ثقافة المقال

الخضر عليه السلام (آيات نبوته ومعجزاته)

الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض*

ونبوة الخضر عليه السلام والأدلة عليها ، اختلف عليها وفيها السلف الصالح ، والتابعين ، وقد يمضي هذا الإختلاف إلى قيام الساعة .فقد قال فريق من السلف الصالح بولايته ، وأن ما أجراه الله تعالى على يديه هو من كرامات الأولياء ، وليست معجزات الأنبياء ، ولهم في ذلك الأدلة والشواهد على ما ذهبوا إليه ، فمن تلك الشواهد والأدلة على ذلك :

1- لم يرد في القرآن الكريم صريحا بنبوته ، فلم يصرح القرآن بذلك .
2- الأنبياء والرسل عليهم السلام ، ذكروا في القرآن الكريم ، وفي سور مختلفة ، تدل على نبوتهم .
3- لم يرد في حديث صحيح صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنبوة الخضر عليه السلام .
4- أكثر الأحاديث التي تثني عليه لنبوته أحاديث ضعيفة ، ولاتقوم بها الحجة ، كما ذهب ابن الجوزي في كتابه عجالة النظر في حالة الخضر .
5- ذهب عدد من السلف الصالح إلى عدم نبوة الخضر عليه السلام ، بل هو ولي من الأولياء أجرى الله تعالى على يديه الكرامات .
لكن الْأَدِلَّة على نبوة الْخضر – عَلَيْهِ السَّلَام -: إِذا تَأمل الْقَارِي فِي أَمر الْخضر، لوجد أَدِلَّة عديدة من الْكتاب وَالسّنة على نبوته.من الْكتاب: يدل سِيَاق قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى – عَلَيْهِمَا السَّلَام – الْوَارِدَة فِي سُورَة الْكَهْف من الْقُرْآن الْكَرِيم، على نبوته من وُجُوه: قَوْله تَعَالَى: (فوجدا عبدا من عبادنَا، آتيناه رَحْمَة من عندنَا، وعلمناه من لدنا علما) .
ذكر الآلوسي فِي تَفْسِير (رَحْمَة من عندنَا) ثَلَاثَة أَقْوَال، أَشَارَ إِلَى تضعيفها كلهَا. ثمَّ قَالَ: ” وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا الْوَحْي والنبوة، وَقد أطلقت على ذَلِك فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن، وَأخرج ذَلِك ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس … . والمنصور مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وشواهده من الْآيَات وَالْأَخْبَار كَثِيرَة، بمجموعها يكَاد يحصل الْيَقِين “.قَول مُوسَى لَهُ: (هَل أتبعك على أَن تعلمني مِمَّا علمت رشدا، قَالَ: إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا، وَكَيف تصبر على مالم تحط بِهِ خَبرا، قَالَ: ستجدني إِن شَاءَ الله صَابِرًا، وَلَا أعصي لَك أمرا، قَالَ: فَإِن اتبعتني فَلَا تسالني عَن شَيْء حَتَّى أحدث لَك مِنْهُ ذكرا) فَلَو كَانَ وليا وَلَيْسَ بِنَبِي، لم يخاطبه مُوسَى بِهَذِهِ المخاطبة، وَلم يرد على مُوسَى هَذَا الرَّد، بل مُوسَى إِنَّمَا سَأَلَ صحبته لينال مَا عِنْده من الْعلم الَّذِي اختصه الله بِهِ دونه، فَلَو كَانَ غير نَبِي لم يكن مَعْصُوما، وَلم تكن لمُوسَى وَهُوَ نَبِي عَظِيم وَرَسُول كريم وَاجِب الْعِصْمَة كَبِير رَغْبَة وَلَا عَظِيم طلبة فِي علم ولي غير وَاجِب الْعِصْمَة. . إِن الْخضر أقدم على قتل ذَلِك الْغُلَام. وَمَا ذَلِك إِلَّا للوحي إِلَيْهِ من الله عز وَجل: وَهَذَا دَلِيل مُسْتَقل على نبوته، وبرهان ظَاهر على عصمته، لِأَن الْوَلِيّ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قتل النُّفُوس بِمُجَرَّد مَا يلقِي فِي خلده، لِأَن خاطره لَيْسَ بِوَاجِب الْعِصْمَة، إِذْ يجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ بالِاتِّفَاقِ. لما فسر الْخضر تَأْوِيل تِلْكَ الأفاعيل لمُوسَى، ووضح لَهُ عَن حَقِيقَة أمره قَالَ بعد ذَلِك كُله: (رَحْمَة من رَبك وَمَا فعلته عَن أَمْرِي) .
يَعْنِي مَا فعلته من تِلْقَاء نَفسِي، بل أمرت بِهِ، وأوحي الي فِيهِ. قَالَ الله عز وَجل: (عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا، إِلَّا منارتضى من رَسُول) . وَقد دلّت قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى أَنه كَانَ مظْهرا على الْغَيْب، وَلَيْسَ ذَلِك لأحد من الْأَوْلِيَاء.من السّنة:
1 – قَوْله صلى الله عليه وسلم -: ” وددت أَن مُوسَى صَبر؛ حَتَّى يقص علينا من أَمرهمَا “.فِي تمني النَّبِي صلى الله عليه وسلم – هَذَا للاطلاع على مَا يَقع بَينهمَا، دَلِيل على أَن الْخضر كَانَ موحى إِلَيْهِ، وَلَو لم يكن كَذَلِك لما جَازَ هَذَا التَّمَنِّي بِأَن ينْتَظر النَّبِي أمرا غير موحى من إِنْسَان غير موحى إِلَيْهِ.

2 – تَأْوِيل الْخضر – عَلَيْهِ السَّلَام – فِي قتل الْغُلَام كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: ” وَأما الْغُلَام فطبع يَوْم طبع كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قد عطفا عَلَيْهِ، فَلَو أَنه أدْرك أرهقهما طغيانا وَكفرا. فأردنا أَن يبدلهما ربهما خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما “.وَزَاد فِي رِوَايَة: ” وَوَقع أَبوهُ على أمه، فَحملت فَولدت مِنْهُ خيرا مِنْهُ زَكَاة وَأقرب رحما “.
إخْبَاره – عَلَيْهِ السَّلَام – أَن الْغُلَام طبع كَافِرًا وَأَن أَبَاهُ وَقع على أمه فَحملت وَولدت خيرا مِنْهُ لَهو من الْأُمُور الغيبية الْمَحْضَة الَّتِي لَا مجَال للاطلاع عَلَيْهَا إِلَّا من طَرِيق النُّبُوَّة وَالْوَحي. فَذَلِك من أقوى الْأَدِلَّة على أَنه كَانَ نَبيا،إِن لم يكن رَسُولا.

3 – وَمن ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم -: ” لما لقى مُوسَى الْخضر عَلَيْهِمَا السَّلَام، جَاءَ طير فَألْقى منقاره فِي المَاء. فَقَالَ الْخضر لمُوسَى: تَدْرِي مَا يَقُول هَذَا الطير؟ قَالَ: وَمَا يَقُول؟ قَالَ: يَقُول: مَا علمك وَعلم مُوسَى فِي علم الله إِلَّا كَمَا أَخذ منقاري من المَاء؟
فَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْخضر قد علم منطق الطير، وَهُوَ من الْغَيْب الَّذِي لَا يُعلمهُ الْبشر فَهُوَ فِي هَذَا على نَحْو النَّبِي سُلَيْمَان – عَلَيْهِ السَّلَام – الَّذِي حكى الله عَنهُ فِي الْقُرْآن: (يَا أَيهَا النَّاس علمنَا منطق الطير) .

4 – حَدِيث أبي ابْن كَعْب الَّذِي ورد فِيهِ ” بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلأ من بني اسرائيل إِذْ جَاءَهُ رجل، فَقَالَ: هَل تعلم أحدا أعلم مِنْك؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأوحى الله إِلَى مُوسَى: بلَى، عَبدنَا خضر {
إِن دلّ تَخْصِيص الله عز وَجل بِتِلْكَ الْأُمُور الغيبية بالخضر دون مُوسَى – عَلَيْهِمَا السَّلَام – مَعَ أَنه من أولي الْعَزْم من الرُّسُل فَإِنَّمَا يدل على نبوة الْخضر، وَيُؤَيِّدهُ سِيَاق هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ الله عز وَجل ” بلَى عَبدنَا خضر} “. وَالله تَعَالَى أعلم .

ونخلص في هذا المبحث :

أن الخضر عليه السلام نبي من أنبياء الله عز وجل ، وأن من آياته ومعجزاته ما ورد في قصته مع نبي الله وكليمه موسى عليه السلام :

1- قول الله تعالى عنه وفيه : ( فوجدا عبدا من عبادنا ) والعبودية منزلة عظيمة عند الله تعالى لا يبلغها إلا من أختارها الله ، فهي هبة ومنحة ودرجة وشرف لا يصله إلا من أكرمه الله تعالى بها .
2- قول الله تعالى عنه وفيه : ( آتيناه رحمة من عندنا ) ، قال تعالى : ( آتيناه ) وهي عطاء من قبل الله تعالى ، و ( رحمة من عندنا ) ، هي النبوة .
3- قول الله تعالى عنه وفيه : ( وعلمناه من لدنا علما ) وهو العلم الذي منحه الله تعالى لنبيه الخضر عليه السلام ، وهو العلم اللدني العلم الحقيقي .
4- إصرار نبي الله موسى عليه السلام على مصاحبة نبي الله الخضر عليه السلام والتعلم منه رغم الصعوبات والتحديات .
5- خرق السفينة ثم التفسير بعد ذلك أنها لمساكين يعملون في البحر ، وأن وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ، وذلك من تعليم الله له .
6- قتله للغلام ، والإخبار بأن أبويه مؤمنين ، فأمره الله تعالى بقتل هذه لما يترتب عليه من كفر ه وكفر الوالدين ، وأن الله تعالى سيخلف لهما خيرا منه .
7- قوله عليه السلام في نهاية الرحلة والتفسير : ( وما فعلته عن أمري ، ذلك تأويل من لم تسطع عليه صبرا ).
8- سبب تسميته الخضر عليه السلام ، كما ورد في الحديث كما مر سابقاً ، أنه جلس فروة إلا أخضرت .روى الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ) .
أي أن الأدلة على نبوته ومعجزاته ظاهرة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن كتاب الله عز وجل نرى ذلك جليا وكذلك من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

الدكتور / سالم بن رزيق بن عوض ـــ جدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق