قراءات ودراسات

الرمزية الصاعدة في”آلهة الفرات”

لـ اسماعيل آل رجب: قصة قصيرة جدا

عقيلة مراجي *

النص:

فَتَحَتْ كَفّيها عَن حَفنَةٍ منَ الزّهور،تَناثَرَتْ وفاحَ عطرُها

تلوّنت اللحظاتُ بالحبِّ حينّ سكبتْ قَطرات الحياء””
هَبَطَتْ على الأرض،صوّبَت نظراتَها فأصابت كَبدَ الماء
فازرورقَ النهرُ بِلونِ السّماء. صارَ الأملُ صافياً عذباً كَما الفرات”
ابتسمَتْ..أرتَسمَ الفرحُ وهوت إليها الأفئدةُ،،هَتَفَ النبضُ”عشتارُ عشتارُ”
الشمسُ تَسطَعُ لِتُعلِنَ النّهار، وظلُّ رموشِها يَبتعدُ عن الشروق حتّى يبلُغَ الزّوال
ثمّ ينمو من جديد. يتجهُ نحوَ الغروب..يَتَعتّم الظلُّ رويدا رويدا
ويشتد الظلام، الليلُ قادم هلمّوا إلى منازلِكم ادخلوها آمنين
أنزوى الناسُ في أرحامِ بيوتِهِم، يتجاذبونَ أطرافَ الحديثِ على ضوء الشموع
غلبهم النوم في لحظات مرّت سريعا
حتى فَزَعَ الناسُ من نومهم على صفيقِ جناحين عَظيمين ،تَبِعهُ عَصفٌ تَطايرتْ لِشدّتِهِ سقوفُ المنازلِ، أصابَ الهلعُ الأطفالَ والنساءَ وَهَرعَ الرجالُ
خارجَ جدرانِهم الطينيةِ مذهولين ،ينظرون صوبَ طائرٍ ضخمٍ يَقفُ على حافّةِ النّهر..
قالَ أحدُهم: إنّها آلهةُ الحبّ جاءتْ لِتمنحنا الحريّةَ
قالَ آخرُ: بل هيَ آلهةُ الحرب..
تَنازعَ القومُ بَينَهم وتقاتلوا.. صفّقَ الطائرُ بجناحيهِ أخرى ،فَتَهاوتْ جدران المنازلِ”
قال فريقٌ من الناسِ :ستبني لَنا بيوتاً أفضل،وقالَ آخرون: بل هيَ آلهةُ الحرب فلنتوحّد لِطردِها.
صفّقَ الطائرُ بجناحيه ثالثةً فَعَصَفَتْ الرّيحُ بالأشجارِ فاقتَلَعتها من جذورِها ّّ ّّ ّّ
صفّقَ الطائرُ رابعةً فاحترقت الزروع وجَفّ النهرُ”
ولايزال القومُ يتنازعون”

أنطلق في هذه المقاربة من فكرة الرمزية الصاعدة والرمزية النازلة، التي أشار إليها (إرك كهلر) في تمييزه بين الرمزيتين عند توظيف الرمز والأسطورة في النص الأدبي على اختلاف بنيته النوعية، <<فالرمزية النازلة هي كل رمزية يفك فيها التمثيل الرمزي نفسه، وينحدر إلينا، من حقيقة سابقة وعليا، حقيقة محددة، ومن ثم فائقة، لمعناها الرمزي، أعني أن الأعمال الأسطورية والدينية حقيقة لا يراد منها أن تكون تمثيلا رمزيا، بل يراد منها أن تصف الحوادث الحقيقية. وأنه نحن الدين، وهذا نتيجة منطقية، نشتق المعنى الرمزي منها>>(5) وهي هنا تشبه ما يقوم به الأجداد من حكايات قصد التنبيه إلى مغزى مضمن في الحكاية ذاتها دون تغيير في متن الحكاية أو إدراجها في عنصر غير هذا السياق…فإنما أريدت لذاتها…أو مانجده في القرآن الكريم من إيراد قصص الأنبياء والأمم السابقة لتكون لنا عبرة، <<ومن جهة أخرى، فإن الرمزية الصاعدة هي خلق جديد تماما، ينبثق من الخيال الفني، وليس ههنا مادة خارجية موجودة من قبل تقدم إلى الفنان، فلا تعود النماذج الدينية توجهه، وهو حر في أن يوجد الصور التي تتضمن شيئا إنسانيا عادة، على الرغم من كونها فذة، أشكلا مفردة. ويبلغ الرمز في مثل هذه الأعمال مرحلة التمثيل الكامل>>(6) روبرت بارث اليسوعي، الخيال الرمزي عند كولريدج والتقليد الرومانسي، ترجمة عيسى العاكوب، دار الكتب الوطنية، بنغازي، دط، 1992، ص27

ويلاحظ القارئ من القراءة الأولى للنص، أن للأسطورة حضورا بنائيا في القصة وليست عنصرا دخيلا يطفو على السطح؛ فالنص الغيابي للأسطورة قيمة فنية تتوالد الأبعاد الدلالية من خلاله عبر فك شفرات الترميز، واستحضار الغائب بفعل التأويل والتفسير، ومرحلية فهم المغزى المضمر، فالأسطورة قبل أن تكون رمزا هي<< هي حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان>>(1)
(1) فراس السواح، الأسطورة والمعنى، دراسات في الميثولوجيا والديانات الشرقية، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، ط2، 2001، ص14
ولما كانت الأسطورة حكاية فإنه من الطبيعي أن تتوافر على عناصر السرد المعروفة(المكان الزمان –وإن كانا مجهولين- الشخصيات، الحبكة، الحدث….إلخ)، ومن ثمة فإن تعالق ما هو تراثي مع رؤية الكاتب لما هو واقع في الحاضر في السرد، هو ترميز وتقنيع للقول، بطريقة فنية تستلزم السياق الكلامي(داخل/خاج) لتلقي الرسالة، ويؤكد كولريدج أنه كثيرا ما تكون هناك فكرة في أسمى معنى لهذه الكلمة، عصية على التوصيل إلا بطريق الرمز، ويصر تلش على أن الرمز لا يظهر أبعادا وعناصر للحقيقة تظل من نواحي أخرى عصية على التناول فحسب، بل يفتح أيضا أبعادا وعناصر من أنفسنا تماثل أبعادا وعناصر للحقيقة( 4)،
المرجع السابق، الصفحة نفسها
وهكذا فإن النص القصصي الذي بين أيدينا هو فكرة تعانق النص الغيابي نازلا والنص الحاضر صاعدا، حبكة فنية تأسطر القصة باعتبارها نصا أسطوريا ينمو عرضا وطولا في خيال الكاتب والقارئ على السواء، ويبدأ تجلي الأسطورة بدءا من العنوان،” آلهة الفرات” فقد اقترنت الأسطرة المكانية مع التجذر الثقافي للفكر الإنساني، فالفرات بما له من قيمة في النفس والفكر يقدم من القيم الدلالية و الإشارة إلى الفضاء الزماني والمكاني في النص، أما الآلهة فهي ليست إلا رغبة مبطنة لتفسير الظواهر وتعليلها في غياب العلم الذي يعتمد المنطق والتفسير الموضوعي لها، قوى غيبية تم استحضارها قديما للواقع وتقديسها، لسد ثغرات العجز في فهم الوجود، وفك أسراره الكثيرة، ومع ذلك فإن هذه النصوص التراثية لا تخل أبدا من القيم الأخلاقية والفلسفية ….واستحضارها رمزا لمعالجة الحاضر فنيا مع إعادة خلق وتحوير للنص الأصلي غيابيا هو تقديم للرمزية الصاعدة في النص، (وإن كان كولريدج يرى معارضا كهلر أن للرمز آلية التفسير الذاتي في النص /يرجع إلى المرجع الخيال الرمزي عند كولريدج والتقليد الرومانسي /)
إذ لا نستطيع أن نفترض أحادية الدلالة على اعتبار النص الغائب، نص الأسطورة، بل نستند في فهم النص إلى إعادة الخلق ودمج الأفكار المتناصة، فعشتار في النص الغيابي هي إلهة الجنس والحب والجمال والتضحية في الحرب عند البابليين، وهي في النص مبعث الأمل ودورة الحياة التي تتجسد في الشروق والغروب، والحلم والأمل كأنها ناموس الكون وسنة الوجود، وهي رمز الهلاك والموت والحرب، فلقد أضاف الكاتب في قصته هالة قدسية على عشتار فأصبحت أكثر قداسة، إنها في القصة أكثر من أسطورة إنها الحلم الدفين في ذات الجماعة” فَتَحَتْ كَفّيها عَن حَفنَةٍ منَ الزّهور،تَناثَرَتْ وفاحَ عطرُها

تلوّنت اللحظاتُ بالحبِّ حينّ سكبتْ قَطرات الحياء””
هَبَطَتْ على الأرض،صوّبَت نظراتَها فأصابت كَبدَ الماء
فازرورقَ النهرُ بِلونِ السّماء. صارَ الأملُ صافياً عذباً كَما الفرات”
ابتسمَتْ..أرتَسمَ الفرحُ وهوت إليها الأفئدةُ،،هَتَفَ النبضُ”عشتارُ عشتارُ”
إنه الموت اللذيذ، والحب القاتل، كأن عشتار تهدهد الناس ليناموا في المهد، عندها تنقض عليهم جنود النار، ويبقى على القارئ أن يسأل وهو أمام قفلة مدهشة: هل هذه الأجنحة التي تعصف بالمكان هي ذاتها عشتار، عشتار ذات الجناحين جناح الحب وجناح الحرب، من تكون عشتار القصة؟ هل هي الفتنة التي يعيشها الوطن، أم هي تلك الأمم الدخيلة التي تتقنع بالحياة لتعطينا الموت، وبالحب لتمنحنا الحرب، وبالدواء لنستسيغ الداء، أبعاد دلالية مختلفة ضمنها القاص في قصته، وقد استطاع أن يبتعد عن الغموض والطلسمة، بل هو ترميز يتصعد في السياق التاريخي والواقعي، الحاضر يفسر بالماضي والواقع يفسر بالحلم والمستقبل يوجد على حرف عشتار…
من وجهة نظري كقارئة القصة على درجة لا يستهان بها من الفنية، فالرمز يؤتي أكله على أعتاب كل قراءة، والإسقاط على خلفيات القارئ صالح في كل زمان ومكان مادام الدهر يدور وعشتار هي فكرة القوة، فكرة الخداع، فكرة المواربة، فكر الكيد، فكرة الحب الذي يثمر حربا لا تبقي ولا تذر..فكرة الفرات وهو ينتعل المجد الآفل على غفوة أمة…
أمة لا تزال تختلف حول السفاسف من الأمور، وتغفل عن العظائم منها، وبتدفق شعوري غامر بالأسى والحسرة والأسف، يقدم لنا القاص صورة القوم وهم يتنازعون حول ماهية هذه الآلهة، بدل أن يسارعوا إلى التكاثف لصدها ، يقول” خارجَ جدرانِهم الطينيةِ مذهولين ،ينظرون صوبَ طائرٍ ضخمٍ يَقفُ على حافّةِ النّهر..
قالَ أحدُهم: إنّها آلهةُ الحبّ جاءتْ لِتمنحنا الحريّةَ
قالَ آخرُ: بل هيَ آلهةُ الحرب..
تَنازعَ القومُ بَينَهم وتقاتلوا.. صفّقَ الطائرُ بجناحيهِ أخرى ،فَتَهاوتْ جدران المنازلِ”
قال فريقٌ من الناسِ :ستبني لَنا بيوتاً أفضل،وقالَ آخرون: بل هيَ آلهةُ الحرب فلنتوحّد لِطردِها.
صفّقَ الطائرُ بجناحيه ثالثةً فَعَصَفَتْ الرّيحُ بالأشجارِ فاقتَلَعتها من جذورِها ّّ ّّ ّّ
صفّقَ الطائرُ رابعةً فاحترقت الزروع وجَفّ النهرُ”
ولايزال القومُ يتنازعون”
عندما نقرأ العبارة الأخيرة التي قدمها القاص قفلة مفتوحة أما القارئ، نغرق لا إراديا في نوع من الإحساس بالخيبة، باليأس، بالتذمر، بالرغبة في تغيير هذه المهزلة، “ولا يزالون يتنازعون” اختيار موفق للفظ، وهو تناص مع قوله تعالى في سورة الأنفال، الآية (46)”….ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” إذا النهاية مفترضة أمام القارئ، الفشل والضعف والهوان..، مما يجعلنا نفكر في النجاة، إبطال المسبب يعني ذهاب الآفة، وهو التعاون، والاتحاد وفهم المقاصد الكبرى لهذه الفتن…، تبطين للنصح والتوجيه ومعالجة قضايا العصر..
قصة على درجة من الجمال الفني والوعي والقيم الدلالية التي تعزف على أوتار عشتار ….

*كاتبة وناقدة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق