ثقافة المقال

التفكير العلمي بين العامة والعلماء

صفاء عبد السلام فرحات*

عند الحديث عن التفكير العلمي قد يظن البعض للوهلة الأولى أن هذه الطريقة من طرائق التفكير تقتصر على العلماء ممن يقومون بعمل التجارب العلمية في معامل التجارب فقط , وأنه من المستحيل لغير المتخصص أن يستخدم تلك الطريقة المعقدة من التفكير , ولكن هذا الظن إنما هو درب من دروب الإثم ؛ فنحن نستخدم طريقة التفكير العلمي في شتى مناحي حياتنا , في أعمالنا وتعاملاتنا اليومية بين بعضنا البعض حتى في اللغة التي نتحدث بها مع الاخرين .
فالتفكير العلمي هو ذلك التفكير المنظم المبني على مجموعة المعارف التمراكمة لدى الفرد ، ومن خلال استيعاب هذه المعارف يتبع الفرد اسلوبا معينا في حل المشكلات ويستطيع النظر إلى الإشكاليات بصورة مميزة وأسلوب يتشابه مع أسلوب العلماء في التفكير.
وإنما تتفشى هذه الطريقة من طرائق التفكير داخل المجتمعات التي تتميز بزخم العلماء بها ؛ حيث يتأثر العامة بأسلوب علمائهم في التفكير.
وتتميز طريقة التفكير العلمي بسمات تميزها عن طرائق التفكير الأخري فهي تهدف لدراسة قضية معينة والوصول إلى القوانين التي تحكمها , وللمفكر الحق في اختيار القضية محل البحث والدراسة وينقد أو يعدل ما يراه يستحق في هذه القضية بشرط تقديم الدليل على هذا النقد أو التعديل.
كما أن للمفكر أيضا حرية اختيار النظرية التي سيبدأ منها تناوله للقضية , ومن تلك النقطة ينتقل المفكر إلى “التراكمية” …نعم ؛ فالمعرفة العلمية معرفة “تراكمية” ؛ حيث ينتقل المفكر من مستوى فكري لمستوى آخر أعلى منه , وما هذا المستوى إلا أساسا لمستوى آخر أعلى , فالمفكر إذن في حالة من التنقل المستمر لمستويات أفضل من المعرفة.

إن كل ذلك يحدث بدون أن يتعرض المفكر لمعتقداته الذاتية عند تناوله للقضايا فالمفكر يتناول القضايا محل الاختيار بموضوعية وبدون حياد فيتناول القضية بنوع من التجريد والتعميم لحين الوصول إلى مبتغاه .
وفي مقابل بعض طرائق التفكير العشوائية , وما ينتاب الفرد أحيانا من شرود للذهن والغوص في براثن التفكير الغير منظم نجد طريقة التفكير العلمي كسائر طرائق التفكير الواعي تتسم بالتنظيم ؛ حيث لا تسير الأفكار بحرية وإنما تسير وفق ترتيب وتنظيم نابع عن وعي المفكر , فلكي يحقق المفكر هذا التنظيم فعليه اتباع خطة واعية ومنهج يتناسب مع طبيعة العصر.
وقد أصبح المنهج العلمي بمهاراته وخطواته سمة تميز العصر الحديث ؛ فبداية يبدأ المفكر بالملاحظة والانتباه للأحداث والظواهر والتي تؤدي بالمفكر إلى الشعور بوجود مشكلة ما , وبالتالي يحاول المفكر تنظيم خبراته وجمع المعلومات والبيانات وتصنيفها بحيث يستطيع تحديد المشكلة تحديدا دقيقا , ومن هذا المنطلق يحاول المفكر اقتراح الحلول المناسبة لهذه المشكلة ويقارن بينها حتي يستطيع التوصل إلى الحل الأمثل للمشكلة المطروحة .
وعلى الرغم من اتباع المفكر لتلك الخطوات والمهارات في طريقة التفكير العلمي , إلا أن هناك بعضا من الأخطاء التي يقع فيها بعض المفكرين كتغليب الأهواء والآراء الشخصية والبعد عن الحيادية والموضوعية , أو الاعتماد على بيانات غير كافية عن المشكلة أو غير صحيحة فقط لأنها تتماشى مع وجهة نظر المفكر , وبالتالي الوصول لنتائج غير صحيحة .
أما عن بعض المعوقات التي تواجه هذه الطريقة من التفكير وغيرها من الطرائق الراقية فتعتمد أولا على البيئة المجتمعية المحيطة والتي لها الأثر البالغ في تحديد طريقة تفكير الأفراد.
وأخيرا يبقى السؤال: هل فكرت يوما في استخدام التفكير العلمي كطريقة تحاكي طريقة تفكير العلماء؟!

*باحثة فى فلسفة بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة ..مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق