ثقافة السرد

رقصة

جلال احمد الشيباني

ليس أجمل من رقصة نعبر بها عن عنفوان اللحظة وسيطرتها على نفوسنا البشرية التي تتوق الى الاستمتاع بكل تفاصيل جمالها . أحاول وبكل التجليات نقل تلك اللحظات المدهشة في طبيعتنا كبشر وتحويلها الى كلمات معبرة أستطيع من خلالها تفسير تلك اللحظات التي تمر في حياتنا وتجعلنا نرقص من شدة الفرح او حتى أحيانا من شدة الحزن الذي يتراكم في دواخلنا كلما طال الزمن بنا وأستطال .
من خلال فيديو مرسل لي من أحد اصدقائي بقيت اتابع رقصة قروية هزتني وهيجت اشجاني وذكرياتي عن الرقص وتلك اللحظة التي يقضيها الانسان في ساعة توحد خيالية مع الذات وتساءلت في داخلي ماهو الشعور الخاص الذي يمكن الراقصين من امتلاك تلك اللحظة بكل تجلياتها وعنفوانها .
تذكرت امي وهي تؤدي رقصة الرزين (الشرح) يوم عرسي وهي في حالة انتشاء انساني نادر يقطر وردا وفرح ويخلق جوا من البهجة العارمة في ارجاء المكان وبين اوساط الجميع ، لا شئ يضاهي تلك اللحظات التي يقضيها الانسان في رسم لوحة تعبيرية يخرج بها عن اطار المألوف من حياته وحياة الرتابة التي يعتادها ليعيش لحظاتها متخففا من أثقال الحياة وأوزارها ليغسل روحه وينعشها بالرقص ليعيد ترميم بقايا طبيعة بشرية تعشق الفن وتعشق حالة التعبير عنه من خلال الرقص ، اشتقت كثيرا لقريتي وفي لحظة ما استعدت ذكريات قديمة رقصنا فيها رجالا ونساء حتى وصلنا الى حالة الانتشاء الانساني الكامل التي يغتسل فيها الروح من الاوجاع التي يعيشها ويعاني منها ليعود بعدها بروح جديدة مغسولا بماء الحياة ورونقها الباهي حدالبياض والنقاء .
شدتني لوحة للفنان (هاشم علي) لشخصين يؤديان رقصة البرع في لحظة فارقة من لحظات حركة الكون ، لا احد يستطيع نقل تقنيات تلك اللحظة بكل تفاصيلها ودهشتها وروعتها الا ريشة مثل ريشة الفنان (هاشم علي ) .
شاهدت ايضا (في لقطات منفردة) الرفيقان عبد الفتاح اسماعيل وعلي ناصر عنتر وهما يرقصان متحللين من اثقال السياسة وأحمالها في لحظة إنسانية شديدة التركيز لتجعل من الرقص حالة تعبيرية اية في الجمال والرمزية والروعة .
لحظات الزهو التي يعيشها الانسان وهو يتمايل متوحدا بخيال جامح وممسكا بتلابيب المكان والزمان هي لوحة انسانية صعبة القياس ولا يستشف تعبيراتها الا فنان قادر على التقاط روح.العنفوان التي تتشكل داخل الجسد المسكون بدهشة تلك اللحظة ونشوتها وروحها ايضا .
قبل فترة طويلة ارسل لى احد الاصدقاء فيديو لرقصة الفنان محمدحمود الحارثي مع الفنانة تقية الطويلية وغناء الفنان علي بن علي السمه نقلتني الى عالم اخر من عوالم جنون الفن وتجلياته ، لهذه اللحظة قيمتها ورسالتها التي تعبر عن العنفوان وسمو تعبيراته التي تسلب الروح وتخلق الدهشة داخل انفسنا المتعبة ، اتكلم انا عن الرقصة من بابها الراقي ومرموزها الفني البهي الذي يمنح الجميع سعادة اللحظة وروحها الخلاق .
لكل شعوب الأرض رقصاتها التي تعبر عنها وتعطيها عنوانها الواضح والبارز ، وبلادنا على تنوعها لها اكثر من تعبير في هذا الجانب فمن خلال رقصة البرع التي يؤديها الرجال مشهرين اسلحتهم (الجنابي) كحالة تعبيرية عن الاستعداد والجهوزية للقتال والحرب بعيدا عن المرأة التي هي جزء اصيل من لحظات الفرح الانساني الجميل لإكتمال مشهد اللوحة الدالة على الخصوبة والنماء بعكس مناطق السواحل عدن وأبين ولحح وحضرموت والحديدة وتعز .
لا استطيع ان اتخيل متعة الرقص بدون المرأة في الحياة .
اعتقد انها تمثل مشهد اكتمال صورة الحياة بكل تفاصيلها .
هذه قناعتي انا !!!
تمثل الرقصات التي تجمع الرجال والنساء لوحة تعبيرية ترسم الفرح الأنساني في كل مكان وتمنح اللحظة كل اسرارها وتؤكد رقصات الشرح التي يؤديها الرجل مع المرأة لتخلق حالة تعبيرية خلاقة وتعبيرات الجسد وتمايله التي تغسل الأرواح.
مازلت اتذكر رقصة سيدة المشاقر الأستاذة اروى عبده عثمان يوم أن كانت وزيرة للثقافة لترسم لوحة جميلة من لوحات الحياة متخلصة من كل اعباء وبرتوكلات الوظيفة ومترتباتها التي تخلق مزاجا عكرا للشخص وتجعل منه شخص مختلف ومتكلف وبعيدا عن بساطة الأنسان
لكن سيدة المشاقر تعرف كيف تختار اللحظة لتتخلص من هذه الأحمال لتعبر عن بساطتها وروحها الخلاق دون اي تعقيدات .
كل حركة في هذا الكون هي عبارة عن رقصة جميلة تمنح البشر سر من اسرارها وتجددها الانساني البديع والخلاق .
بعد كل هذا :
مارسوا الحياة على طبيعتها متخلصين من كل أعباءها وحمولاتها التي انهكت حياتنا المتعبة اصلا
وياحامل الأثقال خففها شوى .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق