قراءات ودراسات

” قصيرة ” بحجم حياة.. ورقة نقدية قصيرة لثلاث قصائد قصيرة لزينب هدّاجي

بقلم رشدي بن صالح سعداوي*

١-
بحجم قبلة الوداع
كانت لهفتي
كنت أختفي في حقيبتي
أرسل حمامة
بدلا عني
حتى لا يقتنصها
تجاهلك
٢-
تفاصيل كثيرة
تسرد على
ذاكرة النسيان
و أنا في كل مرة
أستمع وأقول:
أنا ذاكرة للوقت
٣-
أنت كراقصة الباليه
في صرامتها و خفتها
راسخة أنت
كأثر خطوتها
ملغزة أنت
كوطن نتعبه
و يحبنا في صمت
ثلاث قصائد تمثّل وحدة مترابطة، لهذا جمعتها في ورقة نقدية واحدة. و أظنّ أنّ وحدتها ما جعل الشّاعرة تنشرها في منشور واحد.
حاضر، فماض فلفتة نحو الذّات أو غوص فيها. هكذا وردت القصائد الثّلاث مرتّبة من 1 إلى 3. فاختصرت تجربة حياة.
بدأتها بلحظة بحجم قبلة وداع . أي بألمها و زمنها الممتدّ حتّى الأعماق. تلك هي لهفتها له. تشبيه جميل فيه إيحاء بالعشق اللّامتناهي والنّهاية الحتمية. متناقضان نقطة التقائهما الألم. لهفة عبّرت عنها بخوف الخذلان فاختفت في حقيبتها فنعود للوداع و كأنّها حقيبة رحيل وسفر. وللتعبير عن كلّ ذلك أرسلت بدلا عنها حمامة. مسالمة هي رغم الوجع الذي تخشى أن يسبّبه لها بل يقينها أنّه سيفعلها ويتجاهلها ولا وجع أشدّ من التّجاهل.
ملاحظة وحيدة على هامش هذه القصيدة الجميلة ليستقيم المعنى كان الأجدر القول: “أرسل حمامة بدلا عنّي حتّى لا يقنصني ( عوضا عن يقتنصها) تجاهلك” فهي تخشى التّجاهل ( الاقتناص) على نفسها لا على الحمامة التي هي الحلّ. أمّا إذا قصدت بالاقتناص اللّهفة فالمعنى يستقيم غير أنّ المسافة الفاصلة بين كلمتي لهفتي و يقتنصها تجعل القارئ يرجّح أنّ المقصود الحمامة.

القصيدة الثّانية تأتي لفتة إلى ماض. و إن سمّي الإنسان، فذاكرة الزّمن لا تنسى و إلّا توقّفت عقاربه فلدغاتها أرحم من الموت. و من ينسى فقد مات. فلسفة اختصرتها الشّاعرة في كلمات و تركت لكم التّفاصيل.
نقلة رشيقة كرقصة الباليه قامت بها الشّاعرة لتنتقل بنا من القصيدة الثّانية إلى القصيدة الثّالثة. أنهت الثّانية ﺒ ” أنا ” و افتتحت الثّالثة ﺒ ” أنتِ “! أنتِ السّاكنة فيّا، أنتِ أيّتها العاشقة في مطلقها، أنتِ أيّتها الشّعوب و عمق القصيدة آت و الوطن آت. كراقصة الباليه مسلكها مرسوم، محدّد، سريع، لا يمحى، ملغّز نظلّ نقرأه و لا ننتهي كما المرأة، كما الشّعوب، كما التّاريخ. كما وطن، و أصمت في حضرة الوطن. أجمل نهاية.
شكرا للشّاعرة على إبداعها المختصر. شكرا لأنتلجنسيا أن أتاحت هذه الفرصة. كتبت لأنّها أمتعتني.

*كاتب تونسي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق