حوارات المجلة

الروائي السعودي عبده خال للمجلة الثقافية الجزائرية: أنا أدفع بالحياة للأمام عندما أكتب ومهما اتصفت البيئة التي يعيشها الكاتب فهي الطريق الأمثل للصدق الفني

الروائي السعودي عبده خال واحد من الأدباء المميزين الذين يؤمنون بأن الثقافة تقف مع العدل والسلام وتصنع الخير والجمال.. ضيفنا يعمل على مشاريعه الإبداعية بتأن وقلق شديدين، له موقف نقدي صارم وفكر فلسفي عميق ولغة أدبية جميلة كأشعة الشمس “تنير كل عتمة”.. كتاباته تحمل دعوات صادقة للارتقاء والنهوض بمجتمعاتنا التي تقف على حافة الانهيار.. مهتم بالأساطير كإنتاج معرفي يحمل بذور التطور البشري وجوهر الحقيقة التي يبحث عنها الفلاسفة منذ العهد الأول. في رصيده العديد من الجوائز والأعمال الروائية والقصصية الهامة لعل أبرزها رواية (ترمي بشرر) الفائزة بجائزة البوكر العالمية للعام 2010. المجلة الثقافية الجزائرية –متمنية له وافر الصحة والعافية- تحاور هذا المبدع بهدف الإضاءة على تجربة أدبية مميزة تجمع بين متعة القراءة وعمق الفكرة المطروحة:
حاورته: باسمة حامد

أنا كائن يحب الحياة ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: (ليس هناك ما يبهج) و(الموت يمر من هنا).. في الواقع كتاباتك القصصية والروائية تجعل القارئ يتنفس الألم والحزن والخوف والإحباط!! هل تشعر أن الكآبة الفردية تملكت منك إلى هذا الحد؟ أم أنك أصلاً تكتب تحت تأثير الكآبة الجماعية التي خيمت على الفضاء العام؟
عبده خال:
سؤالك يحتم تصور مشهد بأن تقبض على عابر سبيل لتقول له: أنت متهم بقتل البشرية، وهذا الاتهام لا يمكن تصديقه حتى وإن اعترف به المتهم.. يا سيدتي هناك مثل عربي جميل به من اللطف والعتب ما يجعله فاتحة للرد على أسئلتك، والمثل ينص على: ( ما هكذا تورد الإبل)

أعود لأمسك بسؤالك دافعاً هجومه بأسئلة إضافية:
من منا لا يتنفس الألم؟
من منا ناج من الخوف؟
من منا لا يخلطه حزن؟
من منا يسير في هذه العشوائية الحياتية غير محبط؟
هل أصارحك أن الحياة غدت كئيبة؟
إذا آمنا أن الروائي هو الباحث في أعماق النفس الإنسانية، فلا تستنكفي ما يخرج به من داخل تلك الأنفس، وقبل التمدد في الإجابة أنا كانسان لا أعاني من أي مفردات الذبول، كائن يحب الحياة ويستمتع بكل طيف وبكل جمال وبكل الضحكات، كائن يحب الحياة أكثر من الحياة ذاتها، أقول هذا لأني أدفع بالحياة للأمام عندما أكتب وأقوم بتذويب التجلطات التي تتناوب على شخصياتي الروائية، أخلصها من عقدها لكي تستطيع مجابهة الأزمات النفسية التي تسببت الظروف في إحداثها … فالمعطيات الحياتية هي من يخيم على المجاميع وتهشمها، وما أنا إلا جامع أشلاء أقوم بترميمها لكي تنهش وتعيش وتواجه .. وأنت كقارئة تأتي متأخرة لتشاهدي شخصيات أقيمها من العدم وأنفث فيها الروح لكي تجنب البقية (السائرين في حياتهم) أن يتنبهوا باحثين عن الخلاص الذي وقع فيه تلك الشخصيات الروائية .
في رواياتي لم أكن روائياً محبطاً، بل كنت داخل شرنقة من العلاقات المحبطة، وحين تضعيني في مكان أتنفس حرية الفرد المكتوب سوف يعطيني بهجته كما أعطاني إحباطاته .. وهي حالة لن يتم تعميمها، لذلك فالروائي معني كثيراً بتقديم الأزمات النفسية المركبة لدى الناس، وما شخصياتي الروائية إلا ناساً تهشموا أو تهمشوا، وأدعي أنني باحث عن المهشمين والمهمشين لأن أكتبهم.

لكل بيئة عوالمها التي تمنح الكاتب بصمة خاصة..

المجلة الثقافية الجزائرية: منجزك السردي يجسد المقولة الشهيرة: “الإنسان ابن بيئته”، فمن يقرأ نصوصك سرعان ما يكتشف أن البيئة بسرودها الاجتماعية والفكرية والجغرافية المختلفة تشكل مفتاحاً لتجربتك في الكتابة والحياة.. لذلك دعني أسألك عن الحد الفاصل بين ما هو شخصي وما هو إبداعي لدى عبده خال؟ وبرأيك ما الذي توفره البيئة للكاتب حتى يكون قادراً على تأثيث عالمه التخييلي الجميل وتقديم نص أدبي خالص الإبداع والدهشة؟
عبده خال: هل ألجأ إلى الإنكار بأن ما أكتبه ليس له علاقة بشخصي؟
سوف أكون كاذباً .. ولو قلت لك أنني متواجد في شخوص رواياتي لن يكون قولي صائباً لدرجة التطابق، هناك مساحات فاصلة كمن يسبح في البحر عالق به الماء وهو غير راسب في الماء.
تحدث عملية امتزاج بين عبده وبين أي شخصية يكتبها، فيتحول عبده إلى الشخصية المكتوبة، الاستبطان الحادث بينهما يجعل كل منهما يمثل شخصاً ثالثاً ليس عبده وليست الشخصية، ربما جدلية الفيلسوف هيكل أن ثمة مركب يظهر من التقاء عنصرين .. أما بالنسبة للمكان(البيئة)، فالدراسات الاجتماعية وقبلها النفسية تصك المرء كعملة ذهبية تحمل شعار الانتماء والقيمة لتلك العملة، وليست هناك عملة رديئة أو عملة متسيدة، فلكل بيئة عوالمها التي تمنح الكاتب بصمة خاصة .. ومهما اتصفت البيئة التي يعيشها الكاتب فهي الطريق الأمثل للصدق الفني، وأستغرب عندما يقال أن ثمة بيئة ساكنة لا تنتج أدباً مثيراً، فهذه مقولة ناقصة الأبعاد ولا تثمن قيمة الساكن .. كل حالات السكون والحركة هي لحظة إبداعية متى ما وجدت الكاتب الذي يستنطق الميت والحي معاً.

الرواية حياة تمشي على الأرض..

المجلة الثقافية الجزائرية: لم تعد الرواية مجرد حكاية فقط.. بل أصبحت عالماً إنسانياً قائماً بحد ذاته عبر احتضانها للأساطير والتاريخ والفلسفة والقضايا الاجتماعية والأفكار السياسية والصراعات العقائدية وغيرها من الملامح.. كمبدع عربي أي عالم تريد أن تصنع عبر أوراقك السردية؟
عبده خال: لقد خرجت الرواية من عبودية الحكاية، وانطلقت في فضاءات أكثر تداخلاً من معطيات الحياة، فالمواد المصنعة لذلك الهيكل هي كل عناصر التربة والهواء والمعرفة بأدق تفاصيلها، وإذا قلنا أن الرواية هي عالم مواز للحياة فلابد لهذا العالم أن يكون حاوياً لجميع تفاصيل المعاش .. هذا القول كتوطئة .. ينصّ سؤالك على: أي عالم أريد أن أصنع؟ هو العالم الذي لم يكتب بعد، يطوف بكعبة القلب عشرات الشخصيات وكل منه تنازع ضميري لكي يفسح لها بالبزوغ .. شخصيات سلكت الحياة بفلسفته الخاصة وليس مهماً تلك الفلسفة التي جرت عبر حناجر المفكرين، إنها فلسفة من صنع الحياة من خلال القفز على تنهيدة أو إماطة كرب تتمدد على صدر ما.. أو تعلق أحد ما بنجم باعد أحلامه أو قسوة سلطة شلّت لسانه.. أو تساقط عبراته لفقد أو فتح صدره للقاء ..الرواية حياة تمشي على الأرض لمن نتغافل عن احتضانهم قبل أن يواريهم الثرى فيدفنوا الحياة الطازجة في المقابر.
من ذا الذي يجرؤ على نسيان معاريج يتعرج بها إلى السماء، هذه الكائنات تمنحنا حياة أخرى، ومهمتي أن أهب الآخرين حيوات بعدد من يتنازع في ضميري كي يخرج.. أريد أن أكتب حتى يتغرغر أخر نفس من أنفاسي على لقاء حبيبة..

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك الشهيرة (ترمي بشرر) مثّلت مواجهة بين عالمين متناقضين: الثراء الفاحش والفقر المدقع، هل تعتقد أن هذه المساحة من التناقض الحاد يتيح للمبدع فرصة للحراك بحيوية أكبر لإيصال رسالته ضمن المعطيات المختلفة والتفاصيل الكثيرة والتناقضات المربكة أحياناً؟
عبده خال: رواية (ترمي بشرر) أخر طوق تم قذفه لإنقاذ مجتمع يقف على حافة الانهيار، فعلم الاقتصاد لديه قاعدة قبل إعلان أي تفسخ أخلاقي، تلك القاعدة تحذر من انعدام الطبقة الوسطى، فتناقصها وتلاشيها يؤدي إلى التقاء الفقر المدقع والثراء الفاحش وعندها تلتقي الجنة والنار لتولد عالماً متهتكاً لا يمكنه الإمساك بأي قيمة أخلاقية .. والتحرك في الأماكن الضيقة تشبه مهارة لاعب قديم موهوب يستطيع استعراض المستحيل والممكن في مساحة ضيقة جداً.. والتيمة الرئيسية في رواية (ترمي بشرر) هي مفردة وجوهر مفهوم السقوط، إذ تؤكد أن الجميع ساقط وترتفع نسبة السقوط عند تلاقي العدم والوفرة .

الكلمة خالدة.. والزمن هو زمن الصورة

المجلة الثقافية الجزائرية: عبّرت مؤخراً عن رغبتك بتحويل رواياتك إلى أفلام سينمائية.. لماذا الآن؟ وكيف حدثت هذه النقلة باتجاه ما كنت ترفضه سابقاً؟ هل تسعى لتزويد أعمالك حياة جديدة في زمن آخر؟ وهل تجد في السينما فضاءات مفتوحة تسمح للرواية بالخلود والبقاء؟
عبده خال: الكلمة خالدة، سواء بقيت مكتوبة أو تم استعارتها لأن تكون مرئية، ولكل من الصورتين (المكتوب والمرئي) فضاءاتها التي تؤسس خلودها داخل الحقل الفني لها. ولأن الزمن هو زمن الصورة فإن تحويل الأعمال الروائية من مكتوب إلى مرئي يؤدي إلى خلق مساحة واسعة للوصول إلى المتلقي، وأعتقد أن بلادنا هي الدولة الوحيدة التي تعطل فيها الجانب المرئي، وأقصد بهذا توقف السينما كفن محرم وبالتالي لم تواكب السينما المحلية تطور الإبداع الروائي، ولو أن الانشغال بالسينما من وقت مبكر لكانت عشرات الروائيات قد تم عرضها، ولأنني أعرف أهمية الدراما (سواء سينما أو مسلسلات) أجد نفسي راضياً في هذه الفترة (بعد السماح بمزاولة الانشغال بالسينما والمسلسلات)، ففي السابق عرض علي تحويل بعض أعمالي لأن يكون مرئياً بشروط تكيف العمل القصصي أو الروائي وفق مزاج الرقيب ساعتها رفضت رفضاً قاطعاً .. والانفتاح الاجتماعي وزوال مسببات المنع لأنشطة اجتماعية كثيرة قد يؤدي إلى تجسيد الأعمال الروائية كما كتبت وليس كما يريد أن تتوافق مع مزاج الرقيب، وإذا ظل هذا المزاج متعكراً فلن أوافق على تجسيد أعمالي الروائية بهذه الكيفية.

الأسطورة تحمل نمو العقل البشري وجوهر الحقيقة..

المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من الأدباء يتناولون الأساطير داخل نسق الكتابة الروائية.. لكن إلى أي درجة يمكن أن تصنع الأسطورة بكل ما تحمله من عوالم متخيلة بعيدة عن الواقع عملاً إبداعياً مهماً من وجهة نظرك؟
عبده خال: أنا ممن يؤمن بأننا بقايا أساطير. وأؤمن أيضاً أن الرواية ليست مخيالاً صافياً بل تمثل حياة لها وجودها ويمكن لبعض الشخوص الروائية التسلل من الورق لتصبح شخصية واقعية تحل حياتها كنموذج شاهد عصر أو نموذج للاستعباد أو النضال أو الفرح أو الفلسفة .. شخصيات كثيرة لم تعد ورقية وكثير من الروايات غيرت مجتمعاً أو وقفت على خلل أو نددت بجرم.. وبين الإيمان بأننا بقايا أساطير وكيف للمتخيل الروائي الاستفادة من عمق الأسطورة لتجسيد عمل روائي يمكننا إحداث طوفان سوف يظل منداحاً ليغرق بلادتنا ويقف بنا على جبل الجودي لكي نعرف ما الذي فعلته الأسطورة من صنيع في إنقاذ العقل البشري عبر التاريخ .. هذه الحقيقة الغائبة الحاضرة لم يتنبه لها دارسوا علم الاجتماع أو النفس أو الأدب أو الباحثون في خنادق الأسطورة .. أعود للقول أن الأسطورة ليس كما تم تمريرها للمجتمعات أنها أكاذيب أو متخيلات تنتهي بسردها، الأسطورة تحمل نمو العقل البشري وجوهر الحقيقة التي يبحث عنها الفلاسفة من العهد الأول.

المجلة الثقافية الجزائرية: إصدارك لكتابين عن (الأساطير الحجازية) و(الأساطير التهامية) يدفعني للسؤال التالي: هل يمكن اعتبار الأسطورة وثيقة تاريخية يمكن الاستفادة منها في إنتاج المعرفة على المستوى التاريخي والفكري والاجتماعي؟
عبده خال: تواصلاً مع الإجابة على السؤال السابق أقول: لقد كانت ومازالت الأسطورة تغذي الإنتاج المعرفي في جميع المجالات، ولأن المشتغلين بالبحث في علم الأركيولوجيا (علم الآثار) ، والانثروبوجيا (علم الإنسان) هم أقلية وكثير من الناس ينظرون لهذين العلمين أنهما بحثاً في الماضي لا طائل منه بينما كل مكتشف يصل إليها علماء العملين يستطيعوا إنتاج معرفة جديدة ونفي حقائق ظلت لسنوات راسخة .. فالعلمين يعيدوا صياغة الحاضر وفق قاعدة الماضي ليس لثبات والسكون وإنما للحركة والديمومة .
فهذان العلمان يستطيعان خلق قاعدة تدرج في البنى الإنسانية سواء كانت المادية (دراسة ومراجعة تلك الآثار سواء كانت الحرف أو الأبنية أو الأدوات المستخدمة أو الفنون أو الأسلحة أو الموسيقى، وعلى المستوى الفكري فإن هذين العلمين يخبرانا عن تطور العقل البشري منذ القدم للوقت الراهن .. أليس في هذا إنتاج معرفي على جميع الأصعدة؟!

المجلة الثقافية الجزائرية: جائزة (البوكر) العالمية فتحت لك نافذة واسعة على الشهرة لكن.. رغم جدارتك في مغامرة الرواية إلا أن تجربتك الإبداعية لم تحظى بالاهتمام النقدي الذي تستحقه.. كيف تفسر هذه المفارقة؟
عبده خال: أنا سيء التواصل ولا أعتمد على أي شيء لإحداث تفاعل مع النقاد أو وسائل الإعلام أو منظمو المهرجانات أو الندوات، وأرى أن مهمتي هي أن أكتب وأن أجود عالمي الروائي ليس من أجل أحد وإنما لأني عاشق (أعشق الكتابة) آتي –في كل مرة- إلى معشوقتي بكل شوق العالم، والعاشق لا يعرض معشوقته لأحد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق