ثقافة المقال

“قضايا الشّكل والمضمون في المسرح الفلسطيني”

في إطار ((مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.. (الجزء, 2)

طرح: رجاء بكريّة

“..فليس من واجبِ المسرح توثيق مرجعيّات المضامين بقدر ما هو مُلزَم بتفنين أبعادِها، وهو يعني استشفاف الإستثنائي ليس في طروحات النّص بل حركَتِهِ وصُوَرهِ، وأعني غرابة واختلاف صوتِها وإيقاعِها المضموني وإعادة صياغتها كنصٍّ
يغامر في الغريبِ النّادر والمُفاجىء”

.. وإذ أسوقُ مسرحيّة “بياض العينين” أستذكر بذات الحماس وأكثر مسرحيديّة “رقصتي مع أبي” لذات المخرج، وهي حكاية ساحرة لطفل مُعاق يفقد سنده الوحيد في الحياة، والده، فيعيش على ذاكرة الماضي ومشاهدها المؤثّرة. بكري ذاتهُ الّذي خذلنا في عرضه المُتقدِّم لمهرجان فلسطين الوطني الأوّل، حيثُ بثّ فيها من فلسفتهِ الفكريّة وتجربتهِ الفنيّة ما لا يمكن اختصاره بسطرين في تأويل عالم نصّ مركّب من أصول غير عربيّة.

(مشهد من مسرحيّة رقصتي مع أبي، سلمى خشيبون)
يُعتبر هذا النّموذج المسرحي، بمستوله الشّكلاني مُرادفا نوعيّا للتّعبير الحركي الرّاقص، البانتو-ميم حتّى لحظة ارتفاع صخب المونولوج الصّوتي للبطلة، إذ يحلّق بكري ويخلق فضاءات أشدّ اتّساعا من الكلمة ومسافات المونولوج بتداخل نبراتهِ. مونولوج لا تملّ مضامينهُ مهما طال على لسان البطلة سلمى خشيبون. لا نبالغ حين نضيف أنّ شفافيّة المعالجة الحذرة مكّنتهُ من إفراغ النّص من تركيبتهِ الغريبة حينَ يترجم للعربيّة ويُسقِط مُعيقات وصولهِ إلى المتلقّي، وأعني أنّه أحال اللّغة إلى مادّة جماليّة بحتة طيّعة على لسان البطلة، وزاوج بين الحركة والموسيقى التّصويريّة حتّى خيّل إلينا أنّنا نتموّجُ مع الحركة واللّحن معا. نوع من الإشباع الحسّي المثير للجدل حين يأخذنا إلى كلّ مكان ويعيدنا إليه بذات اللّهفة والعطش.
إذا، “رقصتي مع أبي” تشكّل نموذجا حيّا لتجانس دافىء بين شكل ومضمون مطوّر عن الأصل لغة فكرة، حركة وإيقاعا، حتّى تجاوُزِهِ، وسط مراعاة لافتة لإضاءة مشبعة بمشاعر نصّها، بل أنّها تجاوزتها من حيث بُعدِها التّخييلي. بديهيّا إذا، في عمل تجاوز إيقاِعه الشّكلي مضمونه أن يعيد رقصتهُ أرحب جاذبيّة وحضورا ويظلَّ على دهشةِ حُضورهِ الأولى.
4) فاصلة أخرى
فهل أضافت مسرحيّة “العاجزون” للرّاحل رياض مصاروة مقارنة مع سواها لرصيد التّجديد في الأشكال المسرحيّة لغة شكليّة جديدة حين تحاور مضامينها؟
للإجابة على سؤال كهذا علينا أن نتذكّر أن حجر الزّاوية لمسرحيّة الرّاحل رياض مصاروة سنة 05 الّتي أشرَف على إخراجها بنفسه يتلخّص بمفهوم العجز ببعديه السّياسي والجسدي، وغالبا يتمخّض البعد الثّاني عن الأوّل، كفلسفة مفروضة على النّص برؤيته الذّاتيّة.
لقد قدّم فكرته على اعتبار أن مرجعيّات العجز السّياسي الفلسطيني جنسيّة، فالنّموذج الّذي عرض إليه يقدّم مجموعة رجال بمرجعيّات سياسيّة مشوّهة ومتفاوتة، وللإيضاح فإنّ الكاتب والمخرج مصاروة يعزو حالة العجز الجنسي للعجز السّياسي، على اعتبار أنّ العقم السّياسي حالة فلسطينيّة مستشرية في الرّجولة، فهل أمكن للشّكل المسرحي الّذي توزّع بين دوائر غير مكتملة لحوارات متلاحقة بين امرأة واحدة مثيرة وسط رجال أن يُشبعَ المضمون الفكري ويحقّقَ طموحاته؟
باعتقادنا، تَلاحُق وتيرة المجابهات ضمن حلقات متداخلة أغنت الشّكل الدرامي المضموني لحدّ بعيد فأنشأت لها منطقا خاصّا في التّداخل الصّوتي، وهو أحد الأشكال المتفرّدة لمصاروة، إثارة الحوار بين مساحتيّ العرض والصّالة عن بعد وبدون تدخّل الجمهور ولو أراد، ولكنّه ظلّ مُحرَّضاً بسببِ خروجِ الدّوائر مجزّءة وناقصة، لم يعوّضها ابتكارا لافتا لأشكال الأداء، كأنّ تواطؤا جرى بين المخرج والمضمون لاحتكار بُعدَين في بُعد واحد. والإجابة ظلّت في حضن الجمهور الّذي تخبّط مع دوائر المواجهة من بعيد.
ستنقلنا العاجزون” مباشرة لشكل مسرحي اخر لمسرح الحكواتي لسنة 05. في مركزه مسرحيّة “جداريّة” فلسطينيّة صافية، بإشراف إخراجي لأمير زعبي. وإعداد خليفة ناطور، كنموذج استثنائي لشكل مسرحي تجريبي بعينيّ بما أنّنا نتحدّث عن نص شعري لشاعر استثنائي هو محمود درويش. نصّ يجرؤ على المغامرة بإيقاعٍ عالي النّبض.

(مشهد من مسرحيّة جداريّة، عن جداريّة محمود درويش)
علينا أن نتذكّر، أنّ هذا النّوع من النّصوص يستدعي استعدادا نفسيّا لدى المشرف على إخراجه وإيقاعا صوتيّا خافت الوتيرة، يصغي خلاله بحِرفيّة بالغة لعلاقة النّبرة الحسيّة المتداخلة بإيقاع اللّحن الخارجي للنّص. ذلك لأنّ الشّعر أٍساسا مغامرة من نوع آخر في التّجربة الإخراجيّة، ولا بدّ أن تفرض مسرحيّة “أذكر” للرّاحل شكيب جهشان حضورها على المشهد حين نتناول عرضاً شعريّاً، مع اختلاف مرجعي المُعالَجة. بدا واضحا آنذاك أنّ مرجعيّات النّص الغنائيّة أملت لحدّ بعيد الشّكل الإخراجي الرّاقص الّذي اختير لعمل “أذكُرُ”، وبدا أنّ لشاعر النصّ في جداريّة أثرا بعيدا على سياستهِ الإخراجيّة. على المستويين التّعبيري-حسّي ارتبط العمل مضمونا وإخراجا بظروف كتابته أيضا، حيث رقد درويش في المستشفى، وهذا ما لا أعتبرهُ تحديدا لصالح العمل بأيّ حال، أو أنّ السّياسة الإخراجيّة أخطأت حين حرصت على التّرجمة الذّاتية لهذا النّص الشّعري.
فالشّكل الإخراجي للنّص في علاقتهِ بالمضامين الأخرى، بعينيّ، لم يلبِّ تطلّعاتهِ الحسيّة تحديدا، إيقاعا وصوتا. فليس من واجبِ المسرح توثيق مرجعيّات المضامين بقدر ما هو مُلزَم بتفنين أبعادِها، وهو يعني استشفاف الإستثنائي ليس في طروحات النّص بل حركَتِهِ وصُوَرهِ، وأعني غرابة واختلاف صوتِها وإيقاعِها المضموني وإعادة صياغتها كنصٍّ يُغامر في الغريبِ النّادر والمُفاجىء. بطبيعة الحال لن نهمل بعض نتف تفرّقت على طول العمل حرصا من المخرج والمشرف على السّينوغرافيا على جوهر السّيرة الذّاتيّة. فهل كنّا بحاجة لخلق لغة بمستوى آخر تدمج الشّكل الإخراجي بالحوارين الباطني (المونولوج) والخارجي ( الدّيالوج) على نحو يثري التّجربة الحياتيّة للنّص، أم إلى سينوغرافيا من نوع آخر تأخذ من السّيرة مادّة تُغني التصوّر البديل للطّابع الذّاتي؟ هذا، على اعتبار أنّ الفكرتين مشتقّتين من سيرة درويش الذّاتيّة.
ووسط الإضاءة العالية واللّغة الحسيّة الزّخِمة لشعر استحال إلى أغانٍ، لم أعثر على الخيط الحسّي الشّفاف لدرويش مع السّرير الّذي تغنّى أمام جمهور الهدف بخيالاتهِ. للمخيّلة بعينيّ تشظّيات أخرى تخرج من شفافيّة المخرج ذاتهَ. لا تأتي إليه بل تخرج منه تلقائيّا لتثري النّص وتَصِلُهُ بعوالَمِه. في جداريّة قدّم مسرح الحكواتي شكلا مسرحيّا ثرّ الحركة باهر الأضواء والدّيكور، بعيد الأثر، لكنّ علاقته بالمضمون بدت شحيحة، أعزوها شخصيّا لتأخّر إيقاعات أصول المضامين الدّاخليّة في الوصول. نحنُ نتوقّع في نصٍّ كهذا تَصَدُّر الشّكل لدرجة تغييب أبعاد النّص الأصلي، والإستعاضة عنه بظلّه التّخييلي من منطلق تجريبي بحت، كما سبق وذيّلنا، لنشوء أبعاد لمخيّلة فضفاضة. ومهما اختلفت الرّؤية الإخراجيّة عن الأخرى المضمونيّة فإنّها تظلّ مشدودة في أصولها إليه، وإذا عجزَت عن تجاوز أبعادهِ النصيّة بهدف إضاءة جماليّاتها الماورائيّة فلا نعتقد أنّها تحتاج مسرحا يُؤدّيها، لأنّ الأداء الفنّي تفاصيل، ومغامرة فكريّة جاهزة لقلب المعايير، يعرفه معروفة في قاموس الحالة المسرحيّة.
هي على الأقل رؤيتي الشّخصيّة في هذه العلاقة المركّبة بين عالمين يتفاوضان بشراسة على حقّ الواحد في التفوّق على الآخر في قلب الهدف.
ورغم ما أسلفناهُ فقد منح الإسم الحار لدرويش في الثّقافة العالميّة حضورا غير مسبوق لمسرحيّة “جداريّة” إذ مثّلت المسرح الفلسطيني في المسرح الأجنبي والعربي معا، وعلى نطاق واسع، وهو إنجاز يستحقّ أن نحتفي بأثَرِهِ لكن ليس على حساب نصوص الأسماء الجاهزة الّتي لنا، والمذاق الإخراجي الّتي لها. والواضح فعلا أنّ التّجربة المسرحيّة للمسرح الفلسطيني تحتاج المزيد من المغامرة في مناحيها الشّكليّة الحاليّة، بل والفلسفة المضمونيّة. فالمسرح ليس فُرجة مجّانيّة، بل فعلُ سحر يُنتِج حالة استثنائيّة لواقع مُتخيّل كما أشار بنتلي. فهل تمكّنت التّجارب الشّبابيّة الّتي خرجت بأعمال عدّة، وفي ظنّها أنّها تقدّمُ أطُراً شكليّة مُغامِرة أن تَمنح لغة جديدة للمسرح التّجريبي على الأقل؟
للآن، لم أشهد مضمونا يتجاوز ما تابعناهُ، حتّى لحظات عرض (مسرح الحريّة_جنين) في مهرجان المسرح الفلسطيني الأوّل، “مروِّح على فلسطين”. بإمكانيّات بسيطة مصدرها لغة الجسد تجاوزوا الفِتنة المَشهديّة بكثير. والجدير ذكرهُ أنّ التّجارب الشّبابيّة ظلّت تُعَوّل على المُجابهات الفكريّة في معظمها بادّعاء غياب الميزانيّات، مع العلم أنّ المسرح الذّهني أثبت فشل حضوره بمعزل عن شكل يثوّرُ معانيه. حتّى التّجارب المونودراميّة (مسرح المونودراما) بات ومنذ سنوات يستسهل الخوض في نصوص مُغامِرة، ويعتقدُ معتنقوهُ أنّ فنّ الصّراخ أو القفز، المونولوج الطّويل أو الدّيكور الفوضوي مصحوبا بنبرة حالمة سيغفر مثلا لضحالتهِ.
لكن, ما نُدركهُ جيّدا أنّ المسرح باختلاف مسمّياته يحتاجُ إعادة نظر في العثور على نصوصهِ أو إعدادها. وأنّ الشّكل المسرحي الّذي يخصّنا يجب أن يستفيد من الأشكال الأوبراليّة مثلا، والتّجريبيّة، والمتداخلة. وباعتقادنا، تكاثف كلّ هذا الفراغ وسط غياب الأداء الإستثنائي في معظم العروض يشكّلُ خطرا نوعيّا علينا تَدارُكَهُ، وحتما علينا ألاّ نُعوّل على أشكال التّعبير الغنائي كركيزة، لحشد الضّحالة بالامتلاء.
حيفا، 26 سبتمبر،018

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق