حوارات المجلة

الروائي اليمني وجدي الأهدل للمجلة الثقافية الجزائرية: الحرية هي المنحة التي منحها الله للإنسان والأديب الحقيقي لابد أن يكون له صوته الخاص

يمتلك الروائي اليمني وجدي الأهدل تجربة استثنائية على الصعيدين الإبداعي والإنساني.. فهو مثقف مجتهد، جريء، له موقف واضح مما يجري ما جعل أعماله تواجه المنع والرقابة أكثر من مرة.. ضيفنا ابن مدينة الحديدة اجتاز سوداوية الواقع واستطاع فرض نفسه على الساحة الثقافية رغم أنه عاش تجربة المنفى قسرياً في دمشق بعد صدور روايته الأولى (قوارب جبلية) والتي أثارت عاصفة من ردود الأفعال المتطرفة في بلاده.. درس الجغرافيا وعمل في الصحافة وقدم العديد من المؤلفات الأدبية المتنوعة بين الرواية والقصة القصيرة والمسرح والسيناريو. وصلت روايته (فيلسوف الكرنتينة) إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر للرواية العربية في 2008، وتُرجمت رواياته إلى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية، كما صُنفت روايته (أرض المؤامرات السعيدة) ضمن 13 عملاً روائياً تنافس في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد.. المجلة الثقافية الجزائرية تضيء على هذه التجربة الإبداعية المميزة هذا عبر الحوار:
حاورته: باسمة حامد

أرض المؤامرات السعيدة..

المجلة الثقافية الجزائرية: من اليمن السعيد إلى.. (أرض المؤامرات السعيدة)! ما الذي قلب الحال رأساً على عقب في هذا البلد العربي الجميل الذي احتضن أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية في التاريخ البشري؟
وجدي الأهدل: أعتقد أن السبب يعود إلى غياب “العدالة”. طبعاً هناك قوانين رائعة ولكنها مع الأسف لا تُطبق على الأقوياء. إذا شعر القاتل واللص والفاسد وقاطع الطريق بأنه في منجاة من العقاب فإنه سيتمادى في جرائمه، وحينئذ لا يشعر المواطن البسيط بأنه يعيش في دولة يرفرف عليها العدل والأمان والمساواة وإنما هو يكابد الحياة في غابة.
المجلة الثقافية الجزائرية: في حوار سابق معك قلت :”لابد أن تحتوي الرواية على رسالة سامية. رسالة إنسانية بالدرجة الأولى”.. هل يجد المثقف اليمني جدوى من اتخاذ موقف ما تحت وطأة الحرب الجارية في بلاده؟
وجدي الأهدل: نعم، الموقف الذي ينبغي اتخاذه هو المطالبة بـ”العدالة”. لا ينبغي لأيّ طرف أن يصم أذنيه عن المطالب العادلة بحجة الحرب. يهتم السياسي بالقضايا الكبرى والصراع الدولي والنزاعات الإقليمية والاستراتيجيات الجيوسياسية الخ، وهذه مسائل لا تعني الإنسان البسيط الذي يبحث عن لقمة الخبز والدواء والحد الأدنى من الحياة الكريمة.. وواجب المثقف أن ينحاز إلى جانب هذا الإنسان البسيط ومطالبه المتواضعة.

الإبداع والمنفى والحرية..

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك الأولى (قوارب جبلية) أثارت عاصفة من ردود الأفعال المتطرفة على المستويين السياسي والديني داخل اليمن مما اضطرك لهجرة قسرية إلى دمشق.. حدثني عن تجربة المنفى في الربوع الشامية وتأثيرها عليك..
وجدي الأهدل: لأنها كانت هجرة قسرية فإن وقعها على النفس لم يكن حسناً. أسوأ ظرف إنساني يمكن أن يمر به الكائن البشري هو المنفى. هذا يشبه اقتلاع شجرة من جذورها ومحاولة استزراعها في بيئة غريبة. ومشاعري في تلك الفترة كانت سوداوية وميالة إلى إنهاء الحياة.. هناك فرق هائل بين الهجرة الاختيارية والهجرة القسرية، فالأول يشعر بأنه يتقدم إلى الأمام وهو ينظر أمامه، بينما المنفي يشعر بأنه يمضي في طريقه وهو ينظر إلى الخلف.. وهذه طريقة ولاشك مؤلمة في الحياة. بالنسبة لدمشق المدينة والناس، فإنني أحببت كثيراً المدينة وأهلها، أحببتُ ما وجدته فيهم من نشاط وحيوية وإقبال على الحياة، ولمست عن قرب الإمكانيات الإبداعية والعلمية الكامنة التي يختزنها إنسان تلك الأرض.

المجلة الثقافية الجزائرية: الحرية شرط أساسي للإبداع ولكن أعمالك الأدبية واجهت المنع والرقابة أكثر من مرة، طيب الآن كيف تكتب في زمن الحرب والافتقار للخدمات الأساسية حيث لا ماء ولا كهرباء ولا دواء؟!
وجدي الأهدل: الحرية هي المنحة التي منحها الله للإنسان. إن فكرة خروج آدم من الجنة بمعنى من المعاني هي الرغبة في الحصول على الحرية، بعيداً عن الرقابة المباشرة على تصرفاته، وهذا سبب احتجاج الملائكة، لأنها تشككت أن منح الإنسان الحرية الكاملة ليتصرف كما يشاء سيؤدي إلى سوء تصرفه بهذه الحرية الممنوحة له.. لم تكن الملائكة واثقة من أن هذا الكائن المخلوق من طين سيحسن التصرف بحريته.. ولكن الله سبحانه وتعالى قرر أن يمنح الإنسان أعظم منحة في الوجود. لذلك الرقابة هي محاكاة لدور الملائكة، ولكن هذا الدور يحول دون أن يحقق الإنسان كماله الإنساني. والعبرة أن الرقابة لا تتفق مع الخيار الذي اختاره الله للإنسان، فالله قد قرر أن يثق في الإنسان وضميره الحي. وأما عن الكتابة في زمن الحرب، فالمسألة هي كيف يمكن أن نقوم بعملية تحويل للظروف غير المواتية للكتابة لتكون مواتية للكتابة.. فمثلاً بسبب انقطاع الكهرباء لم أعد أشاهد المسلسلات والأفلام وسوى ذلك من المتع التي تقدمها الشاشة، واتجهت لقراءة الكتب.

الرواية والتاريخ والوقع..

المجلة الثقافية الجزائرية: سأعود إلى (أرض المؤامرات السعيدة) لأسألك: هل يملك الروائي اليمني القدرة والإرادة على التأريخ بعيداً عمّا يؤرخه الساسة وتؤرخه الصورة الإعلامية؟
وجدي الأهدل: إلى حد ما الجواب هو نعم. نحن نعرف مثلاً ما كانت عليه الأوضاع في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر بصورة واضحة من خلال قراءة أعمال ديستويفسكي. ويمكن للقارئ في البرازيل أن يفهم المجتمع المصري في القرن العشرين من خلال قراءته لأعمال نجيب محفوظ. وأعتقد أن أدب كل أمة من الأمم يسعى إلى هذا الإنجاز. لا أحد مثلاً سيرغب في قراءة تاريخ دولة كولومبيا إلا إذا كان أكاديمياً متخصصاً أو معنياً بشأن من شؤون تلك الدولة مثل تعيينه موظفاً دبلوماسياً في سفارة بلاده في كولومبيا، ولكن العالم كله قد قرأ أعمال الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وبالتالي فإن ملايين الأشخاص حول العالم يعلمون أشياء كثيرة عن كولومبيا وثقافة سكانها وأسلوب حياتهم.

المجلة الثقافية الجزائرية:(حمار بين الأغاني) بدت رواية مشوقة وكاشفة لخبايا الواقع اليمني إلا أن عنوانها لم يكن موفقاً كونه لا ينسجم مع المضمون.. ما رأيك؟
وجدي الأهدل: هذه ملاحظة صائبة تماماً. ويبدو أن عنوان الرواية لم يساعد على انتشارها أيضاً رغم طرافته. ولعلي لو استشرت العديد من الأصدقاء في مسألة اختيار عنوان الرواية لحصلت على عنوان أكثر انسجاماً مع محتوى الرواية.

الأم هي المسئولة عن نهضة الشعب أو انحداره..

المجلة الثقافية الجزائرية: الكثير من كتاباتك تركز على التوعية بقضايا الأنثى.. لكن إلى أي حد يمكن الجزم بأن هذا المسعى سيجد استجابة في مجتمع قبلي يؤمن بالغيبيات والتقاليد المتوارثة كالمجتمع اليمني؟ ثم ألا تتفق معي بأن المرأة مسؤولة بشكل أو بآخر عن القهر الاجتماعي الممارس ضدها في كثير من الأحيان باعتبارها تساهم في ترسيخ السلطة الذكورية؟
وجدي الأهدل: لقد فكرت مطولاً في مسألة تأخر اليمن عن اللحاق بالأمم الأخرى في الحداثة والتطور السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي، وتوصلتُ إلى نتيجة مفادها أن “الأم” هي المسئولة عن نهضة الشعب أو انحداره إلى الحضيض الأسفل. وهذا يعني أن “الأم” هي التي تبذر البذور الأولى في عقل وضمير الطفل، وهذا الطفل سواءً كان ولداً أو بنتاً فإنه سينشأ متشبعاً بالتربية التي أُشربها في سنوات تكوينه الأولى.. هذا الكلام الذي أقوله لا يقلل من شأن أمهاتنا، فالأم الأمريكية أو اليابانية ليست أفضل من الأم العربية من حيث الحنان والإيثار وحرصها على غرس الخلق السوي، ولكن الفارق هو في التعليم، فالأم المتعلمة خير من الأم الجاهلة، وكلما كانت الأمهات قد حصلن على مستوى أفضل من التعليم فإن مستقبل الأمة موعود بالنهوض والتطور والرفاه والسلم والاستقرار.

خصوصية الكاتب وتأثير الجوائز..

المجلة الثقافية الجزائرية: نلاحظ أن الجغرافية اليمنية بتجلياتها الاجتماعية والسياسية والتاريخية تمثل المرجعية الأولى لكتاباتك.. هل تجد أن التعبير عن الخصوصية تجعل المبدع مؤهلاً للشهرة والانتشار أم العكس؟
وجدي الأهدل: في البدايات كنت أكتب الأدب متأثراً بقراءاتي للروايات العربية والأجنبية. لكن بمرور الوقت أدركتُ أنني صدى لأصوات أدباء آخرين، وأن الأديب الحقيقي لابد أن يكون له صوته الخاص.. من أين يأتي هذا الصوت الخاص؟ يأتي أولاً من تأمل الكاتب لموقعه على خارطة العالم.. عليه أن يتعرف على موقعه الجغرافي بدقة، والدقة التي أتحدث عنها لا تتعلق بإحداثيات خطوط الطول والعرض، ولكن بتأثير الموقع الجغرافي وأثره الحتمي على أخلاق البشر وسلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم وحتى المستوى العام لقدراتهم العقلية.. وما التاريخ سوى نتيجة للعوامل الجغرافية.. أعتقد أن تجاهل الروائي لكل هذه العوامل التي يمكن إجمالها بكلمة واحدة “القدر” لن يساعده على إنجاز عمل إبداعي يضرب بجذوره في أعماق النفس البشرية.

المجلة الثقافية الجزائرية: قبل عشر سنوات وصلت روايتك (فيلسوف الكرنتينة) إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر، واليوم صُنفت روايتك (أرض المؤامرات السعيدة) ضمن 13 عملاً روائياً تنافس في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد.. ماذا تمثل هذه الإنجازات بالنسبة لمبدع يؤلف في الرواية والقصة القصيرة والمسرح والسيناريو؟
وجدي الأهدل: لاشك أن الترشح لجوائز مرموقة أمر يبعث على السرور، وهو مدعاة لأن يشعر الكاتب بالثقة فيما يكتب. وأما مسألة الكتابة في فروع أدبية مختلفة، فهي تساعد الكاتب على الإلمام بالتقنيات التي تستخدم في حقول سردية مختلفة. فمثلاً المسرح يُعلم الكاتب تأليف الحوار المصقول المكثف، وكتابة السيناريو تُعلم الكاتب التعبير البصري والتفكير في الحبكة وتخيلها على شكل مشاهد متتابعة.. إن كتابة رواية واحدة جيدة بحاجة إلى تجربة خصبة في كتابة سائر فنون النثر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الروائي اليمني وجدي الأهدل للمجلة الثقافية الجزائرية: الحرية هي المنحة التي منحها الله للإنسان والأديب الحقيقي لابد أن يكون له صوته الخاص”

  1. الروائي اليمني وحدي الأهدل علامه فارقه في مجال الرواية اليمنيه ويلقب بثعلب الروايه وله شخصيته المميزة بين جميع كتاب الرواية وكان الحوار أعلاه مميزا سواء بطرح الاسئلة أو ردود وجدي الأهدل العميقة .كل التحايا لكما معا..وللصحيفه والموقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق