ثقافة السرد

في البنك

ناصر الرقيق*

وقفت في صف طويل منتظرا دوري، كنت في وسطه تقريبا، أمامي يوجد عشرة أشخاص و ورائي مجموعة لم أستطع تحديدها لطول الصف و إعوجاجه فبدا كذيل ثعبان هرم نزع نصف جلده ذات صيف، لم يتقدم الصف قيد أنملة، كان متوقفا تماما منذ ساعة على الأقل، أحد أعوان الإستقبال الكثيرين و الذين لا أعلم ما هي مهامّهم بالضبط، أخبرنا أنه هناك عطب في المنظومة الإعلامية و بالتالي علينا الإنتظار، لكن هذا الوضع لم يرق للجميع فبعض المنتظرين أبدوا إمتعاضهم من الأمر خاصة مع سريان شائعات أطلقتها المعارضة المتواجدة خارج البلد، تفيد بأن الحكومة تعاني عجزا ماليا في الموازنة العامة نتيجة الفساد المنتشر تماما كمياه الصرف الصحي الآسنة التي ملئت شوارع الأحياء المنسية و بالتالي فلن تستطيع توفير الأجور لهذا الشهر، و إذا تعلّق الأمر بالأجور تكون الحرب، فالموظف حدّثه عن أيّ شيء حتى عن نزع سرواله فوق مسرح الهواء الطلق و لا تحدّثه و لو بدعابة سخيفة عن عدم صرف الرواتب، فالراتب هو آلهة الموظّف، التي تحييه و تميته.
طال الإنتظار فأضطر أغلب الواقفين لإفتراش الأرض، لكني بقيت منتصب القامة، أتقوّى على آلام ألّمت بي نتيجة إنزلاق غضورفيّ جعلني أبدو كعود صبّار مستسقيم الأعلى و الأسفل، معوجّ الوسط.
كيف أجلس على الأرض ؟
مستحيل أفعل ذلك !!
ماذا لو ردّ أحدهم خبرا لزوجتي ؟ أو رأتني إحدى قريباتها المشنفخات اللاتي لازلن إلى الآن لم يعين كيف أحبّت قريبتهم واحدا مثلي ؟
ماذا سأقول لها لو سمعت ؟
كيف سأجيبها ؟
أكيد أكيد ستكسّر رأسي كالعادة بحكيات أمّها البليدة، و لن يكون لديّ ما أجيبه بها، لقد أمضت الزمن الأوّل لزواجنا في تعليمي ” الإيتيكيت” و فرضت غليّ هي و أمّها ما أطيق و ما لا أطيق بدعوى التقاليد العريقة الضاربة في المدنيّة لعائلتهما، و في النهاية كنت أفشل في كلّ إختبار أتعرّض له.
فعائلة زوجتي و أمّها بالذّات لو لا نبوغي و تفوّقي العلمي و الحبّ الخرافي الذي وقر في قلب إبنتهم تجاهي، لما وافقوا أبدا أن يرتبط إسمي بإسمهم، فأنا طه الحويمدي القادم من هناك، من بعيد، من قلب الوطن المعطوب، من زمن منسي و هي أنوار العابد سليلة آل العابد الذين إرتبطت بهم السياسة و المال و إرتبطوا بهما، لا نشبه بعضنا في شيء عدا شيء واحد و هو أن جوازات سفرنا و الذّي لم أمتلكه بعد، مكتوب عليها في خانة من الخانات « من دولة كذا »
كما أنّ الهيبة التي ورثتها عن جدّي و الوقار اللذي أكستبنيه الوظيفة التي ناضلت للحصول عليها و هذه قصّة أخرى، لا يسمحان لي بذلك، بالجلوس أرضا كما فعل بعضهم، رغم الرغبة الجامحة التي إجتاحتني، للتخلّص من ” الإيتيكيت” و إسترداد شيء من ذاتي المفقودة و من الذكريات المنسحبة من حياتي بأن أفترش الأرض كما كنت أفعل أيّام الحصاد و مواسم جني الزيتون و اللوز، آه كم أشتاق باديتنا، آه يا إبن الحويمدي نسيت أهلك و لبست بعدهم ثوبا غير ثوبك، لكنّ ذاك زمن غابر يا طه، أنت اليوم السيّد طه الحويمدي، فلا تفكّر أبدا بالماضي لأنّه كمرساة تشدّك فلا تترك ترحل أبدا، تطير في دنيا الله الواسعة.
كان يتوجب عليّ اليوم البقاء واقفا، شامخا و تحمل التعب على أن أظهر بمظهر الخانع الذي ينتظر أن تمنّ عليه الحكومة ببضع ملاليم و هو يفترش أرضية القاعة كالمتسولين، لا لن أفعلها و الحكومة لا تمنّ عليّ بشيء بل هو حقي أي نعم حقي، إشتغلت لفائدتها و عليها أن تدفع لي راتبي، و حتّى إن لم تفعل فلن يضيرني في شيء، أنا لست مثلهم، أنا لا أعبد هذا الراتب الوضيع، فهو لا يمثّل شيئا مقابل ما أقدّمه لهذا الوطن الكئيب، هو مجرّد تعويض بسيط عن ساعات طويلة من الإجهاد و التعب، من البحوث المتواصلة. و هذه الحكومة من واجبها الأخلاقي أن توفّر ما إلتزمت به على الأقلّ.
صحيح أنّي لست معارضا لا لزوجتي و لا للحكومة، و لكنّي لست مؤيّدا لهما.
فزوجتي و الحكومة يشبهان بعضهما البعض، كلاهما يصدر الأوامر و يطالبني بالتنفيذ دون أن يأخذ رأيي.
أنا رجل مسالم و طيّب و لا أبحث إلاّ على السلم و هذا ما لم تفهمه لا زوجتي و لا الحكومة.
كذلك كنت في الجامعة ثخين العقل، سامح الله جميع أصدقائي فغالبا ما أتهموني بالجبن، أنا لست كما قالوا، فقط أنا عقلاني، أنا رجل واقعي لا أرى فائدة في الشعارات، فالجميع يرضع من نفس الصدر، إذن ما فائدة تغيير السرج إن كان البغل واحدا ؟
مازال الصفّ على حاله، و الناس تزداد و تزداد معهم زحمة الإنتظار، أمامي مباشرة وقف رجل بدين بدا لي من خلال وجهه المدوّر و رأسه المكوّر و شواربه الكثّة و حواجبه الغليظة و يديه المشققتين أنه من أصحاب المهن الشاقّة، لكنه أمام تواصل المعاناة كما سماها لم يجد بدا من الجلوس على الأرضية خاصة أنه يعيش صراعا مريرا مع كرشه الذي سبقه للأرض، جلس و مدّ رجليه على أصوات الكتل الهوائيّة المنبعثة من فمه، فهذه الجلسة الوحيدة التي تناسبه، حاول أن ينزل قمصيه ليغطّي ما بدا من مؤخرته لكنّه لم يفلح فترك الأمر على حاله، كان ينفخ كالثور و الشرر يتطاير من عينيه، أدخل يده في جيبه فأخرج نصف سيجارة بدا أنّه دخّن نصفها في وقت سابق ثمّ همّ بإشعالها غير مكترث لعلامات منع التدخين المثبّتة على الجدران لو لا أنّ ولاّعته أبت أن تشتعل، فلعنها و لعن صانعها، إزداد حنقا و قد فاض غيضه، فقال مهددا :
– لن أخرج من هنا إلا بأموالي، اليوم أكملت ثلاثة أيام أجيء و أعود دون أن أحصل على شيء !
غير معقول هذا، لست هنا لأحصل على راتب، أنا هنا لأسحب من مالي الذي أودعته في حسابي !
كيف يقولون أن الحكومة ليس لديها مال ؟
ماذا فعلت بمالي الذي أودعته في مصارفها ؟
أليست لديها مطابع، لماذا لا تطبع النقود و تريحنا من هذا العذاب.
عندها إلتفتت إليه امرأة نحيفة، طويلة بعض الشيء، عيناها شديدتا السوّاد و شعرها بادية عليه آثار صبغة حمراء باردة، تردي سروال جينز أزرق و قميص أبيض مفتوح الأقفال العلويةّ و حذاء بنّي محمرّ بكعب عالي، كانت تقف أمامه، و التي قالت :
الأمر ليس هكذا يا أستاذ ! –
– لست أستاذا، أنا فحّام، أقطع الشجر ثمّ أحوّله فحم…
هممت بالكلام و مخاطبة هذا البرميل المرمي على الأرض، يا لك من مجرم، أتقطع الشجر باعث الأكسيجين، عنوان الحياة و تحوّله لفحم، لأوكسيد قاتل، أنت الوجه الآخر للحكومة، فهي تقطع رواتبنا، تقطع عنّا الحياة و أنت تقطع الشجر، تقطع عنه و عنّا الحياة أيضا، كلاكما عدوّ للحياة.
قبل أن أسمع المرأة و هي تجيبه قائلة :
– أعلم ذلك، و أستاذ تعني وصفا للمخاطب
– دعينا من هذا الكلام الكبير الذي لا أفهمه و لا يفيدني، ماذا تريدين ؟
– لا شيء، فقط أن أبيّن لك
– تبيّني لي ماذا ؟
– أن الحكومة لا يمكنها أن تطبع الأموال هكذا، كما تريد !
– طبيعي أن تقولي مثل هذا الكلام، فأنت إبنة الحكومة، أكيد أنّك موظفة، لا شك في ذلك و لهذا أنت تدافعي عنها أما أنا و أمثالي فلا أحد يفكر فينا، فأبناء الكلب مثلي يجب عليهم العمل ليلا نهارا كآلات ليدفعوا نهاية كل شهر الضرائب للحكومة التي تقدمها كرواتب لأمثالك.
– أنا لست إبنة الحكومة، أنا إبنة هذا الشعب، و الرواتب التي نقبضها نظير ما نقدمه لك و لأمثالك
إرتفع صوت الفحّام أكثر فدارت نحوه كلّ الرّقاب، و عيون الواقفين و الجالسين أصبحت ترقبه و تنتظر ما سيقول.
– هه إبنة الشعب، لم أكن أعلم أن الشعب مترف لهذا الحد، ألم تنظري لنفسك في المرآة ؟ هل تشبهين هذه الوجوه الكالحة، إلتفتي إليهم، أنظري لا تخافي لن يعضّك أحد. قالها و هو يفتح فمه، مبرزا أسنانه و قد صدر عنه صوت أشبه بنباح كلب جائع : هعععععع
ثمّ واصل كلامه،
ثم ما هي الخدمات الجليلة التي تقدميها لأمثالي حتى تتمتعي براتب و انت جالسة في مكتب مكيّف و تحصلي على سيّارة من الحكومة و وصولات الوقود و تذاكر المطاعم و و و…
– ماذا تقصد يا هذا ؟
– أقصد أنّه يجب عليكم التوقّف عن العيش في فروة جلودنا كالقراد، يا موظّفي الحكومة
– آفف، أنا مخطئة من البداية، كيف أقبل الحديث مع جاهل كهذا
قالتها همسا، بل تمتمة و أشاحت بوجهها عنه.
حاول الفحّام الوقوف، دفع برجله اليمنى للأمام و رمى بكل ثقله فوقها لعلّ ركبته تسعفه بحمل مرفقيه العريضين إلى أن إستطاع ذلك بعد عناء و جرجرته كصفّارة قطار فحم حجري، تظاهرت بأني غير مهتمّ بما يحصل مخافة أن يمسكني و يطفئ فورة غضبه في وجهي ظنا منه أني إبن للحكومة أيضا، اللّعنة على هذه الحكومة التي لم نر منها سوى المتاعب.
عاد النقاش من جديد بينه و بين المرأة، إحتدّ أكثر هذه المرّة فتركتهما في جدالهما الذي كثر و تشعّب لمواضيع لا تكاد تجد لها معنى أو مستقرا ثم أدرت رأسي للخلف قليلا محاولا إستراق لحظة دون ألم في غفلة من ذاك الإنزلاق الذي يبدو أنّه سينهيني قبل أن أبدأ، اللّعنة على الأسقام كم هي جبانة.
المرض يشبه الحكومة، كلاهما جبان لا يواجهانك مباشرة، فهما يتخفيّان و يبدآن في حياكة الآلام لسرقة ما جمعته في وقت عافيتك.
إستمتعت بلحظة منعشة مع إستدارة رقبتي و أنا أستمع لطقطقتها فتناهي لسمعي حديث خافت ورائي لإمرأة أربعينيّة كانت تمسك بهاتف جوال و قد وضعت سلكين أسودين متصلين به في أذنيها الذين تدلى منهما قرطان من الذهب يتوسط كل منهما جوهرة خضراء براقة، و هي تهمس برفق لمخاطبتها، إذ كانت تحدثها عن مشاكلها مع زوجها و عدم إهتمامه بها و لامبالاته التي لا حد لها :
– تخيّلي يا نوّارة كنت أنتظر يوم السبت بفارغ الصبر علّه يطفئ ما بالجاش، إذ كنت أجد له العذر وسط الأسبوع مقدرّة ضغط العمل و الإرهاق، فكنت أستيقظ منذ الصباح فأذهب لحمام « عين السلطان » و أنتظر منوبية بنت لحمر لتقوم بغسلي، فقد كانت يداها كفيلتين بجعل كل قطعة لحم في جسد المرأة مشتهاة لوحدها ثم أتوجه لسامية الحلاقة التي كانت تقوم معي بالواجب، تضع لي أفخم ما عندها من مساحيق و عطورات لتزييني حتى أنّي حين أمر بمقهى ” حصّاد ” في طريق عودتي للبيت تنبعث التنهيدات من صدور الرجال كإعصار مدمّر يكاد يعصف بأضلعها المتهدمة من آثار التدخين و قد كنت أشعر بمئات العيون تلاحقني و تطلق سهام إعجابها نحوي، لكنّ عينيه الوحيدتان اللتان كانتا لا ترى ما تراه العيون، لقد أعمى القمار و الخمر بصيرته إذ كان ينظر و لا يرى، يعود متأخرا من سهراته فيجدني بإنتظاره لكنه دائما متعب، غائب في وجوده، أحاول مداعبته فيمتنع و يتعلل كل مرة بسبب جديد حتى أني شككت في أنه ربما يكون مسحورا فبدأت رحلة طواف على العرافات و العرافين ثم ما لبثت أن قلت ربما يعاني عجزا جنسيا فأقترحت عليه أن نزور طبيبا لكنه رفض رفضا شديدا و قال لي أنا « صح ستار »، إذن إن كان كلامه صحيحا فما به يا نوارة ؟
زفرت زفرة سمع صداها في أرجاء القاعة رغم الضجيج و كاد الحماس يدفعني لأجيبها قبل نوارة لكن صوت ذلك الرجل الذي يقف أمامي و هو يزمجر في وجه أحدهم عفس على أصابع يده اليسرى، قطع عليّ لحظة النشوة تلك و لو لا ضعف حيلتي لصفعت خده المكتنز ليتعلم السكوت في لحظات منعشة كتلك.
تركت تلك الفاتنة مع نوارة و ذاك البدين، بعد أن جلبت إنتباهي مجموعة من النساء و الرجال بَدَؤُوا بالتجمهر أمام باب مكتب صغير من الجهة اليمنى للصف الذي كنت فيه، حيث علا صياحهم و هم ينكرون على الموظف الجالس خلف مكتبه، بأنه قام بإستقبال إحداهن رغم أنها كانت في آخر الصف فقلت في نفسي الحمد لله أن صفنا لازال محافظا على نظامه رغم أعوجاجه، و مع كثرة الضجيج خرج المتّهم ثم قال لهم :
– ألم يخبركم عون الإستقبال أن منظومة الإعلامية معطلة ؟
فأجابه أحدهم :
– و ما دخلنا نحن في المنظومة ؟ لقد تعودنا منذ زمن بأن ملاليمنا تأتي في أكياس ثم توزع علينا بعد ان يقدم كل منا قصاصته
– هذا لم يعد معمول به
– منذ متى ؟
– منذ اليوم
– و من إتخذ القرار
– من فوق
– و لكنكم لم تخبرونا
– ها أنا أخبركم الآن بأنكم أصبحتم تابعين للمنظومة و يسري عليكم ما يسري على الآخرين و بالتالي عليكم الإنتظار.
حينها تكلمت إحدى النساء التي يبدو من خلال ملامحها أن الفقر تمكن منها و فعل فيها فعله، قائلة :
– و لكننا رأيناك تقدم للمرأة الجالسة في مكتبك مبلغا من المال نقدا
– إنها حالة خاصة و هي آخر من إستفادت من النظام القديم، و الآن عليكم التراجع للخلف و الإستواء في الصف ثم الإنتظار و إلاّ سأغلق المكتب.
تراجع هؤلاء المنتظرين على مضض و هم يكادون يتفجرون من الغبن الذّي شعروا به، إلى أن مرّ بجانبي أحد الذين كان واقفا معهم ثم خرج مغتاظا لا يروم البقاء و هو يسب و يلعن، فسألته عن حالهم فأخبرني أنهم مكفولون من طرف جمعية أجنبية في إطار برنامج لمكافحة التسول وقعته الحكومة مع هذه الأخيرة التي تتكفل كل شهر بدفع مبلغ زهيد من المال على أن يصرف نصفه للمستفيد و ربعه للحكومة و الربع الأخير للبنك الذي قبل بأن يكون منسق المشروع، ثم سألته و ما بال تلك المرأة التي تجلس مع الموظف فأخبرني بأنها صديقته و أنه هو من دعاها لأن تتدعي بأنها متسولة حين زار الوفد الأجنبي الممثل للجمعية حيّ «الخرار» لمعاينته و الوقوف على ظاهرة التسول التي وسم بها بإعتبار أن أغلب سكانه يعملون كمتسولين، ثم أضاف، لقد كان الحي يسمى قديما حي « الخرار » لكن درجت تسميته بحيّ « الخرا » لذلك سعت الحكومة لتغيير هذا الإسم بتركيز لافتة كبيرة في مدخله كتب عليها حيّ « الديمقراطية »، قال لنا مسؤول الحزب الذي زارنا وقتها صحبة جيش من مرتزقته بعد أن قام بعض الفتية بالتغوّط في أكياس من البلاستيك ورشق اللافتة بها، بأن تلك اللافتة تكلفت على المجموعة الوطنية خمس مائة ألف دينار و بأنها مكسب عظيم للحي سيساهم بلا شك في رفع تلك الصورة السلبية عنه و كلام كثير لم أعد أذكره لأنه حين كان يتكلم قام أحد الحاضرين « بالتعفيط » له فحاول أعوانه ضرب الرجل فأشتبكوا مع اهل الحي الذين تفوقوا عليهم لو لا تدخل قوات الأمن التي بلغ بها الأمر لإستعمال الرصاص المطاطي، و كان المشهد عظيما لأن أهالي الحيّ إستطاعوا تهشيم سيّارة رئيس مركز الشرطة، كما أنّ أحدهم نجح في شجّ رأس مسؤول الحزب بحجر…و إستطرد الفتي في حديثه المليء بفخر المنتصر في معركة عادلة.
إلى أن سألته أيضا و انت ماذا تفعل معهم ؟
فقاطعتني تلك الكتلة من اللحم الواقفة أمامي،
– ما بك يا رجل ؟ ألا تنتهي أسئلتك ؟ أترك الفتى يخرج هكذا نرتاح من خلقته
تركت الفتى يذهب ثم سكت و لم أنبس ببنت شفة.
مضى الوقت، فعمّ الصمت و دبّ القلق أكثر في نفوس المنتظرين و لا يبدو أنه هناك حل في الأفق، و ما أزّم الوضع أكثر أن اليوم يوم جمعة، فالدوام ينتهي الساعة الواحدة و هو آخر أيام العمل الأسبوعي أيضا و بينما نحن على تلك الحالة الضبابيّة، خرج لنا من أحد المكاتب رجل قصير القامة عرفت بعدها أنّه مدير البنك، سحب نظّاراته الطبيّة من جيبه و ألقى بها فوق أرنبة أنفه ثم أخذ ورقة من جيبه، مدّها و بدأ يقرأ ما فيها :
أيّها السادة و السيّدات،
– على الجميع المغادرة بعد أن يحصل كل الموجودين على أرقام يمكن بمقتضاها العودة يوم الإثنين للحصول على المال لأن وقت صلاة الجمعة قد حان و وقت غلق البنك لأبوابه قد حان أيضا فالساعة تشير للواحدة و النصف، نحن آسفون، وبنكنا دائما في خدمتكم و معا نحو غد أفضل.
عندها جنّ جنون الجميع و لم يبقى في القاعة عاقل سواي و المرأتين، الجميلة التي تقف خلفي و النحيفة التي تقف أمام البدين، ثم إنتبهت للأخير و قد أزبد و أرعد في الكلام قائلا لمدير البنك،
– لا صلاة و لا هم يحزنون، منذ متى و أنتم تصلون ؟ لن يخرج أحد من هنا قبل أن نحصل على اموالنا، نريد مسؤولا في الحكومة نتحدّث معه.
ثم سانده جمع غفير من الناس، نعم ، إيه، هذا هو، معك حق، نريد مسؤولا !
و لم أشعر إلا و الأيدي تتدافعني كريشة تلاعبت بها الريح في يوم عاصف، فبين يد تسحبني من معطفي و أخرى تدفعني من خلف و ثالثة تفتح لي الطريق، و أنا أتألّم من شدّة الوجع، وجدت نفسي أمام مدير البنك و قد تجمّع خلفي كلّ من كان بالبنك و يد الرجل الضخم تضغط على كتفي و قد أنشب أصابعه المشققة في عظامي و هو يقول :
– منذ الآن نحن معتصمون هنا، وهذا الأستاذ هو الناطق الرسمي بإسمنا.
فعلت صيحات التكبير، و الدعوات لوحدة الصف و نبذ الفرقة و الهتاف بحياة العمال المسحوقين.

*كاتب تونسي

2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق