ثقافة المقال

تجاربٌ معاصرة: نسويَّة الفنّ البديل

ندى عبد الحافظ

(1)
الصناعة الموسيقية المُصَوَّرة صناعة نشأت من معاصرة التحول الذي شهده الغرب في التكنولوجيا مع وجود ضرورة رأسمالية لصناعة ثقافة استهلاكية، أَخَذَ حضور المرأة داخل حيز الفن ذو الضرورة الاستهلاكية شكلاً استعراضيَّاً، ليس فقط في الأعمال الغنائية، بل جرى تقديمها كذلك في السينما والمسرح بصورة تتراوح بين تكريس صورةٍ نمطيةٍ لها، تلك التي بُنِيَ بها النسق الذكوري، أو حضورٍ استفزازيٍّ لتلك الصورة عبر خلق تصور مغاير لها، ما أدى إلى اختزالها داخل جسدٍ يتم توظيفه بأشكالٍ شتى بعيداً عن آدميتها وعقليتها.
المرأة كائن ذو أبعادٍ مترامية في الزمان والمكان، لا يمكن حصرها داخل إطار ثقافي أو هوية محددة، ولكن رغم ذلك يتم تقديمها دائماً داخل الأعمال الفنية بتصوّرٍ بعيدٍ كل البعد عن واقعيتها، تقديمٌ يصنع عند المتلقي مقاربات وصور مصدرة عنها مقرونة إما بتصور مثاليٍّ أو متدنٍّ/بذيء لها، كحضورها داخل العمل الغنائي المصور الذي كان ولا زال يُعد ضرباً من الجرأة والتمرد.
(2)
وبالرغم عن أن تواجد المرأة داخل الإطار الفني ليس سوى حاجة ورغبة ذاتية منها في التعبير عن نفسها وعن ما تشاركه بقية النساء وما تتشاركه مع المجتمع ككل، إلا أنه لا يتم الاعتراف بها كشخصٍ مبدعٍ خلاَّق قادر على تقديم أعمالٍ مبتكرة خارج الإطار الاستعراضي، مما يساهم في ترسيخ الاعتقاد في أذهان المستهلك أن المرأة إذا خرجت لفضاء الفن العام فإنها تخرج لتستعرض فقط.
كل ذلك يجعل المرأة في العمل الفني مجرد طيف خيال لرؤية المخرج أو نص الكاتب أو ثقافة المستهلك، حيث الصورة المحددة لها هي عنصر البيع للمنتج الفني، وحيثما التزم العمل بتصدير تلك الصورة فإن الفن يبيع. لكن رغم سيطرة طابع هذه الثقافة على الصناعة الموسيقية وضعف قدرة المنخرطين فيها على تخطي الكثير من العراقيل التي تواجه حرية المرأة، إلا أن دينامية حركة المرأة اجتماعياً وثقافياً وحقوقياً تعدت مناداتها للتحرر وحدود مساواتها بالرجل وحقوقها في العمل إلى حقها في التعبير الذاتي عن نفسها بكل حرية وبشتى الطرق المتاحة، وحتى ابتداع طرقٍ خاصةٍ بها، مما فتح لها أبواباً وخيارات للتعبير عن ذاتها، وكان الفنُّ البديل مدخلٌ لتجارب كثيرة مختلفة.
(3)
الفن البديل أو المستقل هو ساحة فنية تكفل الحرية الكاملة لكلِّ فنانٍ لتقديم تصوراته الخاصة ورؤيته الفنية بعيداً عن توجهات الثقافة الاستهلاكية؛ فنٌّ يُعبِّر عن شعبوية غير مُحفَّزة بالرأسمال، يخوض في الحقوق المسكوت عنها والخطاب المُجرّم واللغة المحجوبة عن وسائل الإعلام العامة. دخول المرأة في هذا الفن كصانعة يُعدُّ مراهنةً على استشكال علاقةٍ جديدةٍ لها بالمجتمع وبالتابو، وشروع في المطالبة بحقها في استعادة لفظها وذاتها داخل اللغة؛ حقها في الوجود وحقها في الاختلاف، حقها في دحض الثقافة الاستهلاكية لصورتها ومشاعرها، وإثبات وجهة نظرها هي لا السيناريو المكتوب عنها.
محلياً لم تكن لدينا صناعة موسيقية ذات تأثير لتحصر المرأة داخل الحيز الاستعراضي الاستهلاكي، رغم ملازمة صورة التدنّي لكل التجارب النسائية داخل الصناعة الموسيقية، ولم يتم تجنب استهلاك المرأة نتيجة إرادة اجتماعية أو وعيٍ حقوقيّ بل لإرادة سياسية رَفَضَت كل ما هو غربي وغير محليّ، وحاربت الحداثة الغربية لأجل المشاريع الإسلامية. وبما أنني لست بصدد الحديث عن تضاد هذه المشاريع وناتجها الثقافي مع الحقوق والحريات التي تُساهم في تطور وتقدم المجتمع، يكفي القول إن هذا قد قاد إلى حدوث تعارضٍ بين الحداثة والتقليد، وهذا ما صاغ إشكاليات مختلفة للتجارب الفنية المعاصرة؛ إشكاليةٌ في اللغة المستخدمة للتعبير عن الذات وفي الطابع الثقافي للفنّ المُقَدَّم الذي يتطور من ثقافات غير أصيلة بشكل كليّ.
انطلاقاً من إشكالية الهوية والحداثة، اخترتُ ثلاثة أعمال موسيقية مصورة لثلاث نساء متدفقات الموهبة شاركن أعمالهنَّ المستقلة في الشهر السابق، كان لهذا الإصدار المتزامن أثرٌ محفّزٌ جداً لقراءة الأعمال ومقاربتها وتحليلها، لكن هناك دوافع أقوى وراء الحديث عن الأعمال الفنية. لَفَتَ انتباهي في الأعمال الثلاثة صورة واحدة متكرّرة للمرأة في الثلاثة أعمال، رغم أن فريق إنتاج كلّ عملٍ يختلف بنسبة 80% عن الفريق الآخر، وكل عملٍ هو رؤية مختلفة تماماً عن رؤية العمل الآخر.
(4)
قدمت لنا rival هبة الجزولي عملها، Thorne نادين الروبي وسلمك باركفيك لمها جعفر بتراتبية زمن الصدور. بدءً لا يمكن اعتبار هذه الأعمال غير نسوية وإن كانت لا تصبّ في هذا الشأن مباشرةً أو غير موجهة لهذا الغرض، لأنه، وبكل بساطة، وسط إنتاج الأغنية النسائية التقليدية ولغتها التي تأخذ في الاعتبار النسق الذكوري، وتُبجّله في بعض الأحيان؛ يأتي هذا الحراك الذي يَستَخدم الثورة على النمط كوسيلة لتحرير المرأة من عباءة الصناعة الموسيقية، فتواجه به المرأة تراكم الرقابات التي تُسيِّج المتخيل الجمعي، فتتحدث بطلاقة 

عن مشاعرها ورغباتها الخاصة وذاتية مواقفها داخل علاقاتها لتكسر هذا المحظور الذي يمنعها من أن يكون لها فلسفة أو موقف.

(أ) عمل هبة الجزولي: (رايفل)
هبة الجزولي، فنانة شابة تكتب وتؤلف الموسيقى لأغنياتها، (رايفل) أغنية بكلمات مُوجِزة جداً ولحن عذب وصورة رائعة، مخرجة العمل أختها مي الجزولي فنانة بديعة بصورة مستقلة، لذا فالعمل إبداع نسائي، يَظهَر العمل في شكل مجموعة من البورتريهات التي تُصوِّر هبة في كل لقطة بملامح مختلفة بكادر مختلف لتبدو كأنها مجموعة من النساء وليست واحدة، تتميز كل صورة بملامح من الثقافة تقليدية التي تقف الحداثة عاجزة أمامها. يشتغل العمل على توليفة بين الجسد مع الفراغ من حوله ومزج للملابس التقليدية مع الأدوات الموظفة داخل الصورة.
تكثر الفراغات في الصور التي تظهر فيها ساكنة، كما تقوم بحركة محدودة جداً في بعض الصور كأن تدقّ على الفندق أو تفتح يدها للوَرد، تتواجد أيضاً داخل لقطتين مع مجموعة من نساء ساكنات لا يتحرَّكن أبداً، بينما في لقطةٍ واحدة ترقص وحيدة مزينة شعرها بكرات وردية في وسط الصحراء التي انتقلت لها كأنها تحتفل بخلاصها.
صورة النساء المجتمعات تبدو عكس الصور التي تم تقديم هبة فيها، رغم أنها امتداد لصورها الفردية؛ فالروح الواحدة التي تظهر بأشكال مختلفة، تظهر الآن مع أرواح مختلفة بشكل متطابق، ربما هي دلالة على أن هذه التشابه يُخفي داخله ما هو أكثر من أن يُرى شكلياً.

 

ب- عمل نادين الروبي: (Thorne)
عمل نادين مختلف تماماً، لا ترى فيه هذه الملامح المتجذرة في الثقافة التقليدية، بل ترى الروح المعاصرة للشباب أو الشابات. الأغنية تتحدث عن الإحساس بانعدام الثقة في الذات والتخبط التي تدفع الإنسان للتقليل من شأنه أو اعتبار نفسه غير جدير بما يملك. بصورةٍ شخصية، أنا من أكبر المعجبين بنادين ولغتها لقدرتها على صياغة المشاعر المعقَّدة بصورة بسيطة جداً وجمالية عالية.
العمل من رؤية وإخراج محمد السماني، شاب صغير جداً ذو موهبة فذة، يُقدِّم نادين في المواضع التي يكون فيها المرء أكثر حساسية من غيرها؛ ففي أغلب المشاهد نراها في حوض الاستحمام تتذكر أو تُغرِق نفسها، أو جالسة على الأرض في غرفة فارغة أو مع تلفاز قديم دلالة على بعض الحداثة. تظهر في معظم العمل لوحدها أيضاً إلا بعض المشاهد التي تشاركها فيها نساء “أصدقاءها” وحبيبها داخل سياق العمل. النساء داخل العمل يميّزهن التباين الكبير بينهم، وبين خيارات كل واحدة منهنَّ في شكل الظهور ونوع اللبس وطريقة الظهور، وكما أخبرتني صاحبة العمل أن كل هذا كان متروكاً تماماً لخياراتهم الشخصية رغبةً منها في عكس صورة طبيعية غير مُوجَّهة للمشاركات في العمل، كما أن مشاركة كلّ واحدةٍ منهنَّ كانت ذات قيمة خاصة لأنهنَّ جميعاً فنانات بمجالات متعددة.
لمعاصرة العمل مع الوقت الحالي عكست خيارات الملابس الذوق السائد عند الشباب مع بعض اللمسة المحلية، استخدمت نادين تصاميم الفنانة رفاء كما قامت بالإضاءة على أعمالها الفنية المرسومة في القطع بتجسيدها أدائياً داخل العمل.

ج- عمل مها جعفر: (سَلِّمَك بَارِكفِيك)
العمل الثالث (سلمك باركفيك) يقع ضمن حملة تعريف عن الهوية من قبل سفراء منصة يوتيوب؛ حملة تهدف إلى تقليل الفوارق والاختلافات بين الناس عبر تحفيز التقديم والتعريف عن جميع أنواع الثقافات. مها جعفر، بمشاركة بعض الفنانين السودانين، قدموا العمل عبر إضاءات على مفردات شفويَّة ومفردات بصرية تُمَثِّل بعض الثقافة الشعبية والتقاليد التي تجمعها هويتنا كسودانيين.
العمل من إخراج إدريسي صاحب منصة (المصطبة)، وأحد أبرز مؤسسي المشاريع الفنية الشبابية، قدم مها في صورة المرأة النشيطة المتحركة المتنقلة في وبين الأماكن والتي ترقص في المساحات العامة، صورة حديثة جداً وتكسر التابو الذي يفرض على البنت الوقار. تتواجد وحيدة أحياناً وحول مجموعة من الشباب ومع المغني المشارك فليبتر وترقص مع العازف نيجيري، مع وجود مشهد ساكن في مقدمة العمل مع مجموعة من النساء.
اختيارات الأزياء كانت مُتفَرِّدة، من الثوب التقليدي إلى السترة الرياضية المصصمة بأقمشة تقليدية. الصورة التي قدمتها مها هي الصورة الأكثر حيوية بين الثلاثة أعمال، ليس لتفوقها عليهم بل لأن العمل استوجب هذه الحيوية، رغم أن نفس العمل قدم نفس الصورة المكررة للنساء كبقية الأعمال: ساكنة.
هذا التشابه بين رؤية الأعمال الثلاثة -على اختلافهم- والذي لا يمكن إغفاله أثار استغرابي جداً، وفَرَض أسئلة مهمة: كيف يمكن التحايل على المحظور التابو لإبراز صورة طبيعية وعفوية للمرأة السودانية الشابة المعاصرة داخل العمل الغنائي المصور؟.
(5)
من المتوقع دائماً -حتى خارج أي عمل فني- أن تحافظ المرأة على صورة مُكَمِّمة لذاتها ورغباتها حتى تقع ضمن إطار النموذج الجيد والمحترم للنساء، كما يجب عليها ضبط حركة جسدها وإخفاءه كالجوهرة الثمينة. الخلل في هذه العقلية أنها تقود إلى اعتبار أن قيمة جسد المرأة تقل كلما زاد عدد الأشخاص الذين يرونه أو يحيطون به، في حين أنه ليس لقيمة المرأة أو القدرة على تقديرها علاقة بطريقة تقديمها لجسدها، ولا يؤدي تحديد قيمة المرأة بناءً على جسدها إلا إلى ستخدام أدائيته كمُتَغَيِّر لتحديد درجة فسادها أو نقائها، لذا لا يتم تصور المرأة الجيدة خارج هذا الإطار الساكن، وتلتصق صفة التدني على المرأة التي تُحرِّك جسدها بحرية.
بسبب هذا الوصم للهيئة الأنثوية هناك حاجة إلى أمثلة نسائية فخورة تظهر بطبيعيتها وتلقائيتها أمام النساء الأخريات لتخبرهنَّ أنه بإمكانهن فعل ذلك أيضاً دون قلق، حتى تتعطل التصورات الضارة عن أجساد النساء؛ فحضور الحركة التلقائية للجسد الأنثوي يكسر الحاجز الذي تسجن فيه آدمية المرأة ويغير النظرة حولها وحول دورها وإمكانياتها وقدراتها.
(6)
قدَّمت الأعمال الثلاثة نموذجاً رائعاً لذاتية كل فنانة رغم أنه مجال صعب جداً وتجاربهم بداية لهذا الطريق، لكن عند النظر للصورة المصنوعة للمرأة في تجارب الآخرين يمكننا إيجاد مُبرِّر لصياغة الرجل لشكلٍ معيَّن للوجود النسائي، لكن ستكون معضلةً كبيرةً إذا غابت فاعلية المرأة في الأعمال التي تصنعها بنفسها. وحتى لا يؤخذ عن هذا الحديث أن الأعمال الثلاثة لم تقدم صورةً ناضجةً للمرأة، لقد تناولت هذه النماذج لأنها أعمال إبداعية أعطت للمرأة محتوىً دلاليَّاً متميزاً بمقاربات تدعوها إلى نقل وجودها من الجهل للمعرفة، ومن الخمول للحركة، ومن السلبية للمشاركة. أعمال تُساهم في تحريرها من الأحكام المحيطة بها وتفتح باباً أمام تجارب جديدة لنساء أخريات، لكن لي تمنياتي خاصة في المستقبل، أن تتحدث المرأة وتبرز كل ما يتعلق بفكرها، رغباتها وجسدها، بكل صراحة على حدٍّ سواء وبدون أخذٍ في الاعتبار هذه النظرات الاجتماعية التي توصمها، والأهم أن لا تقف أبداً موقف الحياد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق