاكرتهم بسبب عدم اعتمادهم على المخطوطات التي يدونون فيها ما يريدون الاحتفاظ به فنراهم يحفظون ويعقلون، كل ما يرونه هاما من حوادث تواريخهم ثم يُتناقل بينهم جيلا بعد جيل في تراث ثقافي شفهي غير مدون، فيه زيادة على الوقائع الحقيقية أو نقصان،بحسب إشباع الرغبة الآنية عند طرفي العلاقة ، الراوي والمتلقي و في هذا السياق ينقل ول ديورانت أسطورة مصرية قديمة تروي أن الإله تحوت كشف للملك تحاموس عن الكتابة ولكنه رفض الأخذ بها؛ لأنه رأى فيها هدماً للمدينة، وأن الأطفال الذين يبذلون جهدهم في الحفظ والوعي والتعلم، لن يروا أنفسهم في حاجة إلى تدريب ذاكرتهم، إذا وجدوا مخطوطات يعودون إليها(2). وربما هناك الكثيرون ممن كانوا على رأي تحاموس ومنهم أهل فيفاء!  لذلك بقيت أسطورة “امحم  عقيستاء” تتناقل بين أهل تلك الجبال جيلا بعد جيل دون أن تُعَرف خارج محيطهم أو تذكر في غير موروثهم. وقد كشف البروفيسور عبد الله الفيفي عن هذه الأسطورة ونشرها مدوّنة لأول مرة في بحث مقارن بعنوان: “بين أسطورة “امحم  عقيستاء في جبل فيفاء” وأسطورتي “كلكامش” و”أوديسيوس”- نُشر في مجلة الخطاب الثقافي/ العدد الثالث- 2008م.  وهذه الأسطورة على الرغم من بساطتها فهي مليئة بالرموز الاجتماعية والميثولوجية، تجمع بين القصص القرآني “قابيل وهابيل- لوط – رحلة ذي القرنين” وتفسير قصة لوط كما وردت في سفر التكوين، وقصة عباس بن فرناس ومحاولات الإنسان الأولى في التحليق عبر الفضاء.  لكن اللافت في هذه الملحمة كما يقول البروفيسور الفيفي هو علاقة التناص بينها وبين الملحمتين الشهيرتين “كلكامش البابلية-  والأوديسة الإغريقية”(3). وفتح باباً لتساؤلات كثيرة تدور حول الأساطير الثلاث،ومنها أيّ هذه الأساطير هو الأصل ؟

إن الثقافة الشفوية أضاعت الكثير من الكنوز الأدبية والمعرفية ، التي طواها الإهمال ثم النسيان ، وقد فطنت منظمة اليونسكو لهذا الأمر منذ عام 1984 م، وشجعت على تدوين التراث الشفهي وجعلته من المحفزات الوطنية “على اعتبار أن كل مأثور أو حكاية شعبية، يرجع في أصله إلى بعض الحقائق المحددة في تاريخ الإنسان”(4). و من المؤكد بأن أسطورة “امحم عقيستاء” في شكلها الذي اكتشفه البروفيسور الفيفي ودونها عليه، قد أخفت من الحقائق أكثر مما قالته الآن، وخسرت الكثير من أجزائها في رحلتها الشفوية الشاقة والطويلة،منذ تاريخ نشأتها الغير محدد، حتى زمن تدوينها على يد البروفيسور الفيفي؛ فخلال هذه الرحلة تداول الناس أسطورة “امحم عقيستاء” في حقب من المحرمات والقيود الاجتماعية، وما يتبع هذه الحقب من مواقف أو طرق خاصة في التعامل. وقد يكون اسم الأسطورة حين نشأتها ،أسطورة “الإله عُقيستاء” وأُضيف لها لاحقا اسم أمحم وهي تعني”محمد” بلهجة أهل فيفاء،لتتناسب ومعتقد أهل المنطقة الإسلامي،فأصبح اسم الإله “عُقيستاء” الصوفي”امحم عقيستاء”. إن منطقة جبال السَّروات كانت معبراً للهجرات السامية من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الشمال،و يذكر البروفيسور الفيفي في كتابه (مفاتيح القصيدة الجاهلية) أن عبادة القمر ورمزه “الثور” هي ديانة جنوبية انتقلت مع بداية الهجرات السامية إلى شمال الجزيرة إبان العصر (الباليوليثي palaeolithi)(5)،ويحدد علماء الآثار أن نهاية العصر الباليوليثي كانت قبل اثني عشر ألف عام، ويقول كارل بروكلمان:إن الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية قدم للاقتصاد شروطاً أكثر من ملائمة، ساعدت في نمو حضارة سامقة، ذات قاعدة تجارية وزراعية، ازدهرت منذ الألف الثاني عشر قبل الميلاد:سدود وقصور ومعابد، وانتقال للقبائل من الجنوب إلى الشمال، جماعات وتجاراً وصلوا بلاد الرافدين وسوريا”(6)، مما يدل على أن حضارة جنوب شبه الجزيرة العربية سابقة على الحضارة الهلينية وزمن هوميرس (8500ـ 8000ق.م) بزمن طويل، ومن هنا يصح القول بأن البابليين أخذوا أصل أسطورة “كلكامش” من أسلافهم الذين عبروا إلى الشمال مروراً بجبال السَّروات،ثم أخذها عنهم المرتزقة اليونانيون الذين استأجرهم الملك الفارسي قورش ليكونوا محاربين في جيوشه، ثم عادوا لاحتلال بلاد فارس و بابل في عهد الإسكندر المقدوني الذي انتقل ذكره إلى أسطورة “امحم عقيستاء” فيما بعد مما يدل على التواصل الحضاري والإنساني في العالم القديم، وفي ذلك يقول ول ديورانت: “في المستعمرات لا في أرض اليونان الأصلية ولد فنا الشعر والنثر اليونانيان، ونشأت علوم الرياضيات وعلوم ما وراء الطبيعة والخطابة والتاريخ اليونانية. ولولا هذه المستعمرات وعشرات المئات من اللوامس الماصة التي بثتها في العالم القديم، تمتص بها ما فيه من علم وفن وثقافة لما وجدت الحضارة اليونانية وهي أثمن نتاج التاريخ بأجمعه، وعن طريق هذه المستعمرات واللوامس انتقلت حضارة الشرق إلى بلاد اليونان، وانتشرت الثقافة اليونانية انتشاراً بطيئاً في آسيا وأفريقيا وأوربا”(7).

إن الأدب في مراحله الأولى كان كلمات تُقال، وليس حروفاً تكتب، والكشوف الأثرية أثبتت أن الكتابة كانت رسماً وتصويراً ثم تطورت عام3600 قبل الميلاد في “سومر” و”عيلام” حيث أطلقوا على مجموعة الصور التي  عبروا بها عن أفكارهم اسم “الكتابة الهيروغليفية” ثم مرت بعدة أطوار من التطور لتصبح حروفاً عام 1600 قبل الميلاد على يد الفينيقيين،و كان تجار صور وصيدا المغامرون وسيلة متنقلة لنشرها في جميع أقاليم البحر المتوسط والشرق الأدنى ومصر، وقد اشتركوا مع كريت وآسيا الصغرى في نقل الصورة الساميّة للحروف الهجائية إلى بلاد اليونان الذين أخذوها وكانوا الوارث المدلل لكنوز الفن والعلم، من حضارات بابل وممالك صيدون وقرطاجنة وبيبلوس وآسية الصغرى ومصر، هذه الحضارات التي جاءت إلى بلادهم مع مغانم التجارة والحروب.

إن الكتابة والتدوين هي التي خلقت الحضارة لأنها هيأت طريق تسجيل المعرفة وتداولها .و” في القرن السادس قبل الميلاد ألفت لجنة حكومية في أثينا وذلك في عهد بيستراس، فانتقت الإلياذة والأوذيسة من بين الملاحم الأدبية الباقية من القرن الذي قبله، أو لعلها جمعتها بعد مقابلة النسخ الموجودة منها وقتئذ بعضها إلى بعض، ثم أرجعتها إلى هوميروس، ثم نشرتهاـ أو لعلها صاغتهماـ في صورة جوهرها هو صورة الملحمتين الحاضرة.(8) وقد قال بعض علماء الإسكندرية أن مؤلف الإلياذة غير مؤلف الأوذيسة، ولم يسكت أفواه المتجادلين في ذلك إلا “أرستاكوسAristarchu  وماله من سلطة قوية بين الناقدين(9) وموقف أرستاكوس المتشدد هذا يعود لسبب تعصب اليونان لثقافتهم، وإقصاء كل ما هو غير يوناني وعدم اعترافهم بأي إضافة أو اختراع ممن لا يحمل الجنسية اليونانية، بل ينسب نتاجه لليونان و لا تذكر جنسية صاحب النتاج، ومن ذلك أنهم نسبوا اختراع الكتابة إلى آلهتهم وأنكروا فضل الفينيقيين عليهم،حيث تحكي أسطورة “بروميثيوس”

أن الإله الطيب بروميثيوس قد خدع الإله زيوس وأعطى للبشر الساكنين في الكهف المظلم، ما قد يفتح لهم مجال الألوهية، وأن الكتابة هي إحدى أُعطياته! إن اليونانيين يعتبرون ملاحم هوميروس كتاباً مقدساً، ولا مجال للشك فيه أو القول بعدم وحدته ونسبته لغير هوميروس أو اصطباغه بلون الحضارات المختلفة التي تعامل معها اليونان، وأظن أن علماء الإسكندرية كانوا محقين في قولهم بعدم وحدة الإلياذة ونسبتها إلى شاعر واحد “هوميروس”، وقد قال بذلك  الألماني”هافلوك” الذي أنكر وجود هوميروس نفسه. وفي هذا السياق يقول ول ديورانت:”إن بابل هي التي أنشأت ذلك القصص الساحر الجميل الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من قصص أوروبا الديني”(10). وإن الشبه الواضح بين قصة “عشتار وتموز” في الملحمة  البابلية وقصة “أفروديت وأدونيس” في الملحمة اليونانية، يدعو للقول بأن القصة الأولى هي الأصل الذي أخذت عنه القصة اليونانية. وعشتار هي النموذج الذي صاغ اليونانيون عليه معظم آلهتهم، لأن عشتار عند البابليين كانت أفروديت وأثينا ودمتر وفينوس معاً، ولم تكن إلهة الجمال والجسد والحب فقط!بل كانت زيادة على ذلك الموحية بخصب الأرض، وإلهة الحرب وهي العنصر الخلاق في كل مكان، واليها ترفع الابتهالات في معابد بابل والتي يبدو الشبه واضحاً بينها وبين الابتهالات التي ترفع من المتدينين المسيحيين لمريم أم يسوع عليه السلام:

أتوسل إليك يا سيدة السيدات ،يا ربة الربات،يا إشتار،

يا ملكة المدائن كلها، ويا هادية كل الرجال.

أنت نور الدنيا، أنت نور السماء، يا ابنة سن العظيم (إله القمر)…

ألا ما أعظم قدرتك، وما أعظم مقامك فوق الآلهة أجمعين.

ولننظر إلى الإلياذة، سنجد أن الصور الأيولية والأيونية(11) تختلط فيها اختلاطاً واضحاً، وقد أفسد حبكتها كثرة ما فيها من تناقض وتوكيد أهمية حادثة ما في موضع، ثم الاستخفاف بشأنها في موضع آخر، وتعارض في أخلاق أشخاصها، وأن موضوعها الأصلي وهو- غضب أخيّل ونتائجه- تطغى عليه وتقطعه عشراتُ الحوادث، وطبع المحاربين يغلب على شخصيات الملحمة. وعند النظر في “ملحمة الأوذيسة” نجدها أقل حدة وقوة من الإلياذة،و توحي بأن مؤلفها شخص آخر غير مؤلف ” ملحمة الإلياذة”  إذ نقرأ في ” الأوذيسة” عن الكتابة مع أنها عرفت في 3600 قبل الميلاد، وعن تحرير الرقيق ، وعن الملكية الخاصة للأرض مع أن نظام الملكية عرف في عصر الأراخنة(12) عام “621” قبل الميلاد،أي في تاريخ لاحق على التاريخ الذي ينسب إليه إنشاء الملحمة “القرن الثامن قبل الميلاد”، كما أن شخصياتها أقل وضوحاً وقوة من شخصيات الإلياذة. إن شخصية بنلي في الأوذيسة مثلاً لا تتضح إلا في آخر الملحمة وذلك حين تتملكها حالة الندم،أما هيلين بطلة الإلياذة فأشد منها وضوحاً. وهذه المرأة أضرمت من أجلها نيران حرب ضروس ومات في سبيلها آلاف من الرجال، لكنها ظلّت “إلهة بين النساء” وجميلة تعتد بجمالها وهي في سن الشيخوخة، ولا أتوقع أبداً أن يونانياً رسم هذه الشخصية الرقيقة! وذلك لما نعرفه عن موقف اليونانيين من المرأة وإخضاعهم لها وإذلالها في حقب الإمبراطورية اليونانية القديمة.

ومن هنا نستطيع القول إن” ملحمة الأوذيسة” أحدث من “ملحمة الإلياذة” بقرن أو قرنين من الزمن، تمكّن خلاله اليونان من تهذيب شخصياتهم وأصبحوا أكثر رقة في التعامل من خلال اتصالهم بفارس وآسيا الوسطى وممالك الآراميين والبابليين وحضارة البحر المتوسط. أما الصورة الدقيقة والواضحة في الأوذيسة فهي من نصيب “أوديسيوس”، وهي أكمل الصور وأكثرها تعقيداً، مما يدل على أن هذه الصورة مجمعة تجميعاً متقناً، وهي الرمز الميثولوجي الجامع بين الأساطير الثلاث “امحم عقيستاء” و”أوديسيوس” و”كلكامش”،الذي يعبر عن “كونية بني الإنسان” حيث يتعاضد الحس المشرك في”المثل العليا” التي لاتفترض بشكل مسبق أي شكل للهوية في حس مشترك ما، وذلك في استنجادهم بما وراء الطبيعة عند الخوف،والبحث عن حماية الإنسان ـ السوبر مان ـ والذي يُعدُ تجسيماً مثالياً لما وراء الطبيعة ويحوي جميع صفاتها و خصائها  وهو ما يصح معه الافتراض أن “أسطورة امحم عقيستاء” هي الأصل الذي انتقل إلى معابد بابل في ترانيم دينية حفظها الكهنة رواية عن أسلافهم الذين عبروا هذه الجبال في طريق الهجرة إلى الشمال، فانتقص الكهنة منها أو زادوا بحسب مقتضى تأثير الأسطورة على الناس في زمنهم، وصقلوها في تاريخهم باسم “كلكامش”، ثم نفخ الإغريق في هذا التاريخ فجعلوه “ملحمة الإلياذة”و” ملحمة الأوديسة”.

ويقوم هذا الاستنتاج على أسبقية قيام الحضارة في شبه الجزيرة العربية تاريخياً، وعلى وجود صلات ثقافية في فجر المدنيّة تدل على الارتباط بين الشعوب القديمة وثقافاتها المتنوعة، والتي يعود سببها تنوعها إلى التباعد الجغرافي الذي يجعل الثقافة الواحدة تنظر إلى نفسها بالخصوصية الأحادية، كما لو أن كل ثقافة أو مجتمع قد وجد ارتباطه بمعزل عن الثقافات الأخرى. مع أن المجتمعات لم تكن وحيدة أو مستقلة وإن بدت منفصلة، بل هو التحفظ الذي تبديه كل هوية- مجتمعية- كنوع من الدفاع الذاتي لتتميز عن غيرها.

وبنفس هذا المعيار يمكن التأمل في التنويعات التي تعطي الانطباع الخاطئ بأن هويات المجتمعات المختلفة تدلّ على انعزال بعضها عن بعض.  وهذا يَردُ ما ينفيه بعض المستشرقين فيما يخص تأثير بعض الصروح الثقافية ذات البعد الشمولي الكوني، كالحضارة العربية الإسلامية، التي أراد أرنست رينان أن يحط من شأن أصحابها في الكثير من كتاباته، ومنها ما قاله في تلخيص ابن رُشد لكتاب أرسطو  “فن الشعر”، إذ يقول:”تجد في كل صفحة من هذا الكتاب استشهاد بعنترة وامرئ القيس والأعشى وأبي تمام والنابغة والمتنبي وكتاب الأغاني،… ويَنِمُّ هذا التلخيص، من جهة أخرى، على جهل تام بالأدب اليوناني، وهذا ما كان يجب انتظاره، وذلك أن العرب لم يعرفوا من اليونان غير الفلسفة والعلماء، وأنه لم ينته إليهم أمر أديب يوناني عبقري، ولا ريب في أنه لا يمكنهم تقدير بدائع تختلف عما كانوا يُنشِدونه”.(13)إن الخيال الديني اليوناني كان قاصراً عن تجاوز جبل الأولمب،الذي كان يمثل لهم أقصى المعرفة بالنسبة لعالم الغيب والخيال الديني،فأخرجوا للعالم أساطير دينية وفيرة ومجموعات كبيرة من الآلهة ترمز إلى كل قوة في الأرض،أو السماء،وكل نعمة أو نقمة،وكل صفة من الصفات الإنسانية ولو كانت رذيلة تجسد إلها على صورة بشرية.وبذلك لم يكن كثير من آلهتهم أبطال الإلياذة يقل آدمية عن القديسين والأولياء في العصر الحديث،إلا من حيث مولدهم،وكانوا بذلك قريبين من عُبادهم قرب هؤلاء إلى الناس وهذا دليل على ضعف قوة التخيل لدى اليونان.لقد بنى رينان استنتاجه الغير منطقي على استبدال ابن رُشد لشواهد المتن اليوناني وهي من الإلياذة بشواهد من الشعر العربي، متناسياً أن ترجمة ابن رُشد كانت في زمن تبلور الخصوصية القومية والثقافية للعرب ، ومنكراً ما للبيان العربي من خصوصية في التعبير،لكنها لا تمنعه من معانقة الفكر الكوني، والتواصل مع قنوات المعرفة الإنسانية، بدليل التعبير النثري الذي أنشأ في اللغة العربية الجملة الواضحة والسهلة، وتضمينها الفكرة ذات الدلالة الأدبية خارج أُطر النَّظم الموزون، وأعمق من مستوى كلام الخطابة ذات الاستعمال المؤقت والسريع، مما يثبت مقدرة اللغة العربية على العطاء. إن الإنسان العربي منذ القديم ذو فطرة إيقاعية، سواء كان شاعراً أو متلقياً، وهو يرى في المرأة مصدراً للإلهام بدل الاستنجاد بآلهة الشعر في الحالة اليونانية،ولم يكن ينقص العربي الاستغاثة بالأرباب- الأوثان المتوافرة قبل الإسلام- للانطلاق بقصيدته، لكنها خصوصية الهوية الثقافية التي رأت أن يكون لعالم الشعر طابعه الخاص، وما وصلنا من الشعر الجاهلي يوضح بأن استهلال القصيدة غالباً ما يبدأ بالحبيبة الغائبة، أو إعلان التذمر في مواجهة الطبيعة القاسية ومحاولات البحث عن أراضٍ خصبة وطقس رحيم.لكن هذا لا ينفي وجود الشعر الملحمي في فترة سحيقة من تاريخ العرب،ولم يصل إلينا بسبب الثقافة الشفهية،لأن ملامح الشعر الملحمي موجودة في المعلقات المشهورة عند العرب كملحمة زهير ابن سلمى”إن من يقف على معلقة زهير ابن أبي سلمى،مثلا ـ وما تضمنته في شأن الحارث بن عوف وهرم ابن سنان،وسعيهما بالصلح بين عبس وذبيان،في حرب داحس والغبراء المشهورة،وذلك في اثنين وثلاثين بيتاً من المعلقة (الأبيات 16-46 ) ـ ليمكن أن يسارع إلى القول أنها تتمتع بخصائص ملحمية،كتلك التي أشار أرسطو إليها .. فمن هذه الوجوه- إذن – يمكن القول إن تلك القطعة الشعرية من معلقة زهير نسق ملحمي مصغر.و قد تقدم في وصف أرسطو أن الملحمة حتى عند اليونان ليست على نحو واحد ،من حيث الطول والعِظَم (14) إنه الفرز ما بين التفاعل المشروع لكن مع الاحتفاظ بالاختلاف. وإلا فقد بدأت حركة الترجمة الصحيحة من اليونانية إلى العربية في مدرسة حنين ابن اسحق ببغداد عام (217هـ) ومن قبله يحيى بن ماسويه في “بيت الحكمة”، إبان عهد الخليفة المأمون، أي قبل عهد ابن رشد بثلاثمائة عام ومع ذلك لم يترجموا أناشيد هوميروس بسبب معايير المصداقية والمعقول التي تتصدى لها،إذ لابد من الصدق في الإخبار عن الحوادث، والتحقق من صحتها ، ثم إعطائها حقها من البراهين التي تدفع عنها الأوهام وفي هذا السياق يقول ابن خلدون:”كثيراً ما يعرض للسامعين من قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثَر عنهم.كما نقل المسعودي عن الإسكندر ،لما صدته دواب البحر عن بناء الإسكندرية ،وكيف اتخذ تابوت الخشب وفي باطنه صندوق الزجاج ،وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها،وعمل تماثيلها من أجساد معدنية،ونصبها حذاء البنيان،فقرت تلك الدواب حين خَرجَتْ وعاينتها،و تمَ له بناؤها،في حكاية طويلة من خرافة مستحيلة،مِن قِبَل اتخاذ التابوت الزجاجي،و مصادمة البحر وأمواجه بجرمه،ومِن قِبَلَ أن الملوك لا تُحمل أنْفُسها على مثل هذا الغرر(15)وليس للسبب الغير منطقي الذي تشدق به رينان فيما سبق والذي ذكره سليمان البستاني في مقدمة ترجمته للإلياذة “وقد جهل العرب الألياذة لأسباب كثيرة، ولم يترجموها لعوامل عديدة، ففي الإلياذة آلهة وآلهات، والعرب يكرهون تعداد الآلهة(16) صحيح أن العرب (المسلمين) يكرهون تعدد الآلهة لكن ذلك لم يمنعهم من ترجمة الشاهنامة الفارسية، ولم يتجاهلوا التراث الفني والأدبي لليونان، وليس صحيحاً أنه معروف للغرب وحده، فالاتجاه البيزنطي في الشكلية والتجريد بعث الحركة في الفن الإسلامي، فأكمل العرب الفن اليوناني والهندسة المعمارية وأنتجوا منمنمات وزخارف دقيقة، تفوقت على اليونان في تجسيدهم لصورة الإنسان في تماثيل حجرية.وتفوقوا في فن الخط “وهو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس،..والخط من جملة الصنائع التي تفوق فيها العرب منذ القدم وكان لحمير كتابة تسمى المسنَدَ حروفها منفصلة ،وكانوا يَمْنَعونَ من تعلُّمها إلا بإذنهم.ومن حمير تعلمت مُضَر الكتابة العربية”(17)

لقد رسم العرب لأنفسهم،حالة انقطاع جغرافي،أو كما يقول مكسيم رودنسون:” بأن العرب- قبل سواهم- قدّموا هذا الموطن “الأصلي” مهد دياناتهم وامبراطورياتهم كعالم معزول تقريباً! وبالعكس هذه المنطقة بالذات طريقاً سالكاً، متفاعلة مع الغير، الخروج منها والدخول إليها. قوافل التجارة- الأفكار برفقة البضائع- ذهاباً وإياباً لسكانها، والعرب القدامى يهاجرون بكثرة، حيث أدركوا أثينا ومصر والهلال الخصيب، تعلموا لغاتها وتكيفوا بعاداتها(18). من هنا ينبغي عدم التسليم بظواهر المسلمات التي تخفي وراءها حقائق مغايرة للواقع العيني المجرد،أي أن الاستقلال الثقافي لا يعني الانقطاع- الحضاري، وذلك مرهون بما تقدمه الكشوف الأثرية الجديدة التي تساهم في زيادة المعرفة، ومن الممكن أن نجد أصل أسطورة “امحم عقيستاء” محفوراً على جدران أحد الكهوف في جبال فيفاء،أو مرسوماً برموز على جدار مغارة في تلك الجبال التي لم يكشف عن آثارها بشكل علمي بعد، حيث بدأت الهيئة العامة للآثار بالكشف على مناطق المملكة العربية السعودية أثرياً وأعلنت في جريدة الرياض السعودية بتاريخ 8 نوفمبر 2010 عن اكتشاف أول آثار فرعونية في الجزيرة العربية تعود للقرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهو عبارة عن نقش هيروغليفي في الجزيرة العربية على صخرة ثابتة بالقرب من واحة تيماء يحمل توقيعاً ملكياً “خرطوش مزدوج” للملك رمسيس الثالث أحد ملوك مصر الفرعونية. و الواقع يثبت غير ذلك،إذ لم تهتم هيئة الآثار بالتحقق من تاريخ العملات القديمة التي وجِدت في جبال فيفاء ومزارعها، والتي كُتب عن اكتشاف أحد سُكان فيفاء لها في جريدة الوطن السعودية بتاريخ 23/10/1424هـ، ولم تهتم الهيئة العامة للآثار بالخبر الذي نُشر في جريدة الرياض السعودية في العدد9605 في جمادى الأولى عام 1415هـ  عن تمثال فرعوني صغير مصنوع من مادة البرونز أو الحجر، وجده الصبية مغطى بالرمال ، ويعتقد أنه للملكة الفرعونية ” حتشبسوت” و لم يُتحقق من تاريخه أو من المادة التي صُنع منها لعدم اهتمام هيئة الآثار بذلك. مؤخراً قام الكاتب المسرحي ياسر مدخلي بكتابة هذه الأسطورة في قالب مسرحي، ونشرها في كتاب الكتروني بعنوان “أسطورة عقيستاء”، ويعمل المسرحي محمد بحر على ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية لتصل إلى القراء في الغرب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات:

(1)  د. عكاشة عبد العال، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية/ التشريع ( بيروت :الدار الجامعية،1998م) ص295.

(2) ول  ديورانت، قصة الحضارة المجلد الأول،نشأة الحضارة /الشرق الأدنى،بيروت ،دار الجيل 1998،ص 129. ترجمة زكي نجيب محمود

(3) انظر :د عبد الله بن أحمد الفيفي، “بين أسطورة امْحَمْ عُقَيْسْتَاء في جبال فَيْفاء وأسطورتَي كَلْكَامش وأوديسيوس Odysseus : (قراءة مقارنة)”، مجلّة “الخِطاب الثقافي” المحكّمة، جمعية اللهجات والتراث الشعبي في جامعة الملك سعود بالرياض، العدد الثالث، خريف 1429هـ= 2008م، ص ص 131- 156.

(4) نبيل جورج سلامة،التراث الشفوي في الشرق الأدنى ومنهجية حمايته،دمشق،وزارة الثقافة ،1986،ص58 .

(5) د. عبد الله بن أحمد الفيفي،مفاتيح القصيدة الجاهلية (نحو رؤية نقدية جديدة عبر المكتشفات الحديثة في الآثار والميثولوجيا)، جدة، النادي الأدبي الثقافي، 2001، ص83.

(6) Carl Brckelman , History des peoples et des etots islamigues :Depuis les originis

(7)  ول ديورانت، حضارة اليونان، ترجمة محمد بدران ، بيروت ،1998م ،دار الجيل، ص316(

(8) Winckelman ,j, History of Ancient Art , Boston , 1880 ,II ,296

9 ـ  ول ديورانت ، قصة الحضارة، حياة اليونان ، بيروت، دار الجيل1998 ص 381نقلاً عن :

Cicero De Invent . ii .1. in Murry A, S  .1. 12 Pliny ,l, C ., places the story in Acragas

(10)  ول ديورانت، نشأة الحضارة في الشرق الأدنى، المجلد الثاني، ترجمة محمد بدران، بيروت 1998، دار الجيل، ص 262.   0 11 ـ الأيولية: هي الدولة التي أنشأها اليونان على شواطئ بحر إيجة. من أهم مدنها “سميرنه وهي أزمير حالياً، وأفسوس وفوقية وميلتس وساموس. و الأيونية: نسبة إلى أيونيا، وهو اسم الدولة الأثينية، قبل الحضارة الهلينستية .د. عكاشة عبد العال، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية،بيروت،1998م،الدار الجامعية،ص 421.هامش تقسيم أسماء الامبراطورية اليونانية

(12) الأراخنة: مفردها ( أرخونا)، تعني الحاكم . المصدر السابق.

13) ـ أرنست رينان، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر،القاهرة،1957،دار إحياء الكتب العربية،ص 63

(14) ـ انظر:د.عبد الله بن أحمد الفيفي،الشعر الغنائي بين الغنائية والموضوعية،حوليات آداب عين شمس دورية علمية محكمة( المجلد 35 يوليو – سبتمبر 2007م

15) ـ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون،مقدمة ابن خلدون،الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة ط2،بيروت2000م،المكتبة العصرية، ص40 ـ  41

16)  حنا نمر، منزلة البستاني،بيروت،1982،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،ص126(

17) ـ عبد الرحمن ابن خلدون،مقدمة ابن خلدون ط2، بيروت 2000م ،المكتبة العصرية،ص338

18)Maxim Rodinson ,Mohamet cparis:Editions du Seuil,1968 pp.45-47

*أكاديمية سعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق