ثقافة السرد

الأرض ياسلمى

 محمدعبدالولي*

مضت- سلمى_ مسرعة لتفتح السواقي في الأرض القريبة من الدار بعد أن بدات السحب تتجمع في السماء, وحين عادت الى الدار كانت ابواب السماء قدتفتحت وانسكب المطر ,يروي عطش الأرض لم يكن لدى سلمى عمل تؤديه في ذلك العصر ,فالسماء تمطر وجميع من في المنزل يغطون في نوم عميق , فلم تجد الاأن تخلوا الى نفسها في غرفتها وان تتمدد على سريرها مولية وجهها الصغير شطر النافذة المفتوحة على الحقول. ورات مياه المطر تندفع من السواقي الى الأرض العطشى, لكن خيال سلمى انطلق بعيدا عن الأرض والمطر الى أشياء لم تكن لتفكر بها وسمعت صوتا كأنه همسات رقيقة يقول 0 سلمى_ أخيرا ها انت تواجهين نفسك 0 يجب أن تقولي الحقيقة , لا تحاولي التهرب من نفسك , فلن ينفعك ذلك يجب ان تقولي ان الانتظار قد طال وانك لن تستطيعي التحمل اكثر من ذلك , حاولي ان تذكري منذ كم غاب عنك درهم زوجك … من خمس سنوات كاملة يا سلمى , وها أنت في السنة السادسة من الانتظار , وكم عمرك؟ احسبي دون تعجل 0 أنت الآن في السادسة والعشرين . نعم لقد بدأت تشعرين بأنك قد كبرت… وبسرعه دون أن تحسي بالحياة وتتمتعي بها … هل أذكرك يا سلمى أنك قد تزوجت منذ عشر سنوات ؟ نعم عشر سنوات . وذهب زوجك بعد أن تركه في احشائك دون أن يعلم , لم تخبريه كعادة الكثيرات في القرية , وظننت أنه لن يغيب كثيرا . ولكنه غاب اكثر من المرات السابقة . مهلا يا سلمى لا تجعلينا نسابق الاحداث … لم لا نبدا من البديه منذ أن ولدت أعني منذ أن تزوجت . ألست على حق؟ نعم ان ذلك ظاهر على وجهك … لقد كنت صغيرة عندها في السادسه عشرة من عمرك تعيشين في بيت والدك . وذات يوم سمعت همسات كثيرة . ونظرات مصوبة نحوك . وأحسست بما يدور حولك وشعرت بالسعادة ككل طفلة تفرح بعرسها _ ولم تظهري فرحك ذلك للناس حتى لاتلوك الألسنة سيرتك ولكنك أبديتها لي .. أنا.. كنت اعرف كل شيء _ لقد كنت سعيدة لأنك ستتزوجين درهم وحين اقبلت عمتك وغطت وجهك بالمقرمة قائلة ثبت زواجك على درهم قاسم أبديت مقاومة شديدة , وجعلت تقذفين بالشتائم كل من حولك و لكنك في اعماقك كنت فرحة , وسالت الدموع … دموع الفرح .وظن الذين حولك انك تبكين حزنا على فراق والدك .. ومنزله .. وعندما اتى أهل زوجك لنقلك الى دارك الجديدة كنت تسرعين في الخطو لتصلي بسرعه ونبهك الذين من حولك وشعرت بالخجل اذ خفت ان يكتشف الآخرون سر تلهفك وسرعتك . ولكن ياسلمى أكنت تحبين درهم حقا؟ كلا_ لاأظن !! اذن ماسر سعادتك تلك ؟ ألأنك طفلة ؟ أم ظننت أنك ستخلصين من بيت والدك ؟ من تلك الاعمال الشاقة التي كنت تقومين بها هناك؟ كنت تظنين انك ستجدين الراحة والهدوء في منزل زوجك ؟ فبعد الأيام السبعة الأولى .. ايام العرس .. بدات عملك كزوجة تخدم زوجها واهله ..

كنت تستسقظين من نومك مع اذان الفجر فتحلبين البقرة ثم تذهبين الى البئر بعد ان تضعي امام البقرة بعض الحشايش وبعد أن تملئي جرتك بالماء تعودين لاعداد الفطور لزوجك , وعند اقتراب الظهر تذهبين الى الحقول لتعملي مع والد زوجك في الحرث والبذر والتنقية لتعودي منهوكة القوى لتعدي وجبة الغداء _ تطحنين الحبوب ثم تعجنينها كي تطعمي زوجك . وبعد الغداء يذهب لمضغ القات في حين أنك لم تتناولي غداءك غالبا مايكون كافطارك : قليلا من الخبز مع رشفات أوعصيدة مع البن . ويأتي عمل مابعد الظهر .. غسيل الملابس .. الذهاب الى الجبل للبحث عن حطب للوقود .. الذهاب الى البئر مع غروب الشمس لتأتي بماء المساء وتقدمينه لزوجك الذي يعود من المسجد بعد اداء الصلاة وأنت كم مرة نسيت الصلاة وانت ترتمين متعبة قرب منتصف الليل لتعودي مع اذان الفجر الى العمل .. الى الارهاق .. هذه هي حياتك هل تغير فيها شي ء جديد ؟ انها نفس الحياة التي كنت تعيشنها في منزل والدك لم يتغير الاصاحب العمل .. كان في السابق والدك اما الآن فزوجك . عشت معه ايام تركك بعدها الى المدينه لكي يعمل ولم تحاولي منعه بل انك دفعته للسفر لأنك تريدين أن يعود اليك ومعه قمصان حرير جديدة .. ادوات نسائية كتلك التي يعود بها ازواج صديقاتك . ولم يخيب زوجك املك عاد بعد ان غاب سنتين . لم تتغير حياتك اثناء وجوده او في غيابه : في كلا الحالتين كنت تعملين بصمت من اجل اهله ومن اخل الارض .ياسلمى عاد زوجك الى المدينة وغاتب سنتين . ثم عاد مرة اخرى ليترك في احشائك طفلك الأول وانتطرت عودته اليك والى طفله ليراه ومضى عام .. واخر .. فخمسة ولم يعد . انه مازال حيا هناك بعيدا في البحر .. البحر كبير الذي يقولون انه بلا نهايه . بحر كبير في احضان بحر اخر اكبر يخوضه زوجك كل يوم .وما ادراك ياسلمى انه وحيد ؟ لاتجعلي وجهك يصفر ولا ترتجفي فكل شيء ليس سوى افتراض . فهو قديكون وحيدا وقدلايكون فالرجال لا أحد يثق بهم .. خاصة حين يكونون بعيدا لاتراهم عيوننا فلم لايكون زوجك احدهم ؟انت تعرفين قصة عمك زيدالذي ترك زوجته منذ عشرين عاما .. ولم يعد . انه حي وله زوجه واولاد ويقولون انه لن يعود وزجته لاتزال تنتظرهنا . فلم لا يكون زوجك مثل عمك ؟ لماذا لايخونك ؟ انه بشر .. ورجل .. وهم دئما ضعفاء كما يدعون . قلت لك لا ترتجفي ولا تدعي الشكوك تساورك فكل شيء افتراض فالحقيقة مجهوله هناك وراء البحر مع زوجك . ثم لا تحاولي أن تفكري أن تفعلي مثله . ان تخونيه .. انك لن تستطيعي , فهنا في القرية كل همسة يسمعها الناس . الم تلحظي مثلا في هذين اليومين الأخيرين ان الجميع يلاحقك بالنظرات المليئة بالشك ؟ ألم تلاحظي ذلك؟ لماذا يقذفونك بنظراتهم الصامته تلك؟ انك ذكية ياسلمى
وقد عرفت.. إنك تتجملين .. نعم تتجملين , فهم لم يرونك منذ سافر زوجك منذ خمس سنين .. ولا تحاولي أن تقولي انك شعرت بكبر سنك فحاولتي أن تبدي صغيرة . كلا فتلك طريقة غير محببة .
فالحقيقة يا سلمى انك تتجملين من اجل حسان لا..لا.. لا تجعلي قلبك يدق بهذه الشدة ولا تدعي الدعاء يحمر وجنتيك فهما سيكشفان سرك .. أريت انك مغرمة به ؟ ليس عيب أن يحب المرء من شاء.. ولكن العيب أن يخون.. فأنت تخونين زوجك بحبك لآخر .. نعم .. أن الامر جد خطير .. فالمرأة هنا ليس لهاالحق بأن تحب من تشاء .. ولا أن تتمتع بشبابها فهي مجرد خادمة يتزوجها الرجل لتخدم اهله .. ويتركها ويمضي بعيدا جدا ولا يعود .. وليس من حقها أن تطالب بالطلاق .. فالطلاق مكروه .. لا تضعي يديك على صدرك .. فطلاق ليس مكروه ما دمت ستتمتعين بحياتك التي سرقها زوجك . . لكنك لن تحصلي عليه خاصة بعد أن مات والدك وليس لك من احد يدافع عنك .. فأنت الآن خادمة لأهل زوجك لوالده لإبنه لأرضه .. إنك لن تجني اية فائدة بحبك لحسان إنه شاب طيب تتمناه كل فتاة .. لكنك لست فتاة إنك امرأة لك طفل وزوج ثم هل تظنين ان ايام الطفولة حين كنت تلعبين معه في الجبل ويتخذك زوجته وأنتم تلعبون لعبة الزوج والزوجه تلك الايام قد ولت .. وأصبحت انت اليوم كبيرة _ خمس سنوات من الانتظار الطويل صعبة يا سلمى ولكن ما هو الحل
أن تطلبي الطلاق ؟ وطفلك اين سيذهب ثم من سيتخذك زوجة له ؟ انت تعرفين تماما ان الكثيرات بقين بدون زواج بعد طلاقهن وأن شباب القرية يبحثون فقط عن الفتيات . وارضك يا سلمى . نعم ارضك هذه التي فيها حياتك .. شبابك .. دمك ..أرضك التي تسكبين عليها طوال الأعوام عرقك كيف تدعين أرضك هذه لمن ؟ إنك تفكرين يا سلمى .. وهذا سيء طيب _ أنت تعرفين أن لااحد سواك يعرف قيمة هذه الأرض .. فزوجك إن عاد لن يهتم بالارض وإبنك عندما يكبر لن تهمه هو ايضا _ سيتركها كما فعل والده ويذهب هناك بعيدا مثل الآخرين .
أرضك يا سلمى ذرفت عليها الدم والجهد ومنها تأكلين ومنها يأكل إبنك ويترعرع فوق ثراها حتى زوجك حين يعود يأكل منها أنت ..أنت من يخرج خيرات هذه الأرض منها حبوبك وحشائش ماشيتك _ ولبنك وسمنك .. وكل شيء في هذه القرية … من الأرض أليست الأرض حياتك وحيات ابنك الذي سيعرف عندما يكبر مدى الجهد الذي بذلته؟ اما حسان فهو كزوجك تماما لن يعيش في القرية الى الابد .. سيغادرها غدا بعد ان يكون قد ترك امراة وراءه تخدم اهله وتحرث الارض وان كنت انت هذه المرأة فما الفرق بين حياتك هنا و حياتك هناك في بيته ؟ لافرق يا سلمى لا فرق.
وغاب الصوت وسلمى تنظر حواليها في ذهول ومياه الأمطار تتساقط في نغمات حالمه علىالأرض فتنساب جداول إلى مدرجات الزرعة وتعانق جذور الزرع الأصفر وتهبه الحياة
وفتح باب الغرفة .. دخل ابنها الصغير وارتمى في احضانها وسلمى تهتف بداخلها _ سأ علمه كيف يحب الأرض .. بينما كانت المياه تغوص في اعماق الأرض………..

*روائي يمني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق