الموقع

الفصل 7

تهجير الفلسطينيين من ديارهم، وتشجيع السلطات الأردنية لهم على الإقامة في الأردن، سهل الأمر على أهلي، تهيأت ظروف مواتية لتنفيذ رغبة والدي، اتحدت الضفتان تحت حكم الأشراف، مع ان شرق الأردن على مدى التاريخ العربي أي منذ الفتوحات العربية لم تكن بإدارة مستقلة، بل كانت الأردن وفلسطين يشكلان فلسطين أو الجزء الجنوبي من بلاد الشام، وعبر القرون تعارف الناس على لفظ شرق النهر وغرب النهر، والفترة الوحيدة التي تم فيها فصل الأردن عن فلسطين كانت بين العام 1921 حتى عام 1951 حيث تم في ذلك العام  ضم الباقي من فلسطين للدولة الأردنية، ثم صارت ما تبقى من فلسطين تسمى بالضفة الغربية من الأردن، وكلا الضفتين أصبحتا كجناحي طائر تحت مسمى المملكة الأردنية الهاشمية، وبرغم قرب المسافة بين عاصمتي الشعبين، لكن التواصل والزيارات بين الأهل والأقارب كانت معاناة لايسهل وصفها قبل إعادة توحيدهما، فتحت عيني وأنا أسمع قصة زيارة شقيقين أكبرين لعمتيّ الاثنتين المتزوجتين من أقاربنا في فلسطين، وبرغم ما لاقى أخواي من عناء ومشقة، إلا أنهما كثيراً ما كانا يحمدان الله لأنهما زارا القدس وصليا في المسجد الأقصى المبارك.. وكان كل واحد في الأسرة يصغي لحديث أي منهما حين يعيد أخبار تلك الزيارات، وكان باقي أفراد الأسرة يغبطونهما على زيارة الحرم القدسي والحرم الإبراهيمي في الخليل، وكم دعت والدتي إلى الله أن يسهل لها زيارة القدس قبل موتها، وبعد الاتحاد الاندماجي أصبح ما تبقى من فلسطين جزءا تابعاً للأردن، ثم ازداد تقارب العشائر والأقارب والقبائل في الضفتين أكثر وأكثر، قالت والدتي أنها زوجت اثنتين من شقيقاتي لاثنين من أقاربها في السلط، واثنتين في السعودية، وتمنت أن تتحقق رغبة والدي بزواجي أنا وشقيقتي الأكبر مني لرجلين فلسطينيي الولادة، رحلت والدتي عن الدنيا قبل زواجي من قريبي الفلسطيني زكي، نصيحتها وموافقتها كانت حاسمة ومؤثرة، قالت لي: يبدو أنه شاب مناسب لك يا ابنتي، ثم تركزت عيناي على عيني والدي أسائله رأيه في كلام والدتي، كانت زاويتا فمه الملتويتان إلى الأسفل داخل الإطار المعلق على الجدار لحظتها توحيان باكتئاب وإحباط، لكنني حين دققت النظر، لاحت لي ومضة من بسمة على شفتيه، رأيت عينيه تتحركان قليلاً، تتأمل أرجاء الغرفة والحاضرين، تستقران بعدها في أعماق عيني وقلبي متوافقة مع إحساس والدتي وكلماتها.

لولا طبيعتي العصية على التطبيع والتغير لبدل زكي كل مفاهيمي، وقلب شخصيتي، لكن سبل العيش كانت قاسية علينا كلينا، دخله البسيط ووضعه الاقتصادي عوامل جعلتني أتشبث بطبيعتي التي نشأت عليها وفطرت، وأقولها صريحة بأنني توقعت فشل التجربة، لكن لينه، وطيبة قلبه، وعدم إصراره على أمر ما، وقدرته على امتصاص الصدمات وتجييرها ضد الآخر بالإقناع، وفي الوقت نفسه استعداده للتراجع أو الاعتذار، كانت تعادل مراهنتي على فشل مشروعنا، الريفي الفلسطيني لا يعتذر بتعبيرات الأسف المألوفة، لكنها تصرفاته، لين جانبه وقبوله لما أريد حين أصرّ عليه، وأنا حين أريد شيئاً أو أطلبه لا بد أن يتم (كن فيكون)، ماعدا مخالفة الدين والتقاليد، بل إن تمسكي بالدين بطقوسه وشكلياته، كانت مرتكزي، وهي نقطة ضعف وقوة معاً، مع انني أدركت متأخرة أن بعض التزمت غير المتوافق مع التطور الحضاري ألحق آثاراً سلبية بحياتي لا شك، وربما كان زكي يعتبر هذه النقطة لصالحه، ومن المعارف التي توارثها الناس أنه لو أخطأ الرجل فخطؤه مهما عظم ممكن قبوله وتفهمه في رأي المجتمع، لكن العكس كان للمرأة، وربما ما زال الكثير من ذلك في كل المجتمعات العربية.

ومن دواعي سكوتي على خطة الزواج من زكي أن الحبيب الأحمر الخانع لم يصرح بكلمة ما، أقرأ التيه والشوق في نظراته، ويعرف أنه يسكن هذا القلب، أتلمس حتى الحروف في كلماته الهامسة الرجراجة، وألمس حرجه والأمواج التي تبثها ملامحه حين يزورنا، كنت أنا الذي أقدم القهوة أو الشاي له أو البطيخ أو العنب وبحضور شقيقي شريف، كانت أمي تسندني وتراعي مشاعري قبل وفاتها، أردت أن أتأمل ذلك الحمل الذئب، أو الذئب المستحمل (من مفردة الحمل)، الشك عنصر هام لا يفارق حياتي، قلبي كان متيما بجاذبية ذاك الأشقر وأسميه الأحمر، شعري بني فاتح  منسدل مستقيم غير أجعد، ونعيش في حارة أغلب سكانها من الشركس، ولو تلاحمنا فسيظن كل من رآنا أننا شراكسة، وسيكون أغلب أو بعض من خلفنا على شاكلتنا، وأنا أهوى الشركس وأعجب بإخلاص رجالهم، لكن رجال الشركس أنفسهم لا يفكرون بالزواج من عربية، إلا ما ندر، وبحكم قرابة والدة الأحمر بوالدي، كان الأحمر يصحبها حين تتاح لها فرصة زيارتنا، ويفعلها أحيانا وحده، بحجة علاقته بأخي الأوسط الموظف مع الدولة بمركز ودخل جيد، أحب أن أبقي على اعتقادي أن الأحمر عزيز كان يزورنا من أجلي، وربما كان يحرص على لقاء إخواني كغطاء لتطول زيارته، ويشاركنا طعامنا، عزيز يتغزل بهوايته وغايته وهي الأسفار بالطائرات، فتمّ له ذلك، توسط له شقيقي الأوسط، فأصبح الأحمر مضيفاً مع إحدى شركات الطيران، قطع دراسته الثانوية والتحق بالعمل الذي يعشقه، مع أنه كان في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، وربما لعدم وجود جامعة في الأردن وقتها، وكان أولاد الأسر الغنية وأوائل الطلبة يحصلون على بعثات دراسية خارج الأردن على حساب الدولة، أو يتولى الأثرياء تحمل تكاليف تعليم أبنائهم خارج الأردن، حيث يستطيع الشاب أن يمارس حريته بعيداً عن أهله، ويقابل الكثير من الفتيات سواء في الجامعة أو خارجها، تمنيت لو أن أحداً أكرهني على مواصلة دراستي، والغريب يتمتع عادة بحرية لا يحلم بها في بلدته أو بين أهله، ومن يعلم فربما يفكر العزيز الأحمر عزيز، عزيز؟ أخشى أنه سيزيد (احمراراً أو حمرنة)، ومع هذا كانت جوانحي تضطرب حين يزورنا الأحمر، لا أحظى بالوقوف معه على انفراد أكثر من دقيقة أو دقيقتين في كل مرة، وفي معظم الأوقات لا تتاح لنا حتى تلك الدقيقة، فنكتفي بالجلوس مع إخواني وأخواتي، كل منا يتأمل عيني الآخر، فتلوح غمزة أو إشارة أو بسمة خفية خفيفة، حين ينشغل بالك في أي شيء يا فهيمة لا تعرفين ولا تفكرين بغيره، حتى تصليه أو تقطعي الأمل منه، ولكن ألا يكون ذلك الخيط الرفيع الذي ربطكما هو سبب عدم اتحادكما، خيط القرابة الواهي جعل كلا منكما يأخذ الأمر على انه موضوع وقت، والنبأ الساطع آت، وأنه هو الذي عليه أن يجد طريقه ويصبح قيساً، خاصة أنك فهيمة المطّ التي لا تعبأ بأغلب آراء الناس.

بعد سنوات عشر من زواجي بزكي، فعلها شقيقي الأكبر، مات ولم يكمل الستين من العمر، كان أكولاً كطباع عائلتنا، يحب الأطعمة بدرجة كبيرة، ولا يمكن أن أقول عنه أنه كان شرهاً، فهو عفيف النفس، ولا يظهر جوعه لأحد إن كان خارج منزله، ولو امتد ذلك لأكثر من يوم، بل كان يقضي أكثر من نصف السنة صائماً لله، لكن حاله الميسور جعله يركز همه الأول على الطعام واللباس والعطور، لم يكن يهتم بنوع العطر، فهو إما أن يكون زيتياً من سوق البخارية أو سوق اليمانية أو من المشايخ، أو عطر (ريفدور) أو (سوار دي باريس)، المهم أنه فعلها فأدخل موته  الغم والهم إلى قلوبنا، وخاصة نحن أخواته، وبغيابه المفاجئ افتقدت أسرتنا وحدتها وقوة المواقف، وأكثر ما افتقدناه اجتماعنا على وجباته الباذخة كثيرة  اللحم.

قوة تأثيري حين كبرت ظلت في هشاشتي، ما أسرع ما أحس بالانكسار والانهزام، أما البكاء فلا، أعذّب نفسي على طريقتي، أنكد عيش كل من يقترب مني أخاً، أختاً، زوجاً، بناتي، أولادي، كنت أبكي قليلاً في عزلتي، أظهر الحزن لأيام أو لساعات حسب حجم المأساة في نظري، قد يموت أقرب الناس لي أو لزوجي زكي فلا أحس بحزن ولا حرقة، وقد يصاب قريب بعيد بجرح بسيط فينتابني حزن لدرجة المرض، وكثيراً ما كان ينعكس ذلك على شقيقي الأكبر أو الأصغر، فالأكبر ينكد على زوجته حين يظهر عدم الرضا على ملامحي، والأصغر يهرب من البيت، ويلعن المرأة الأفعى، هكذا دون تفسير، لم أكن أفهم ما يقصد، لكن شقيقي الكبير كان يبذل مجهوداً كبيراً لاسترضائي، وأقل ما كان يفعله، يذهب للسوق يشتري خروفاً أو تيساً، يذبحه ويدعو جميع شقيقاتي وأخواتي، وفي غمرة بخار المنسف البلدي ينسى كل منا همومه، وقد ينسى بعضهم أن يشكر الرجل الشيخ الشهم الذي أقام الوليمة إكراماً لي أو لزوجي زكي مع وجودي ضيوفاً عنده.

خلافي مع زكي في الأسبوع الأول من زواجنا، جعلني أتوقع افتراقنا بعد شهر واحد أو خلال شهور قليلة تالية، ومع هذا كنت أكرر القول لنفسي: إن الخسارة ليست كبيرة في نظري، وبالتالي ماذا يمنع من تذوق حلاوة الرجل والجنس بالحلال؟ تلك الحلاوة التي تتحدث الفتيات العاشقات عنها، وكذلك الزوجات حديثات الزواج، والبكارة لاتغني ولا تفقر مادمنا نراعي الشرف وطاعة  الله، أو هل يظهر على الشابة من بعيد أنها فقدت بكارتها؟ ثم لو  صارحت الفتاة الرجل الذي يعجب بها بأنها فقدت بكارتها بالحلال طبعاً؟ فماذا سيكون رد فعله يا ترى؟؟!! . . على كل حال ما دمت عرفت الزواج وطعومه، بعدها لا أخشى أن أبقى عانسة، فمعارف أهلي وأقاربي كثر، وأستطيع أن أختار شاباً على هواي بعدها، وذاك أمر سهل حسب اعتقادي مادامت الإرادة والفهم موجودان، المهم إنني فعلتها وتزوجت،  وحسبما أراد أهلي والمجتمع والشرع والجيران، لكنني في البداية لم أشعر بضرورة تلك المتعة كما سمعت من النسوة والصبايا، يطلن الحديث عنها، ويتغزلن برجفاتها، ويتمنين المزيد.

أنا التي كنت أخلق مواقف جدلية، فيعاودني الحنين للهرب إلى طفولتي وبيت أهلي البسيط القديم المتشبث بالسفح الجنوبي لجبل عمان، فتتوارد إليّ التساؤلات:ما الذي يمنعني من ترك زكي، ما زلت صغيرة، ولحسن الحظ أننا لم نرزق أطفالاً حتى بعد أكثر من سنتين من زواجنا، أحب نفسي أولاً، وأحب الإبقاء على كل ما في نفسي من طيش مكبوت، وسر مكنون، وفي اليوم التالي حين تزول الغمة والغيمة أتساءل، كيف احتملني زكي؟ أعجب لذاك الإنسان، أهي ضعف فيه أم سذاجة أم حاجة؟ أو هل أعوض النقص الذي في شخصه؟ لكن كل من عرفه يذكر شهامته ويتحدثون عنها، روح القيادة والعزيمة فيه تبدو جليه لكل أقاربه ورفاقه في العمل وأصدقاؤه، يتعاملون معه باحترام وتبجيل، ومع هذا كنت أتساءل هل انقطع الشباب في عمان حتى يحضر فلاح فلسطيني ليختطفني؟ لعنك الله يا عزيز الأحمر، ولعن أهلك وعشيرتك، سمعت أخي يقول عنك أنك ناعم كالفتيات العذراوات، يا أيها البدوي الجبان! من قراءتي للكتب بعد أن كبرت، وجدت أن تاريخنا مليء بشخصيات تحب الصيد في الماء العكر من أمثالك، صرت تحب المبيت في المدن الأوربية يا أحمر، وتسهر مع المضيفات وتصادقهن، لو كانت لديك ذرة من رجولة أو شهامة، لتذكرت صيدك الأول من جذور والدتك، ولغامرت بمختلف الأساليب لتحرير (هيلانة)، والأرض فسيحة ومرحبة ومهيأة، والشمس تملأ الأرض بالنور في نهار كل يوم، أما الليل فهو كالنفس مخزن الأسرار، وصديق الشجعان وحتى الجبناء، أنت خارج التصنيف يا أحمر، فلتذهب إلي الجحيم وعليك اللعنة يا … أنت  (يا….. . .عزيز؟ لست بعزيز، أتمنى أن أكرهك) زكي لا يختفي عن المشهد، زوجي زكي إنسان واثق من نفسه وعلى قدر طاقته وثقافته، وله من عزيمة الثبات أضعاف ما يدل عليه جسمه النحيل أو شكله غير المتميز، لم يعد هناك داع أن تفيق يا أحمر، ولا أتوقع منك أن تخلصني، وتقوّم نيران شذوذي، فهل سيأتي وقت يبدأ فيه زكي في إذابة كبريائي ذرة فذرة؟ حتى أجد نفسي تابعة له أو متوفقة؟ ومع هذا حين كنت أحس الوحشة أو بأي نكد، أتوسل المزيد من نظرات الإعجاب في عينيك يا أيها ال زكي.

يبحث الناس عن الأمر السهل ومصالحهم، إلا زكي فقد عانى الكثير حتى ضمني لحاشيته، وضمنني زوجة له

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق