الموقع

أفق حركة الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل

بقلم علي بدوان

مرت ثلاثة أسابيع على ولادة حركة الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل، وتوجت قبل أيام بخروج أكثر من ثلاثمائة ألف متظاهر إلى الشوارع في تل أبيب ومدن مختلفة داخل فلسطين المحتلة عام 1948، منها الخضيرة ونتانيا والقدس.. مطالبين بـ«العدالة الاجتماعية»، في هبة كبيرة تلامس في ملامحها الثورات الاجتماعية التي هبت على بعض البلدان العربية في الفترات الأخيرة. وقد شكّلت حركات الاحتجاج الاجتماعي الجارية في إسرائيل، نقلة نوعية في مسار التحولات المتوقعة داخل دولة وكيان بني بشكل قسري، وبتكوينات إثنية وقومية متباعدة، لم تستطع أن تنهي الفوارق بينها الأيديولوجية الصهيونية التي حاولت صناعة قالب واحد لتك المجموعات السكانية، التي جاءت من تلك الإثنيات والقوميات المختلفة ومن أصقاع المعمورة.

وكان من المنطقي أن يذهب الكثيرون الآن للقول بأن تلك التحولات والحراكات الاجتماعية الجارية داخل إسرائيل، تأثرت بشكل أو بآخر بأجواء ومناخات ما جرى ويجري في بعض بلداننا العربية من ثورات وحراكات، بأنماطها وفعالياتها من ناحية الشعارات المرفوعة ذات الطبيعة المطلبية المباشرة، والمتعلقة بأحوال الناس وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية، حيث كان عنوانها الأساسي هو المطالب الاجتماعية الاقتصادية للناس، قبل أن تكون مطالب سياسية مباشرة أو غير مباشرة.

وبالطبع، هناك فوارق هائلة عند الحديث عن حراكات تجري في البلدان العربية تحت سقف المطالب الاجتماعية والاقتصادية، مضافاً إليها بشكل رئيسي وأساسي، المطالب السياسية والبحث عن الحرية والديمقراطية، وبين ما يجري في إسرائيل الآن من حراكات وتحولات ما زالت بعيدة عن المضمون المتعلق بالعناوين السياسية.

فإسرائيل بالفعل هي دولة استثنائية في المنطقة، واستثنائيتها لا تعني فرادتها بالقوة مثلاً أو الاقتصاد، أو بوجود حياة مؤسساتية ديمقراطية ووجود تداول ديمقراطي حقيقي للسلطة، بقدر ما يعني أن هناك مجموعة من الخصائص «الفريدة» التي تميز تلك الدولة، التي ولدت بشكل غير طبيعي أساساً، وبقرار دولي هو قرار التقسيم (181) لعام 1947، مما يجعل إمكانية حدوث تحولات ثورية هائلة داخلها من نمط «الانقلاب» على تلك الأيديولوجيا الصهيونية التي وضعت الأساس التبريري لقيام تلك الدولة داخل أوساط يهود العالم وبنت مداميكها عليها، أمراً صعباً وبعيد المنال في الوقت الراهن وفي المدايات المنظورة على الأقل.

إن الصهيونية والفكرة التي حملتها والتي تحالفت مع الغرب الاستعماري، وتوافقت معه على قيام إسرائيل فوق أرض فلسطين التاريخية، هي وحدها التي استطاعت جذب يهود العالم نحو دولة اسمها إسرائيل، وبالتالي فإن نسف الفكرة من أساسها يعني في جملة ما يعنيه، نسف المسوغ التبريري المقرر لقيام إسرائيل في أوساط يهود الدولة العبرية ويهود العالم.

في هذا السياق، فإن مسار الأحداث في إسرائيل يدل، في جانب منه، على وجود سعي من قبل قادة حركة الاحتجاج لتوظيف نجاحهم في الشارع اليهودي داخل إسرائيل، من أجل تعزيز الهجوم على حكومة نتنياهو، من منطلقات حزبية لها علاقة بالاصطفافات الحاصلة داخل الخريطة الحزبية الإسرائيلية.ويلحظ أن نتنياهو وحكومته يتجنبان المواجهة المباشرة مع حركة الاحتجاج الاجتماعي، بل خاطبها بلهجة تصالحية عبر ترحيبه «بالدليل على حيوية الديمقراطية الإسرائيلية».

معتبراً أن تلك الاحتجاجات تحمل «سمة أصيلة»، وعاملاً على احتوائها متذرعاً بالأزمة المالية العالمية، في مواجهة مطالب الحركة بوقف الخصخصة والحد من الضرائب غير المباشرة، وإطلاق برنامج شامل للمساكن بأسعار مقبولة، والتعليم المجاني ابتداءً من سن صغيرة، وزيادة الإنفاق الاجتماعي، وإجراء تخفيضات كبيرة في ميزانية الاستيطان وميزانية الحرب، ومطالبها بالحصول على عشرين أو ثلاثين مليار شيكل (أربعة إلى ستة مليارات يورو) ضرورية لتمويل الإصلاحات الاجتماعية.

ويمكن القول إن من الأسباب الكامنة وراء الحركة الاحتجاجية التي تفاقمت سريعاً داخل إسرائيل، يأتي السبب الأول من اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، إضافة لوجود هوة متزايدة بين المجموعات الإثنية المشكلة للدولة العبرية، وتحديداً بين اليهود من مختلف القوميات التي انحدروا منها أساساً.

فاليهود الروس على سبيل المثال، يرون أنفسهم في ضائقة مستمرة اقتصادياً واجتماعياً، بينما يرتع اليهود ذوو الأصول من غرب أوروبا والولايات المتحدة، في نعيم من الامتيازات التي خلقتها شروط المعيشة داخل إسرائيل.

فقد وصل يهود الغرب والولايات المتحدة في موجات الهجرات الاستيطانية إلى فلسطين المحتلة، في لحظات مغايرة للزمن الذي وصل فيه يهود روسيا والاتحاد السوفييتي السابق بعد تفكك الإمبراطورية السوفييتية، معتقدين بأن الرفاه الاجتماعي ينتظرهم في إسرائيل، ليجدوا أنفسهم وقد باتوا في قاع المجتمع إلى جانب «يهود الفلاشا» الذين أتوا من وسط القارة الإفريقية، من إثيوبيا وغيرها.

عدا عن ذلك، فإن العرب الفلسطينيين، من أصحاب الوطن الأصليين، الذين بقوا داخل فلسطين المحتلة عام النكبة، باتوا يشكلون بدورهم قوة كبرى لا يمكن الاستهانة بها، بعد أن وصلت أعدادهم قرابة ربع سكان الدولة، فهم بالتالي قوة مقررة يحسب لها حساب من الآن فصاعداً، في ميدان الحضور والمطالبة بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في مواجهة سياسة التمييز القومي والطبقي وسياسة «الأسرلة» التي مورست في حقهم طوال العقود الماضية.

ومن هنا، فإن قوة الجماهير العربية الفلسطينية داخل إسرائيل باتت قوة مقررة، ومشاركتهم في حركات الاحتجاج الاجتماعي لها أثر كبير على التحولات الجارية داخل الدولة العبرية، حتى لو كانت تحركات على مستويات مسقوفة بحدود معينة، وتحت الشعارات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.

إن الحراكات الجارية في إسرائيل، والتي تديرها وتؤطرها أربعون منظمة اجتماعية مهمة، ذات مدلولات ومؤشرات قطعية تشي بمستقبل هذه الدولة المسماة إسرائيل. فالتناقضات الخافية في بنية وتركيب إسرائيل وقاعها الاجتماعي، وحتى في بنيتها الفوقية، هائلة ومقدر لها أن تتسع كل يوم، مضافاً إليها الأسئلة الصعبة التي باتت تقض مضاجع النخب الإسرائيلية، والمتعلقة بانسداد أفق التسوية في ظل التعنت الإسرائيلي المسنود أميركياً، والبعيد عن التوازن والعدالة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق