ثقافة السرد

يحدث في سورية الآن

هشام بن الشاوي*

كالعادة، تطول مدة تبضعي، حين أختار دكان محمد، ذلك البقال العربي، الذي يتقمص دور الفقيه أحيانا، ودائما أجده  يقص الكيف بسكين خلسة  تحت المنضدة، وسبق أن تباهى بماضيه في الصعلكة إبان  تواجده بفرنسا.. بينما أحرص على أن يكون تعاملي مع البقال الأمازيغي عاديّا جدا، بسبب مزاحه البذيء مع بعض زبائنه، فإن تزامن حضوري مع وجود معاونه حسن، لا أفوت الفرصة للمزاح معه، وهو يوزع ابتساماته هنا وهناك، في حضور الفتيات والخادمات، وأسأله  في خبث : “لم لا تبتسم في وجهي؟”، تتسع ابتسامته،  يغرق في ارتباكه، ولا ينبس بكلمة..

 

لامني البقال الفقيه لأنني تجاهلته عند مروري من أمام دكانه بالأمس، إذ لم أرغب أن يكون هناك أي جسر تواصل بيني وبين أحدهم.. فعاتبني : “السلام لله”، وشرع  يحدثني عن معنى “السلام عليكم”، وعدد الحسنات  وأجر من يرد تحية الإسلام كاملة، وهو يقص  نبات الكيف المجفف. وفطنت إلى  سرّ إصرار بعض  جيراننا الملتحين على إلقاء التحية عليّ، حتى لو لم أكن أرد عليهم، ولا ألتفت إليهم.. فكرت في عدد الحسنات، التي سأحصدها، وأنا في طريقي.. لا سيما إن قمت بإلقاء التحية على امرأة، واعترض سبيلي زوجها أو أخوها أو ابنها.. !!

لم أجادله؛ فألم ضرسي كان يعصر كل قطرة دم في عروقي. هذا الألم جعل  توازن كل شيء يختل، ونومي صار متقطعا، ولم أعد أحتمل أي ضجيج، وسكان البيت المجاور المؤقتين يعتبرون  الصخب وسيلة للتعبير عن فرحهم بالحياة.. وبالصيف. كيف أحس بهذا الصيف وأنا أمقته، وقد أفعل مثل “بالوما”* في روايتي :  (قيلولة أحد خريفي)، حين لعن يوم الأحد قائلا : “لعن الله من اخترع العطل ” ؟

لأول مرة، لم أنتبه  لفصل الربيع، لم أتنزه يوما واحدا، بل – منذ سنوات- لا أتذكر أنني رأيت فراشة أو أزهارا برية. هذه السنة، وعلى الرغم  من عدم اهتمامي بالسياسة، فاندلاع الثورات  قلب كل الموازين.. إنه عام الإحباط والكآبة بامتياز !

هكذا، وجدتني أفكر في هذه الحياة وجدواها، وأحس بالألم حين أرى كل هذه المباهج المسفوحة…

كنت أعرف أن مدة تبضعي ستطول عند محمد. اختلست نظرة إلى الشاشة الصغيرة، وحدثني عن الرئيس اليمني، الذي  شاء الله تعالى أن يعذبه في الدنيا قبل الآخرة، إذ لم يمنحه شرف الشهيد، المقتول غدرا.. رفعت عيناي إلى شاشة التلفزيون، حيث لا أشاهد قناة الجزيرة إلا حين أقصد دكانه.. لأنني لم أعد أتحمل متابعة تلك الفظاعات، وكانت القناة تعرض مشاهد تفضح جرائم زبانية بشار الأسد**..

وقف إلى جانبي شاب مراهق، اعتدت رؤيته  مرابطا أمام شباك جارتنا المهجرية مع صديقه.. ليلا. رمقته بازدراء فصيح، حدقت في لحيته الدقيقة، والتي تسمى بــ”خط النمل”، حيث يشكل الزغب ما يشبه صف نمل فوق خديه وذقنه، تذكرت حين غادرت البيت، في اتجاه محطة القطار، فرأيته وصديقه ما زالا متشبثين ببركة الشباك المقدس، والشمس تدغدغ سكون الصباح الصيفي. وعقدت الدهشة لسان البقال حين سأله الدون جوان، وهو يرفع بصره إلى  الشاشة،  كمن  يرى  تلك المناظر لأول مرة : “أين يحدث هذا؟!”.

——————

Palouma يستحسن قراءتها هكذا *

** كتبت  مسودة هذه القصة، قبل أن  يقصف الطاغية  المواطنين العزل بالدبابات

*كاتب مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق