قراءات ودراسات

الجريمة والعقاب: القاتل المتأمل”2”

بقلم: حسين جبار “ديموزي”

لم نتحرك في مقالنا السابق إلا في خط واحد من خطوط الرواية: هو خط التقلبات النفسية الحادة للقاتل، تلك التقلبات التي انتهت إلى أن عمقت في داخله احساس العزلة والبعد عن كل ما يحيط به. والواقع أن هذا الخط لا يأخذ مكانته ولا تتوضح لدينا جوانبه المختلفة إلا عندما يوضع، كما هو في الرواية، في حالة تقاطع مع الخطوط الأخرى. والخط الأهم الذي يتقاطع مع خط البطل هو الذي تمثله أسرة الموظف البائس الفقير مارميلادوف، وخصوصا ابنته صونيا. ان اللقاء بين راسكولنيكوف مع الموظف مارميلادوف منذ بداية الرواية يتيح لها أن تتحرك على مستويين، مستوى الفكر المتأمل وما يصاحبه من انفعالات نفسية وتقطعات انفعالية، ومستوى الواقع البسيط، أو مستوى عيش الواقع ببساطة.
ليس بلا دلالة أن المؤلف يجعلنا نشعر بمدى الفقر والعوز والبؤس الذي تعيشه هذه الأسرة، أكثر مما نشعر به في الواقع مع راسكولنيكوف، هذا الفقر الذي دفع بصونيا لتضحي بنفسها من أجل أن تعيل أسرتها، ولتصبح، كما يقول أبوها، ذات بطاقة صفراء (أي مومس).

فإذا نظرنا إلى الجريمة باعتبارها صرخة احتجاج ضد القانون والمجتمع الذي يخلق، من خلال عدم عدلاته، أناسا يرزحون تحت الفقر، فأننا لا نجد أثراً لهذا الرفض والاحتجاج عند تلك الأسرة، فقط القبول والرضى السلبي بواقع الحال، وإن كانت ثمة بقايا رفض واحتجاج فإنها تتوجه للداخل بدل الخارج. هكذا نسمع مارميلادوف وهو يخاطب راسكولنيكوف فيقول:((اسمح لي أيها الفتى: هل تستطيع…لا… …يجب أن ألقي عليك هذا السؤال بقوة أكبر، بطريقة أبلغ دلالة وأصدق تعبيراً، يجب ألا أقول “هل تستطيع”، بل يجب أن أقول “هل تجرؤ أن تؤكد حين تتأملني في هذه اللحظة، أنني لست خنزيراً؟))[١]. بعد هذا الحوار وحتى قبل أن يلتقي راسكولنيكوف بصونيا نسمعه يصيح: ((نعم صونيا، صونيتشكا مارملادوفا، صونيتشكا الخالدة، الخالدة خلود العالم!)). هكذا يعي أنها خالدة خلود العالم لأنها قبلت الألم.
تمثل صونيا نموذج المسكنة والوداعة، وحقا كما يرى فيليب رالف، أن دوستويفسكي وحده بقدراته الخارقة قادر على خلق هكذا نموذج دون السقوط به الى قاع الميوعة العاطفية، وهي تمثل حقاً كذلك النموذج الذي يتخذ “عدم المقاومة” منهجاً أخلاقياً، فلا نستغرب أن أول شعور تثيره في نفس راسكولنيكوف هو شعور الشفقة.

نرى في لقائهما الثاني إمعان راسكولنيكوف بتعذيبها بالإسئلة حول وضعها، وما ستؤول إليه هي، وما ستؤول إليه عائلتها وتلك الصبية الصغيرة ابنة زوجة أبيها التي ربما ستسقط فيما سقطت فيه صونيا، وهو لا يريد تعذيبها هكذا من أجل تعذيبها فقط ولكن يريد أن يسمع أجوبتها، يريد أن يعرف كيف لها أن تتحمل كل هذا الذي هي فيه. هكذا يسألها:[٢]
-ولكن قولي لي أخيراً: كيف يمكن أن يجتمع في نفسك مثل هذا العار ومثل هذه الحطة مع أنبل العواطف وأقدس المشاعر؟ ألا انه ليكون أقرب إلى العدل كثيراً، وأقرب إلى العقل كثيراً، أن تلقي بنفسك في الماء منكسة الرأس، وأن تنتهي من هذا الوضع مرة واحدة الى الأبد!…
سألته صونيا بصوت ضعيف، وهي ترفع نحوه نظرتها الأليمة:
-وما عسى يصيرون إليه، هم، إذا أنا فعلت ذلك؟
…..

هي تضحي إذن بنفسها من أجلهم(ألم يفعل المسيح ذلك على طريقته؟!) ولكننا نعلم في العمق أنها لا تنتحر ليس لهذا السبب وحده وإنما، وربما أساسا، لأن الانتحار هو نوع من الاحتجاج(وسنرى في رواية الشياطين أحد أبطال دوستويفسكي وهو يرفع الانتحار إلى أسمى أنواع الاحتجاج والرفض)، وصونيا ليس لها أن تحتج، ولا تملك القدرة على ذلك. وراسكولنيكوف يستطيع ببصيرته النفاذ إلى عمق صونيا، إذ يقول محدثاً نفسه: ((لا، لا، ان الشيء الذي صدها عن اغراق نفسها في القناة حتى الان انما هو فكرة “الخطيئة”، وكذلك “هم”…)) ولكن راسكولنيكوف هو رجل فكر وتأمل لا يرى أن هذا اللون من الاستسلام معبراً عن عقل سوي:((ولكن من ذا الذي يزعم أنها لم تجن حتى الان؟ أصحيح أنها ما تزال تملك عقلها؟ هل يمكن أن يتكلم أحد كما تتكلم هي، وأن يفكر كما تفكر، إذا كان ما يزال سليم العقل؟ هل يستطيع المرء أن يبقى أمام الهوة على هذا النحو، أن يبقى هذا البقاء أمام المستنقع القذر الذي يغوص فيه، وأن يحرك يده في الوقت نفسه باشرة تنم عن العجز، وأن يسد أذنيه كلما حُدِّثَ عن الخطر؟ أليس معجزة من المعجزات أنها تنتظر؟ نعم، لاشك في ذلك. ولكن أليست هذه علامات الجنون؟)). ومن المثير أن يعلق دوستويفسكي على تأملات بطله هذه قائلا: ((وتلبث راسكولنيكوف على هذه الفكرة في اصرار وعناد. ان حلاً كهذا يرضيه أكثر من أي حل آخر)). لماذا يرضي هذا الحل راسكولنيكوف أكثر من أي حل آخر؟ هل ذلك لأنه مفكر متبجح يرى في إيمانها واستسلامها هذا غباءً ونوعاً من الجنون؟ ليس هناك اشارة الى هذا، وأنا أرى أن السبب هو أن هذا الحل يريه أنها تقف على النقيض منه تماما وهو لن ينقذه من هوته التي هو فيها إلا شخصاً يقف على مبعدة من هذه الهوة، شخص يحركه الايمان والاحساس لا العقل والتفكير. هكذا نرى راسكولنيكوف في ثورة انفعالية حادة (وحدهم ابطال دوستويفسكي قادرين عليها) نراه يرتمي ساجداً على قدمي صونيا يقبلهما:
-ماذا تفعل؟ ماهذا الذي تفعله؟ أأماني أنا تسجد؟
فسرعان ما نهض وقال لها بلهجة وحشة:
-أنا لا أسجد أمامك أنت…
….

حقا إنه لم يسجد أمامها “هي” وإنما أمام ما تمثله.
لنترك “طريق صونيا” قليلا ولنذهب مع شخصية غريبة مثيرة يشكل وجودها نغمة مميزة خلال الرواية، انه شخصية سفدريجايلوف، هذا العدمي الفوضوي. يمثل سفدريجايلوف اسلوب الخروج السافر ضد المجتمع: الخروج على المجتمع من خلال تقمص عيوب المجتمع بالذات! المجتمع ظالم لأكن ظالما إذن، المجتمع فاسق داعر لأكن فاسقا داعرا اذن![٣]:
-لا يهمني رأي أحد، لذلك لا يقلقني أن أسلك سلوك لص. ولعل هذا هو الثوب الذي يسهل ارتداؤه أكثر مما يسهل ارتداء أي ثوب آخر في أجوائنا ومناخنا… ولا سيما إذا كان بالمرء ميل طبيعي إلى ذلك…
فهو قد أغوى فتاة صغيرة ودفعها للانتحار (سنتذكر هذا مع ستافروجين في الشياطين)، ودفع خادمه للانتحار بسبب الاهانات التي كان يوجهها له (سنتذكر هذا مع ايفان في الاخوة كارامازوف)، وقد حاول سابقا، وسيحاول مجددا، اغواء دونيا اخت راسكولنيكوف. وهو مؤمن على طريقته العبثية بالأروح العائدة، ويتخيل الأبدية على نحو خاص![٤]:
-نحن نتصور الأبدية دائماً على أنها فكرة لا نستطيع أن نفهمها، على أنها شيء ضخم، ضخم! ولكن لماذا تكون شيئاً ضخماً بالضرورة؟ تصور فجأة أنه ليس هناك، بدلا من هذا كله، إلا حجرة صغيرة، إلا شيئا يشبه حماما في قرية، يملؤه الدخان وتنتشر العناكب في جميع أركانه، وتصور أن هذا هو الأبدية كلها.
يعطي سفدريجايلوف طعما خاصاً للرواية، حيث تأخذ الرغبات والشهوات قسطا وافيا فيها، وهذا لا يوفره لا راسكولنيكوف ولا صونيا طبعا، ومع أن راسكولنيكوف يجد نفسه مشدوداً اليه بشكل لا واع، فإن السبب ليس مجرد كون سفدريجايلوف كانت له محاولات اغواء لدونيا، ولكن لأن سفدريجايلوف يقف، مثل صونيا، على طرف نقيض من راسكولنيكوف. غير أن الشعور الذي يخلفه في راسكولنيكوف هو شعور الاشمئزاز والتقزز.

فجأة نجد أنفسنا أمام سفدريجايلوف وهو يبذل المال لصونيا وعائلتها، ولدونيا أيضا. ثم نلج فصلا هو من أغرب فصول الرواية حيث نرى الأحلام التي تؤرق هذا الرجل الغريب وهو ما يزيد هذه الشخصية سحراً وقوة يتوجهما دوستويفسكي بمشهد انتحاره الذي هو من أكثر المشاهد سخرية وعبثية وألما في الوقت نفسه. يصل سفدريجايلوف الى مكان فيه مبنى يعلوه برج، الى “شاهد رسمي” كما يعبر، وعلى باب فناء ذلك المبنى يستند رجل سكير على رأسه خوذة من نحاس كخوذة أخيل[٥]:
-هيه عم تبحث؟
فأجابه سفدريجايلوف:
-لا أبحث عن شيء أيها الأخ. صباح الخير.
-امض في طريقك!
-هل تعرف أيها الأخ؟ أنا مسافر إلى الخارج؟
-إلى الخارج؟
-إلى أمريكا.
-إلى أمريكا؟
تناول سفدريجايلوف مسدسه وحشاه. فرفع أخيل حاجبيه. وصاح يقول:
-ما هذا المزاح؟ ليس هذا هو المكان…
-ولماذا لا يكون هو المكان…
-لأنه ليس هو المكان…
-دعك يا صاحبي، لا ضير… هذا المكان مناسب مع ذلك. فإذا سئلت فقلت اني سافرت إلى أمريكا.
قال سفدريجايلوف ذلك ووضع المسدس على صدغه الأيمن. فانبرى أخيل يقول له مندفعا محملقا مزيدا من الحملقة:
-ممنوع هنا. ليس هذا هو المكان. (كل مشكلته مع المكان!).
وضغط سفدريجايلوف على الزناد.
….

لم أستطع منع نفسي من ايراد هذا الحوار العجيب!
ان الطريق الذي وضعته صونيا أمام راسكولنيكوف هو طريق الاعتراف والاستسلام. الاعتراف أمام جميع الناس:
-اذهب فوراً، في هذه اللحظة نفسها، اذهب الى مفترق طرق، فاسجد على الأرض من جديد، واتجه الى جهات العالم الأربع جهة بعد جهة، ثم ارفع صوتك عاليا قويا أمام جميع الناس بقولك:”لقد قتلت!”. عندئذ سيرد إليك الاله الحياة.
انه حقا اعتراف على الطريقة المسيحية الأرثوذوكسية. لكن هل هو قادر على ذلك؟ اذا كان يريد ذلك فعليه أن يكف عن التفكير!
هكذا يذهب ليعترف، وهو لا يعرف لماذا يعترف! ويضعنا دوستويفسكي في موقف مثير مع بطله، في مركز الشرطة وقبل الاعتراف يسمع بخبر انتحار سفدريجايلوف: لقد عرف أين ينتهي طريق سفدريجايلوف. فيضطرب ويرتبك ولا يعرف ماذا يقول. أي طريق يختار؟ ذلك حتما هو السؤال الذي مزق راسكولنيكوف قبيل اعترافه. فيترك المركز ويخرج ولكنه فجأة يقفل راجعاً ليسجل اعترافه.

بعد قراءتي الأولى للرواية لم أفهم هذا التحول: كيف يسلك راسكولنيكوف طريق صونيا؟ وأرى الان أن هذا لا يمكن أن نفهمه من داخل الرواية الا إذا رأينا راسكولنيكوف حاملا لبذور ذلك التحول في داخله، تلك البذور التي لم يكن يحملها سفدريجايلوف. ويخبرنا دوستويفسكي أن أمام راسكولنيكوف طريقا طويلة، طريق التحول وان هذا سيكون موضوع قصة جديدة، فهل استطاع دوستويفسكي أن يصور لنا هذا الطريق؟ سنعرف ذلك بعد أن نلج رواياته الكبرى التالية للجريمة والعقاب.

[١]. الجريمة والعقاب، المجلد١، ص٥١.
[٢]. نفسه، المجلد٢، ص٩٣.
[٣]. نفسه، المجلد٢، ص٢١.
[٤]. نفسه، المجلد٢، ص٣٠.
[٥]. نفسه، المجلد٢، ص٤٣٢-٤٣٣.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق