قراءات ودراسات

قراءة في قصيدة “رقصٌ على شفةِ العطشِ” للشّاعر صالح أحمد كناعنة

 بقلم أ. محمود ريّان

بدايةً رأيت أن أتعرّض لقصيدة من قصائد الشّاعر أحمد صالح، وقد نشرها في صحيفة المركز آنذاك، ولا نريد أن نتعرّض لشخصيّة الشّاعر كونه معروفًا على السّاحة الأدبيّة وأغنى المكتبة العربيّة بكثير من الإبداع والإنتاج الشّعريّ بشكل خاصّ، فاسمه مُجلجل عندنا في الدّاخل. وإنّما أردنا أن نخوض غمار النّصّ هنا، بشكل موجز من خلال رؤية تحليليّة للجماليّة والدّلالة.
• العنوانُ أوّلًا، “رقص على شفة العطش”، يحملنا إلى قراءات مختلفة في ظلّ تعدّد القراءات وفق المدارس الأدبيّة المعاصرة، ولا نريد تتبّع العنوان نظريًّا، كون ذلك خاض فيه الباحثون والنقّاد مرارًا، وإنّما العنوان هو النّصّ موجزًا، يحمل بطيّاته لُبّ النّصّ من حيث المعنى والمضمون لا شكلًا. فالعنوان هو البوّابة لولوج مدلول القصيدة، وعندنا العنوان موزون، على تفعيلة بحر الكامل. ولا يَخفى ما للوزن من تأثير على أُذن القارئ أو السّامع، العاديّ وغير العاديّ. العنوان مورَّى ولا يمكن الوصول إلى دلالته بوصفه رمزيّ تأويليّ مجازيّ. فالرّقص يكون على شيء جميل خصب، أو ما يؤرّق النّفس ويحملها على التّعبير عن جوّانيّتها بصدق وحبور بعيد عن التكلّف. لو نظرنا إلى التّعبير “شفة العطش” ففيه انزياح دلاليّ مجازيّ، فقد جعل للعطش شفةً فاستعار الشّفة والّتي هي من خواصّ الإنسان ليحمّلها للعطش. ولماذا العطش؟ لأنّه الدّافع والمُعوّل عليه عند النّقص والتحوّل إلى إيجاد ما نبحث عنه من الطّينة الآدميّة والرّوح البشريّة الهاربة من مسامات الجسد. فالعنوان برأيي المعادل الموضوعيّ objective correlative، لكلّ ما يبحث عنه الإنسان في مجاهيل النّفس ومسارب الحياة ووجود البشريّة والحياة المتلوّنة…

صالح أحمد كناعة

• القصيدة مركّبة من خمسة مقاطع، في كلّ مقطع يُصيغ نشدانه في الحياة. وهو عطش لكلّ ما يُعيد للإنسان كرامته وإنسانيّته الممتهنة بسبب ما يُحيق بنا من مضايقات وتحديد الحريّات عبْرَ القوانين الصّارمة الّتي تقهر الإنسان وتجعله يجري وراء رغباته. وهو في منأى عن تحقيقها بالشّكل الّذي يرجوه، فتتسامى الأفكار وتتبخّر الحاجات الضروريّة الفكريّة والرّوحيّة، بين الواقع المعيش ودوّامة الاغتراب الاجتماعي والثّقافي، وامتهان واقعيّة الفرد وجدانًا ووجوديًّا…
• في بداية القصيدة يصدح الشّاعر بأنّه يبحث عن الصّدر الّذي أمّل أن يمتصّ صمته؛ فالشّاعر يضيق ذرعًا بما يكتنفه من هواجس وأفكار تؤرّقه ولا يستطيع إخراجها للآخرين، ويبدو سيحاول أن يقهر الصّمت باتّجاه التّصريح وفضحه على المستوى الإنسانيّ والأيديولوجيّ. يريد أن يعانق أغنية الرّبيع؛ ففي هذا الغناء تنفيس عمّا يعتور داخله من هموم وهواجس دفينة ينوء بحملها صدره منذ زمن بعيد… فهو سكن لألاء النّدى ويتكتّم شعورًا وصَهدًا، بمعنى الحرّ الشّديد والاِنفعال اللّامتناهي في داخله المتأجّج.
• إنّ الشاعر في شعريّته يمضي باحثًا عن الحياةِ الّتي تُعيد له مجده وواقعه الباسم، في دائريّة من المعاني المتضادّة والّتي يبثّها في مقاطع القصيدة. فهو يذكر الصّمت في مقابل الغناء، للتّعبير عمّا يختلج صدره ولأنّ الصّمت أبلغ من الكلام عادةً خاصّة حين يقصده الشّاعر لذاته في تعبير طباقيّ أكسومورونيّ؛ ووظيفته في التّعبير عن الحالة الآنيّة الرّاهنة في ظلّ توهّج شديد للخروج من حالته النّفسيّة بالتّعالي على الواقع الصّامت المهين… (الأوكسيمورون-oxymoron/ الإرداف الخُلفيّ= هو تناقض ظاهريّ بين لفظتين في مجالين مختلفين، ينطوي على حقيقة عميقة بقصد إظهارها أو تعبيرًا عن السّخرية، للوصول إلى تأثير بلاغيّ ونفسيّ في القارئ).
• إنّ الشّاعر يصول ويجول في عالم من الرّؤى والوجدان، وتجد أنّه يرتسم التفكّر والنّظرة الفلسفيّة طريقًا ليُسبغ على شعره ميزة خاصّة، تسِمُهُ بين الشّعراء عندنا. هذا ما نلمسه في قراءاتنا لشعره؛ فانظر في المقطع الثّاني يقول: “دهرًا شَهقتُ بلا صدًى، واللّيل يوهمني بمطلع بسمة… أقفو تضاريس المدى، وأعانق التّرحال سرًّا…”.
غير أنّ هذا التنوّع في العبارات الشّعريّة بين الفلسفيّ، الوجدانيّ، الوجوديّ والواقعيّ لا ينقصه الإبداع من حيث استعمال الصّور الشّعريّة الموحية والأخيلة كذلك، فسرعان ما يُلبسك الشّاعر قناعًا، ولا يتركُكَ إلّا وقد صبّ جامَ شاعريّة فيّاضة بالمعاني والصّورة الموحية الّتي تنقلُكَ من عالم الحسّ إلى عالم وجدانيّ فوقيّ، يتأصّل بالمراس وفي متابعة تشكّل هذه الصّور فنراه يقول: “أحتاج أن يجتاحني غيم الصّهيل، يغتال خوفي من ندا الأعماق، من عبق العراء… من رهبة النّفسِ الّتي رقصت على
شفة العطش، وأوتْ إلى سرّ اللّيالي الكالحة”. إذن الشّاعر في معانيه وثيماته النّصّيّة يضرب على وتر الطّلب، وينشد تحقّق أمانيه، وهذا يَبين من خلال الجمل الإنشائيّة الطّلبيّة…يا… يا مطلَب الأشواقِ، يا كينونة الرّعشاتِ بي… نراه يقول: أحتاج أن يجتاحني غيمُ الصّهيل، كمُخلِّصٍ يطلبه الشّاعر لِينقله من حالة الجفاف والجدب الّذي يكوي نفسه الإنسانيّة المُرهفة، فهو يريد غيم الصّهيل؛ ليغتالَ خوفَه من نداء الأعماق؛ هذا لأنّ التخلّص من التصحّر القيميّ والنّفسيّ يحتاج إلى وقت طويل. الشّاعر نراه يلجأ إلى تعابيره المجازيّة ليعطي للصّورة مشهديّةً، تُبرز قصد الشّاعر بوعي وإدراك، ذلك لأنّه يريد اِجتثاث الخوف من الأعماق، من عَبق العَراء، من رهبة النّفس وهي ترقص على شفة العطش.

أ. محمود ريّان

إنّ واقع الشّاعر المأزوم يظهر جليًّا أمامنا في هذا النّصّ المرصود، ولا ينفكّ عبر صوره الممتدّة أن ينقلنا من حالة إلى أخرى على متن الصّورة الشّعريّة الماثلة في القصيدة. فالشّاعر يريد من غيم الصّهيل؛ هذا التّعبير الّذي بإيجازه يحمل شحنات وطاقات فكريّة تُضمِّخ رؤية ونظرة الشّاعر صالح الوجوديّة، هذا التّعبير الميتوسي(Myth) حداثيًّا أو اليوتوبيّ (Utopic) هو المفتاح في القصيدة لكي تتلاشى شفة العطش، فهو يُحيل إلى ثنائيّة الحواسّ المبثوثة في النّصّ… وَلِيُنهي الشّاعر قصيدته، لم يبقَ لي يا حُبُّ إلّا أن أكون… أنا الثّرى وأنا المطر. هنا الشّاعر يدرك حتميّة البقاء، ولا يمكن أن ينبعث الخصب والنّماء إلا من نفسه أوّلًا، إذ لا مندوحةَ من العودة إلى الذّات على الشّاعر أن يبتعد بعدًا ما عن الهمّ الجماعيّ ويلتفت إلى ذاته بعضَ الشّيء… بهذه العودة يتحقّق البقاء الحسّيّ والأرضيّ المتشيّء، وهنا تنتصب الذّات على سائر الموجودات الطّبيعيّة؛ ليكون ذلك في خدمة الشّاعر وانتصاره على الموت عبر الولوج للتّفاؤل المبطّن، مُستدعيًا الحالة الوجدانيّة والوجوديّة معًا، مُقتفيًا أثر من سبقه عندما يدرك أنّه لا مفرّ من البحث عن الارتواء والحياة للخروج من حالة العطش الرمزيّة، عبر جدليّة الموت والحياة، وصراع البقاء والفناء، الوجود والعَدم، البناء والهدم… وهكذا تتشكّل وتتقاطع كلّ مكوّنات القصيدة المعجميّة والدّلاليّة لتؤكّد حالة الجفاف والتّململ خروجًا إلى التمسّك بالبقاء والخصوبة الزّمكانيّة!…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق