قراءات ودراسات

شعبان يوسف يوقظ ضحايا إدريس

د. زينب العسال

تخيلت – بعد أن أنهيت قراءة كتاب الشاعر والناقد شعبان يوسف “ضحايا يوسف إدريس” أن إدريس قرأ الكتاب، وشغلته الآراء الواردة فيه، بداية من إلقاء السؤال: هل لى ضحايا؟! هل كل هؤلاء الذين ينتمون إلى أجيال سابقة وأجيال لاحقة، هم ضحاياي أنا الذى عانيت الكثير والكثير، هل حصولي على ما أستحقه من مكانة يعد تعديًا وجورًا على حق الآخرين فى الوجود والانتشار ونيل المكانة؟ كيف وقفت السلطة معى وأنا الذي دخلت السجون والمعتقلات مع آخرين من اليسار المصري. نعم كتبت كتابين للسادات، لكن ألا يذكر المؤلف أننى ألفت كتابًا ضد السادات، بالتحديد عن حرب أكتوبر، قدمت فيه رأيا خالف ما روج له السادات وإعلامه عن الحرب، هل اختفى هذا الكتاب، فلم يصل بالتالي إلى القراء؟
مع ذلك، فإني سعيد لأن الكاتب أعترف – منذ عنوان كتابه – أن لى عصرًا، سماه “عصر يوسف إدريس”.
لو يعرف الآخرون كم عانيت حتى أصل إلى ما وصلت إليه. لقد كافحت وحفرت طريقى بيدى، ساعدنى البعض، ووقف البعض فى طريق نجاحى، لكنني لم أقف فى وجه أحد، ولم أنل مكانة استحقها غيرى، لم أهمش أحدًا، ولم أعتّم على إبداع أحد.
لا بأس، فأنا يوسف إدريس ولى عصر، وسيظل هذا العصر موجودًا طالما أن القراء والنقاد يقرأون، والباحثون يدرسون إبداع هذا العصر، أنا الذى شاهدت نجاحى واعتراف كل الأقلام بتفوقى، عدا ما نشرته لي الصحف في الفترة الأخيرة من حياتى، وقول البعض إنه ليس إبداعًا، لعلي أطالبهم بتفحصه جيدًا.
الكتاب ذو فائدة كبيرة لكل من يدرس إبداعى، والمناخ الثقافى الذى عشته، وأنتجت فيه إبداعى الأدبى والفكرى.
وأعود – ككاتبة لهذه الكلمات – من سرحتى إلى الواقع، لأجد في الكتاب الذي عرضه كاتبه فى بساطة ويسر، يحمل قراءة إيجابية لرحلة بحث فى الكتب والدوريات والصحف، هو قراءة محبة ليوسف إدريس وفنه، لكنها حملت على عاتقها إنصاف الآخرين ممن عاصروه، بالحديث عن الجهد الذي بذلوه فى تطوير فن القصة القصيرة، أخفق البعض، وأصاب آخرون، لكن ما يثير الدهشة حقًا، هذا الهجوم على بعض رموز اليسار ودورهم فى صنع أسطورة يوسف إدريس، على حساب إغفال دور الآخرين، أو التقليل من أثرهم الأدبى.

د. زينب العسال

لمس شعبان يوسف حقبة ما قبل إدريس فى محاولة لتأصيل فكرة استقطاب واستبعاد وتكريس السلطة الثقافية لشخصية بعينها، وعلاقة المثقف بالسلطة سلبًا أو إيجابَا، وهنا يذكر ما حدث مع العقاد، وكيف استقطبته السلطة بعد سجنها له، ويروي – فى المقابل – كيف عاقبت السلطة طه حسين، حتى كادت تفصله من الجامعة، بعد تأليفه كتاب ” فى الشعر الجاهلى”، ثار عليه من ثار، وانتصف له القضاء، وإن مضت الأمور في اتجاهها الذي رضي به الجميع، حين أعاد طه حسين مراجعة كتابه، ونشره بعنوان ” فى الأدب الجاهلى” ثم ًصدر له – في توالي السنوات – ” على هامش السيرة ” و” الوعد الحق” و” الفتنة الكبرى” و” علي وبنوه” وغيرها.
جاءت فكرة كتاب شعبان يوسف حول العوامل التى صنعت أسطورة يوسف إدريس، وزعمه بأنه أديب عالمى، وأنه تشيخوف العرب ( استبدل الكاتب الكاف بالخاء في بعض الأسطر فسماه تشيكوف ) رغم وجود منافسين أقوياء بعضهم كان أحق بأسطورة إدريس ونيل مكانته.
ثمة عاملان في تقدير شعبان يوسف روجا لأسطورة يوسف إدريس: الأول مساندة السلطة له، والثانى انضمامه لليسار، ووقوف رموزه الفكرية والثقافية بجانبه.
فتحت السلطة ذراعيها له، بداية من النشر فى جميع صحفها من جرائد ومجلات، ووسائل الإعلام، والملتقيات والمهرجانات وتمثيل مصر فى الملتقيات العربية والدولية، وتقديم السينما للعديد من أعماله الروائية، ومنحه جوائز، أو تعويضه عن جوائز عربية من جهات كانت على خلاف مع السلطة الحاكمة، أو سفره للخارج لتلقى العلاج على نفقة الدولة، إلخ
من منطلق المحب ليوسف إدريس، بل المعجب بشخصيته، كان إدريس شخصية آسرة حتى لمن لم يصادقه، أو يعرفه. كانت طلته على الشاشة توحى للمشاهد بثقة الرجل بنفسه وفنه، وأن ما حصل عليه من مكانة استحقها بجدارة.
نحن شعوب تختصر الكل فى واحد، نذكر أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ونغفل العشرات ممن يستحقون الإشادة، لكن ذاكرتنا لا تستوعب – أو قل لا تحب – إلا النجم الواحد. حصل ذلك فى الأدب، فلا أحد إلى جانب نجيب محفوظ، و يوسف إدريس، وفى الشعر نقول شوقى أمير الشعراء، ونذكر صلاح عبد الصبور في قصيدة التفعيلة، وإن تقلصت الفردية لتصير جماعية بتوالى الأجيال، فثمة جيل الستينيات، وجيل السبعينيات، وجيل الثمانينيات، إلخ، لم نجد فى هذه الأجيال من صنع الأسطورة، وبز أقرانه، وأجمع الناس على أنه يمثل الجيل، صنع كل واحد دائرته التى قد تتماس مع الآخرين، أو تبتعد، كل حسب قدراته وموهبته وعلاقاته، وبالقطع، فقد لعبت “الشللية” دورًا لا يستهان به.
اعتبر يوسف إدريس نفسه جيلًا فى ذاته، مرجعية ذلك موهبته الأدبية والفنية والثقافية، ومن ثم – والاجتهاد ليوسف شعبان – راح يطيح بكل من سبقوه، ولم يدافع السابقون – بالطبع -عن إبداعهم، لرحيلهم عن دنيانا، “فقد تطورت القصة القصيرة، منذ كتب كل من محمد ومحمود تيمور وحسن محمود وإبراهيم المصرى و محمود طاهر لاشين ويحيى حقى وشحاته وعيسى عبيد إلخ”، وكانت كل الظروف تتيح ظهور حركة إبداعية جديدة تبشر بتطور جديد ليس فى القصة فقط، بل في الرواية والشعر أيضًا.
كان إدريس نفسه مؤسسة إعلامية، ذكرت ذلك زوجته السيدة رجاء فى حوار معها، كان يقول لها إن اليوم الذى لا ينشر فيه خبر عنى يعنى أننى مت!. عمل في الصحافة، فعرف قدرة الإعلام فى صنع النجم، وروي – عن بداياته – أنه كان يكتب أخبارًا عن نفسه، يوزعها على جلسائه في المقاهي من الصحفيين.

إذا كان للدولة دور فى تكريس كاتب بعينه أو شاعر أو فنان ما، فإن هذه المؤسسة لم تعد موجودة، ولم تعد مقنعة مثلما كانت، ومن الطبيعى أن يصبح الكاتب المدعوم من الدولة مرفوضًا ، لكن دور النشر ومؤسسات المسابقات وآليات الترجمة والصحف والصدأ المتراكم فى الكواليس والمؤامرات والدسائس والشللية والإعلام المرئى والمسموع والمكتوب والنقاد، كل هذه الآلات والآليات أصبحت بدائل فاعلة وقوية للدولة القديمة، وذات شأن فى تكريس ظاهرتى الاستقطاب والاستبعاد والتكريس لما هو بائس وضعيف وركيك وسطحى، وتجاهل ما هو أهم وأحفل بالقيمة والجمال.
نحمد الله – إذن- على أن الدولة والمؤسسات الثقافية، حينما كرست لإدريس، كرست لقيمة جمالية حقيقية تستحق الوقوف بجوارها، وهو أمر لم ينكره أكثر المخالفين ليوسف إدريس، أو المتوهمين بأنهم يستحقون مكانته.
فإذا كانت ” أرخص ليالى قد أحدثت انعطافة في التيار الواقعى للقصة العربية، فإن العديد من مبدعى الستينيات والأجيال التالية يدينون ليوسف الشارونى بالريادة فى التجريب فى “العشاق الخمسة”،ثم ” الزحام” وغيرها من المجموعات القصصية التى قلت إصدارتها مع انصراف الشارونى فيما يشبه التفرغ – إلى رعاية المواهب الطالعة – بالنقد والتقديم، حتى بلغت كتب الشارونى النقدية أضعاف كتبه فى القصة.
الشارونى يتحدث عن قضايا مصرية، ويمزج بينها وبين قضايا العالم فى الفترة حوالي الحرب العالمية الثانية، ومما لاحظه النقاد تغلب فكرة المثقف على عفوية الفنان، ربما لأن وعى المثقف يبين عن لا وعى الفنان.
أهم خصائص قصص الشاروني، الإحساس بأن الأزمة أساسًا حضارية، وليست مجرد أزمة اجتماعية على نحو ما عالجها تيار الواقعية، فهي تعنى – في الدرجة الأولى – بمشكلات الطبقة الوسطى فى المدينة، مثل مشكلات الحمل والولادة والحب والزواج والعمل والوظيفة والزحام والانفجار السكانى والعنف غير المبرر والتشوه النفسى والضمير الإنسانى فى الوقت نفسه. محاولات متجددة للتجريب، بينما كانت لحظة إدريس السردية بسيطة، تخاطب القارئ وتستفز تأملاته فى آن.
فى قصصه زاوج بين النقد والإبداع القصصى، كما فى قصتى ” زيطة صانع العاهات” و” مصرع عباس الحلو” المستلهمتين من رواية نجيب محفوظ ” زقاق المدق” كيف اختلفت الرؤية نتيجة اختلاف القالب الأدبى.
ظل يوسف الشارونى – كما أعلم – متيقنًا بأنه يستحق مكانة مساوية لمكانة يوسف إدريس، لكنه لم يعلن ذلك صراحة، واقتصر على الحديث عن طرائق تجديده فى القصة القصيرة، كما عبر عن اعتزازه بحفاوة الوسط الأدبى بمجموعته” العشاق الخمسة” لما بها من أسرار واعترافات، وكذلك ما جاء بها من تجريب.
لكن الشاروني لم يكن مؤسسة إعلامية تدعو لفنه، ورغم أنه سجن لانتمائه إلى أحد التنظيمات اليسارية، فإنه ظل ينفى حدوث ذلك بشدة، ولعله يمكن القول إن طبيعة الشارونى الهادئة، التي تؤثر السلامة، كانت من العوامل التى أبعدت الشارونى عن منافسة إدريس في مكانته.
من المهم – في السياق نفسه – أن نشير إلى دور إدوار الخراط فى تطور القصة القصيرة، لقد تقبلت الحياة الثقافية مجموعته الأولى ” حيطان عالية” قبولًا حسنا، وكتب عنها الكثيرون، وأشادت الأقلام بصاحبها الذى لم يكن معروفًا آنذاك فى الأوساط الأدبية، وحصل إدوار الخراط على مكانة متميزة فى حياتنا الثقافية.
تنوعت فصول الكتاب بين تناول شخصيات مثل مصطفى محمود المناوئ الأول، ومحمد يسرى وجماعة الطب، وأبو المعاطى أبو النجا، ومحمد سالم وإدوار الخراط عبد المعطى المسيرى ولطفى الخولى ومحمد صدقى، كما تناولت قضايا مرتبطة بيوسف إدريس ” كيف قرأه أبناء جيله، وكيف علاقتهم به؟ ويوسف إدريس وكتاب الحلقة المفقودة”، و” الأدب ومبالغات اليسار المفرطة “، و” الجوائز ونجيب محفوظ وظواهر أخرى مثيرة”، و” عصر القصة الذهبى”.
الكتاب محاولة لإنصاف بعض الكتاب الذين خبا ضوؤهم ونجمهم أمام وهج نجم يوسف إدريس، وهما محمد صدقى ومحمد سالم، لقد تعاطف شعبان يوسف مع الاثنين لكنهما – للأسف – كانا يشعران بنوع من الدونية. ظل محمد صدقى يذكر نفسه وقراءه بأنه كان عاملًا بسيطًا، احترف العديد من المهن الصغيرة حتى تمكن من الالتحاق بالصحافة، أذكر أننى أجريت معه حوارًا فى أيامه الأخيرة، لم أسأله عن بدايته المهنية، لكنه أصر أن يذكر ما عاناه من الحرف اليدوية التى شوهت أصابه، وذاع صيته بعد نشره مجموعتيه ” الأنفار” و” الأيدي الخشنة، وكان يقول لأصدقائه المقربين إنه كتب مذكراته التى كان يصفها ” بأنها ستزلزل الواقع الثقافى حين تنشر بعد وفاته”، لكنه رحل دون أن تظهر تلك المذكرات، فقد تم التخلص منها!
أعتقد أن شخصية يوسف إدريس وتكوينه الجسدى وثقته التي يراها البعض زائدة فى نفسه وفنه كان لها دور كبير فى احتلال هذه المكانة المتفوقة على أقرانه، فمنذ فترة قصيرة صدر لسليمان فياض كتاب بعنوان ” ألاعيب الذاكرة ” يشي بموضع الظل الذي كان لفياض فى ظل شمس يوسف إدريس الساطعة، بل ورضائه بهذا الموقع، فهو يروي فى كتابه أن إدريس اتصل به ذات صباح، وقال له: ” يا ابن الكلب لما انت بتكتب قصة كويسة ساكت على نفسك ليه” إلخ. وفى نهاية الحديث طلب إدريس من سليمان أن يعمل لنفسه ولفنه دعاية! “
من يرتضى لنفسه هذا، هل يطمح فى أن يحتل مكانة إدريس؟!
كان إدوار الخراط مبدعًا خرج على عباءة كل من إدريس والشارونى، وهو وحده الذى عاب على إدريس واقعيته الساذجة – والتعبير للخراط .
والحق أن الخراط أخذ حقه من اهتمام الكاتب، فهو – بالفعل – أديب كبير، وناقد كبير، ومترجم كبير، ومثقف كبير، قدم مواهب من جيل السبعينيات، استمر بعضهم واعتزل الفن البعض الآخر. وظني أن المؤسسة لم تقف بجوار الخراط، وأن ما أخره في الظهور هو الوظيفة والعمل مباشرة مع يوسف السباعى الذى كان يرفض أن تقاربه قامة، أو تحاول الإعلان عن تفوقها، والمثل نجده فى محمد حافظ رجب، وكذلك عبد الوهاب المسيرى فى أواخر أيامه، كما تحدث عنه المبدع إبراهيم أصلان.
الكتاب يحمل وجهات نظر مهمة، وقدمت لنا فترة من مسيرة الحياة الثقافية والإبداعية، موارة بالحركة والتقلبات والتيارات الأدبية والنقدية، التى يجب أن يتم توثيقها.
من حق إبداعنا الحديث جمع هذا التراث الضخم من القصص المنشورة فى الدوريات والصحف لأدباء لم تسمح لهم الظروف بجمعها، أو نشرها مثل أحمد نوح وسعد حامد ومحمد سالم، دليلنا الذكي ما ورد في هذا الكتاب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق