ثقافة المقال

دفع التهم عن أم البشر

محمد عبد الظاهر المطارقى*

نعم، أمنا الأولى، أم البشر جميعاً السيدة العظيمة “حواء” عليها السلام.
ولأن الله سبحانه وتعالى قد أوجب حقوقاً للأمهات في حياتهم وبعد مماتهم. وهذا من البر، كما أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن السيدة “حواء” لها حق علينا باعتبارها الأم الأولى لنا جميعاً، وحقها علينا أن نحسن الظن بها، وألا نشير – مجرد إشارة – بأي ريبة أو اتهام.
والأهم من كل ذلك أن ندفع عنها تلك الأباطيل الكاذبة، والخزعبلات الشوهاء والتي يروج لها أعداء الإسلام، بل وبعض المسلمين الذين يستقون معظم معارفهم وثقافتهم من مصادر غير شرعية، وأن أمنا حواء عليها السلام هي التي أخرجت أبانا آدم عليه السلام من الجنة.
نعم، ثمة أبناء بالغوا في إلصاق التهم في شخص أمنا، ووقر في نفوسهم أن “حواء” هي التي أغرت آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة، وأنها هي سبب البلاء الذي نحن فيه الآن، فلولا فعلتها الشنعاء وإصرارها على المحذور لكنا جميعاً نتنسم رحيق الجنة، ونغرق في ملذاتها ونتمتع ونحن في منتهى الراحة والهناء، بدلاً من هذا الشقاء الأبدي الذي نحياه علي الأرض، وتلك الآلام القاسية التي نتكبدها، والأوجاع التي نتجرعها ليل نهار من جراء إبليس وأعوانه من شياطين الجن والإنس والحمد لله أن هذه الأفكار ليست من معتقد الإنسان المسلم، الملتزم بما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن لكي ننصف أمنا الأولي “حواء” ونعيد إليها مكانتها اللائقة والتي يجب أن تكون. لا يسعنا – بحق – إلا أن نعود إلى ينبوع الدين الصافي، نستقي منه المعنى الصحيح، والمغزى الصريح، ونتلقى حيثيات الدفاع عنها. فإننا لن نجد أجل ولا أروع من تبيان رب العزة سبحانه وتعالى لنا، وحكيه عن قصة الأكل من الشجرة، وأن آدم عليه السلام هو المسئول الأول وحواء بالتبعية.
وقبل أن نستعرض بعض الآيات القرآنية التي تؤكد ذلك، تعالوا أولاً نتعرف على معتقد أهل الكتاب من اليهود والنصارى وموقفهما من أمنا حواء عليها السلام.
“ففي الصفحات الأولي من توراة موسى ” تعتبر المرأة الأولى –حواء- مسئولة وحدها عن الخطيئة الأولى التي استحق بسببها آدم وزوجه الطرد من الجنة، فكانت المرأة بذلك سبب كل الشرور والشقاء الذي حل بالجنس البشري”
وفي صلاة إسرائيلية لها دلالتها يتلو اليهودي المتدين كل صباح صلاة شكر لإلهه يهوه لأنه “لم يخلقه عبداً، ولا وثنياً، ولا امرأة” (1)
إن اليهودية تؤكد دوماً على أن المرأة هي المسئولة عن الخطيئة البشرية الأولى: 

 
تقول قصة الخلق في الكتاب المقدس :
“أخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرب الإله آدم قائلاً :
من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها تموت.
وقال الرب الإله : ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره..
أوقع الرب الإله سباتاُ على آدم فنام. فأخذ واحداً من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة واحضرها إلى آدم.
فقال آدم : هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت.. وكان كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان.
وكانت الحية أصل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله فقالت للمرأة :
أحقاً قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة ؟!
فقالت المرأة للحية : من ثمر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله : لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا.
فقالت الحية للمرأة لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه، تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر..
فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضاً فأكل فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان.
وسمعا صوت الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له : أين أنت ؟
فقال : سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان، فاختبأت، فقال :
من أعلمك انك عريان ؟
هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها ؟
فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت، فقال الرب الإله للمرأة :
ما هذا الذي فعلت ؟!
فقالت المرأة : الحية أغرتني فأكلت
فقال الرب الإله للحية :
لأنك فعلت هذا، ملعونة أنت من جميع البهائم.. على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك.
وقال للمرأة : تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، بالوضع تلدين أولاداً، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك.
وقال لآدم :
لأنك سمعت قول امرأتك.. ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى التراب تعود..
وقال الرب الإله :
هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر.
والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل، ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل في الأرض التي أخذ منها”(2)
* * *

وعند النصارى : أن المرأة ينبوع المعاصي ، وأصل السيئة والفجور.. وهي للرجل باب من أبواب جهنم من حيث هي مصدر تحريكه وحمله على الآثام، ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء،فبحسبها ندامة وخجلاً، إنها امرأة، وينبغي أن تستحي من حسنها وجمالها، لأنه سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة، وعليها أن تكفر ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبداً لأنها هي التي قد أتت به من الرزء والشقاء للأرض وأهلها(3)
* * *
إن المرأة في اعتقاد “القديس بولس” هي المسئول الأول عن الخطيئة البشرية، فهي التي أغويت، وليس آدم، وهي التي تعدت حد الله فوقعت في الخطيئة وصارت معتدية. فهو يقول :
“لست آذن للمرأة أن تعلم، ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن آدم جبل أولاً، ثم حواء، وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي” (4)
* * *

ويقول “تروتوليان” أحد أقطاب المسيحية الأولى وأئمتها مبيناً نظرية المسيحية في المرأة يقول :
“إنها مدخل للشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة،
ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الله – أي الرجل.. “
* * *
هذا ما يعتقده أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيما يخص أمنا حواء عليها السلام وأكلها من الشجرة، والذي ترتب عليه قضية في غاية الخطورة، هي الخطيئة الكبرى، والتي لم تنتهي عند أكل أمنا من الشجرة ودفع زوجها للأكل منها كما يزعمون، فقد انسحبت تلك الاتهامات الباطلة على جميع بنات حواء، فصرن مكبلات بتلك التهمة، يحملن وزرها عبر الأزمان، وصارت نظراتهم لها حادة قاسية، تسيل سماً زعافاً ليخترق قلوبهن البائسة، وأصبحت الأنثى عموماً مضطهدة، وتأثرت الديانات الأخرى غير اليهودية والنصرانية بتلك النظرات المتدنية تجاه المرأة ، فكانت مهدرة الجناح، مسلوبة الإرادة، منبوذة، متاع مباح لكل من هب ودب، ليس لها الحق في الميراث ولا تمتلك أي إرادة لنفسها حتى وقت قريب، كانت الكنيسة في قلب أوروبا تعبأ القلوب المؤمنة ببغضها ومقتها، ووصل بهم الأمر في نهاية القرن الخامس أن ألصقوا بها تهمة ساذجة وراحوا يطاردونها في كل مكان حتى قتلوا منهم أعداداً هائلة تقدر بالآلاف، بل وأبيدت قرى بأكملها، وقلما نجت امرأة من تلك التهمة، وذلك حين أشاعوا أن ثمة نساء متشيطنات يعاشرهن الشيطان جنسياً، ويقمن بأعمال سحرية ضد البشر وأنهن سبب كل الكوارث والمصائب التي تحدث، فما كان من ذلك المجتمع المتخلف الذي يرزء تحت وطأة الجهالة والسذاجة أن يطاردوا النساء، ويتعقبهن لمجرد الشبهة، ويقدمن إلى محاكم لا تعرف الرحمة، وأجبر الكثير منهن على الاعتراف تحت وطأة التعذيب، وبلغ بالبعض منهن أن صدقن إنهن بالفعل كذلك يطرن في الهواء عند حلول الظلام وذلك في يوم الراحة الأسبوعي لحضور الاحتفالات الماجنة فيقمن بعبادة الشيطان المزعوم والذي يقوم بمعاشرتهن جنسياً، ثم يتفقن جميعاً على تدمير العالم وتخريبه، وإتلاف المحاصيل، بل وإحداث العجز الجنسي للآخرين وإصابتهم بالعقم.
إنها المرأة التي هي صورة لحواء، أو انعكاس واضح لما تحمله نفوسهم من عقيدة راسخة ضد حواء وكل بنات جنسها.
إن المتتبع لتاريخ المرأة عموماً يجد أنها أغلب الأحيان مكبلة بالخطيئة الأولى وأنها مصدر الشرور والآثام ولم ينصف حواء عليها السلام، ويبرئ ساحتها غير القرآن الكريم.
* * *

لاشك أن القرآن الكريم بآياته المضيئة، قد حسم القضية تماماً وألقى بالمسئولية كاملة على آدم عليه السلام ثم السيدة حواء بالتبعية، فآدم باعتباره الرجل ، صاحب القوامة وهو الأصل وحواء الفرع حيث أنها خلقت من ضلع آدم، فإن الله سبحانه قد خاطب آدم وحذره من تلكم الشجرة، ولا يعنينا نوعية تلك الشجرة أكانت شجرة تفاح، أم نخلة ذات بلح.. أم كانت شجرة ذات هيئة معينة كل ذلك لا يعني المؤمن في شئ، ولكن ما يهم الإنسان المسلم هو أن ثمة أمر من الله عز وجل ولا بد من الامتثال لهذا الأمر، فكان الخطاب الإلهي موجهاً لآدم وزوجته، ولو سلمنا جدلاً أن حواء هي التي دفعت آدم للأكل من الشجرة أكان مغيباً، أم أنه كان مغلوباً على أمره أمام زوجته، بالطبع هي إرادة الله عز وجل، وقدر قدره على آدم ليكون ذلك سبباً لتعمير الأرض وإنجاب الذرية، فالله جل شأنه حين خاطب الملائكة مبشراً بخلقه لآدم قائلاً لهم :
“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” البقرة 30
قال البخاري : حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
“حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له : أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم
قال آدم : يا موسى.. أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني – أو قدره علي قبل أن يخلقني”
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “فحاج آدم موسى”
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلى في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : حدثنا الحارث بن مسكين المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم-عن أبيه، عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :قال موسى عليه السلام : يا رب.. أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة-فأراه آدم عليه السلام، فقال : أنت آدم؟ فقال له آدم : نعم،
فقال : أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك الأسماء كلها؟
قال : نعم، قال : فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟
فقال له آدم : من أنت ؟، قال : أنا موسى، قال : أنت موسى نبي بني إسرائيل ؟ ، أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب فلم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟،
قال نعم : قال : تلومني على أمرقد سبق من الله عز وجل القضاء به قبل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “فحاج آدم موسى، فحاج آدم موسى”

فآدم منذ اللحظة الأولى قدر الله له أن يكون من أبناء الأرض، أما حواء وهي أمنا العظيمة التي أنعم الله بها على آدم وخلقها من نفسه وجعلها زوجه يسكن إليها وتسكن إليه فكيف كان الحال لو لم توجد حواء؟، ما شعور آدم، مؤكد أن إحساسا ما كان يشعر به من أعماق نفسه أن قلبه يهفو نحو إنسان يشعر نحوه بالحنان والعطف، يأنس به من وحشه، ويبثه مشاعره وأشجانه، لكنه لم يكن ليستطيع كنه هذا الإحساس الدفين، حتى وجدها أمامه من نفس طبيعته التي خلقها الله عز وجل،
من المؤكد أن هناك إحساسا طاغياً ملأ قلب آدم، وأحس بسعادة بالغة لا يستطيع أحد مهما أوتي من قدرة فائقة على البلاغة أن يصف فرحة آدم ومدى سعادته بهذا المخلوق الآدمي الذي يسمى حواء،
قال تعالى:
“يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا” (1) النساء
يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضِلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال: خُلقَت المرأة من الرجل، فجعل نَهْمَتَها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم.
وفي الحديث الصحيح: “إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَج” .
وقوله: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً } أي: وذَرَأ منهما، أي: من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، ونَشَرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.
ثم قال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ } أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه، قال إبراهيم ومجاهد والحسن: { الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ } أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرَّحِم. وقال الضحاك: واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصِلُوها، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع وغير واحد(5).

والله سبحانه وتعالى يعلم ما ينفع عباده، ويصلح من شأنهم، بعيداً عن سفسطة المتفيهقين وادعاء المبطلين أن حواء هي سبب البلاء وكان من الممكن أن تخلق رجلاً فهذا هو الهراء بعينه، والله سبحانه وتعالى هو الخالق، وهو سبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
ثم أن هناك أمر هام جداً وحيوي للغاية ولن يقدر عليه غير حواء، فهي بمثابة الأرض الخصبة التي ستطرح لها من يقومون بتعميرها، والقضية التي هي محل الخلاف بين ما ورد في كتاب الله عز وجل وبين معتقدات أهل الكتاب فيما يخص الأكل من الشجرة، هو أن الله سبحانه وتعالى نصف حواء وصان لها حقها كما صان مريم ابنة عمران وحفظ لها كرامتها وشرفها، وهو الكتاب الخالد الذي حفظ ـ ولا يزال يحفظ ـ مكانة الأنبياء من الطعن والسب وإلصاق التهم التي يأباها أصحاب المروءات من عموم الناس.
يقول الله عز وجل مخاطباً آدم عليه السلام :
“وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين* فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه”35 36 البقرة
فالشيطان قد استطاع بمكره ودهائه أن يشغل كل من آدم وحواء ويستغل نسيان آدم أمر الله عز وجل ويقسم لهما أنه لهما من الناصحين، ولم يكن آدم أو زوجته يتصور بأي حال من الأحوال أن ثمة مخلوق بمقدوره أن يقسم على الله كذباً، وهذا ما جعلهما يصدقاه فيما أوهمهما به، والدافع الحقيقي لوقاحة إبليس وجرأته هو نسيان آدم تحذير ربه له من هذا الشيطان البغيض.
يقول الله تعالى :
“مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور..” (20 : 22) الأعراف
* * *
“هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى” (120) طه
* * *

“ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما، وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وانك لا تظمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلكم على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى” (115 : 121) طه.
* * *

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي- سعد بن طارق-عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعى، عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
“يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة. فيأتون آدم فيقولون : يا أبانا.. استفتح لنا الجنة، فيقول : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم”

هكذا أكل آدم من الشجرة ناسياً أنه بذلك قد عصى الله، وتبعته امرأته فعصت معه. هي إذن تابع لآدم وان كانت ستتحمل معه النتيجة بقدر ما يحمل هو، وهذا ما جعلها تستغفر ربها وتتوب إليه مع آدم
“قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” (23 ) الأعراف
ولأن الله تعالى يعلم تمام العلم أن آدم وزوجه لم يعقدا النية على هذه المخالفة الشنيعة، وأن إيمانهما بالله لم يهتز، وهما لا يزالان على العهد الأول لم يتخلفا كشأن إبليس اللعين، ومع بكائهما المتواصل وطلب المغفرة من الله عز وجل، أنعم الله على آدم بأن علمه كلمات يقولها، فلما قالها آدم بمنتهى الصدق ومن ورائه حواء تؤمن على دعائه هنالك تاب الله عليهما.
“فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم”37 البقرة
* * *
“ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين”
تلك هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.
“وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى” 121 – 122 طه
* * *
إن أمنا العظيمة حواء كانت بريئة ـ ولا تزال ـ من تلك التهمة وهي أنها التي أكلت وكانت سبباً في دفع آدم للأكل هو أيضاً، وصارت خطيئة يتوارثها الأبناء من بعدها، فما من مولود يولد إلا وهو محمل بتلك الخطيئة الأولى التي لا ذنب له فيها، فصارت لعنة يتوارثها الأبناء على مر الأزمان سواء كانوا من الرجال أو النساء.
أنظروا أي جرم شنيع ارتكبته أمنا حواء.
لكن القرآن الكريم، ذلك الدستور الإلهي الخالد يعلمنا أنه ليس ثمة خطيئة متوارثة وأن الأبناء لا ذنب لهم فيما يرتكبه الآباء فإن المسئولية تقع على عاتق صاحبها ولا تنسحب على غيره إلا إذا كانوا مشاركين له في الجرم.
“يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور” (23) لقمان
“كل نفس بما كسبت رهينة” (38) المدثر

محمد عبد الظاهر المطارقى

أما بعد : فإن حواء عليها السلام هي الأم الأولى للبشر، وهي زوجة أبانا آدم عليه السلام، ومنهما معاً كانت الأمم والشعوب التي عمرت الأرض.
“يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء ” (1) النساء
* * *
وقال تعالى :
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعرفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم” (13) الحجرات
وكما قال الإمام الأكبر الشيخ / محمود شلتوت-شيخ الأزهر سابقاً: “… وقد كان من فروع الاشتراك في تلك العنصرية الإنسانية أن سمى الرجل والدا، والمرأة والدة، وجاءت التعاليم القرآنية بوضعهما معاً موضع التكريم والإجلال وما كانت الوصايا الكثيرة التي حثت على الإحسان (بالوالدين) إلا أثراً لهذا الأصل الذي قدره القرآن في أصل الإنسان وتكوينه :
“واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا” (36) النساء
* * *
“وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا” (14) لقمان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(1) أنظر كتاب :مكانة المرأة فى اليهودية والمسيحية والاسلام، لواء أحمد عبد الوهاب سلسلة ” دراسات إسلامية ” العدد37 عن المجلس الأعلى للشئون الاسلامية.
(2) تكوين 15:2-25،1:3-24 وانظر المصدر السابق.
(3) أنظر كتاب ” مشكلات الشباب الجنسية والعاطفية تحت أضواء الشريعة الاسلامية للأستاذ /عبد الرحمن واصل ـ مكتبة وهبة.
(4) ثيموثاوس 12:2- 14
(5) انظر تفسير بن كثير.
* وانظر كتاب ست الحبايب/ محمد عبد الظاهر المطارقى، مكتبة أم القرى.

*كاتب وباحث مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق