ثقافة السرد

الفصل 8 من رواية (حرير الوجد) للتونسي محمد حيزي

فصل تطارح الهواجس المغلقة:

لأيّام ظلّت تلك اليوميّات هواجس لا حصر لها …
صرت لا أنام إلاّ على هوسها البعيد . أستعيد رغما عنّي تفاصيل مجهدة لعامر الوافي وزوجته مريم . كانت ليلى تدفعني نحوها حتّى أتمّها . لماذا هذا الحرص الغريب منها على كشف أسرار لا تعنيني ؟ ظللت أتساءل كلّ ليلة عن مدعاة هذه اللّهفة دون أن أبلغ مراميها . لا أنكر أنّ هذا الكشف راق لي وأنا ألج خفايا تلك الفيلا المحصّنة بأسئلة استمرّت تؤرّق الجيران لسنوات طويلة . الكلّ كان يستفسر ويتوقّع دون أن يبلغ أحدهم ما يشفي غليله وها أنّ ليلى تستدرجني كي أتسلّل إلى تلك الوقائع في حياة أسرتها دون وجل من حدّتها كما لو أنّها مجرّد أحداث عابرة يمكن أن تحصل لأيّ كان …

مع توالي اللّيالي بدت لي ليلى مركونة كما لو أنّها تسعى حتّى تكون مهملة …
هكذا تهالكت بدورها في صمت تراكمت فيه جهمة من الأسئلة السّائبة . تحوّلت شيئا فشيئا إلى مريبة محاطة بأسرار أخرى . أحسست بثقل اليوميّات رغم كشفي لعديد الوقائع المربكة في حياة هذه الطّفلة الّتي أحببتها من سنوات بعيدة إلى أن اكتملت وصارت امرأة بهيّة تدير الرّقاب . أكثر من مرّة أحاول الهرب من سجن دفتر عامر الوافي لأغرق في كرّاس مريم فتتبدّى ليلى منساقة إلى مجهول قد لا أبلغه إن أنا حوصرت في غياهب زوجين أفرطا في تحويل ما حصل لهما إلى شأن بالغ الأهمّية . لأيّام معدودات تشكّلت تلك الرّهبة العابرة إلى رهبة في حجم ليلى . صار لها ذلك الطّول الفارع وتراكمت وراء ذلك الجمال الآسر وخلف عينين أبحرتا بعد في امتداد أزرق لا حدود له . شعرت في لحظة خاطفة أنّني سأفقدها فجأة ولن أتمكّن من العثور عليها مهما حاولت . كان علينا كشف ذلك الغياب الّذي قام بيننا ككسر مباغت قبل التّورّط في ماضي أهلها . أحسستها تنفلت من بين أصابعي ولا أقوى على احتوائها لمدّة أطول . ملامحها ظلّت صارمة بعد أن أمرتني بالغرق في اليوميّات . كلّما حطّت عيناي عليها إلاّ وساطتني في قسوة حتّى ألج ما تبقّى . كما لو أنّ ذلك التّواطؤ الّذي كان قائما بين أبيها وأمّها تسلّل ليحطّ بيننا فجأة ويحيك لنا مطبّات أكاد ألمسها وأراها . هل يمكنها أن تحدّدها معي وهي هناك على مسافة من خطانا ؟ يبدو ذلك مشرفا على هوّة هاتكة قد لا تتبيّنها …

( 37 )
( كان لمقدم ليلى مسعى تراكمت فيه عدّة أسئلة …
كيف لرجل أحبّني واستقدمني من ماخور أن ينفرط في طرح الأسئلة ؟ ماذا يهمّه من أمر ابنتي وكيف جاءت إلى هذه الدّنيا ؟ مرارة ما كانت تتشكّل يوما بعد آخر في صدره وحلقه وتقتات وجهه إلى أن كادت تهلكه . لأيّام عصيبة عليه ظلّ غارقا في خمرته . كنت أطلّ عليه بين الحين والآخر من العليّة حتّى أطمئنّ . أراه يقتطعني ويشويني على كانون الفحم أمامه ويحدفني دخانا من نرجيلته ويريقني مع كلّ كأس يتجرّعها . هل خنته كي يفعل بنفسه ذلك ؟ أكان حبّه لي يكفي حتّى لا أكذب وأنسى ابنتي ؟ أوجاعي أراها تخذله وتهتكه . ماذا لو أخفيت أمر ابنتي عنه ؟ أكان ذلك كافيّا ليلتئم جرح فتحه بنفسه ؟ ظلّت أسئلتي تؤرّق أسئلته . مواجهة حادّة كانت تتشكّل من بعيد . تماما في تلك الفسحة بيننا . من كأسه المرّة عند شفتيه إلى تلك الغصّة الّتي تتبدّى على شفتيّ بياضا كالملح . كنّا نتخفّى خلفها وهي تتهالك بيننا تباعا ولا تجد لها أجوبة سوى شيء من السّلوى البخيلة الّتي تتمطّى دون أن تبلغ ما يعتمل فينا وتهتكه فتندفع خطانا إلينا وتتلامس أصابعنا فنبكي معا ونصرخ ونصيح كي نجتثّ ما عرّش فينا ولو للحظة قصيرة العمر .
ظلّ على حياده وحزنه وفجيعته حتّى استدرجته ليلى إليه شيئا فشيئا . خطواته نحوها كانت بطيئة مربكة . كانت يداها الصّغيرتان وهما تندفعان نحوه مع ابتسامتها البريئة وهي تنطق بابا في عسر جذبا كالسّحر لم يقاومه طويلا . رأيته يدمع وهو يأخذها إلى حضنه ويتملاّها ثمّ يقبّلها خطفا بعد أن نظر حواليه حتّى لا أفاجئه . كانت تلك اللّحظة أنبل ما اكتشفته في عامر الوافي . ظللت لحين مربك جدّا وأنا أبتسم وأبكي . سعادتي كانت بالغة وقلبي كان ينتفض كما لو أنّه غادر صدري وطبع على جبينه قبلة حارّة مشبعة بكلّ دفء هذه الدّنيا … ) .

توقّعت أنّ يد أمّي تحطّ على كتفي لحظتها . وددت لو تركت كلّ شيء واندفعت عائدا إلى مدينتي كي ألقاها . حتّى أرى وجهها خلف تلك القضبان وأقبّلها . رجفات انتفضت مع قلبي وأنا أرى عامر الوافي وهو ينحني من عليائه على ليلى ويأخذها إليه ويقبّلها خفية عن أمّها الّتي ترصّدت لحظة غاليّة قد لا يأتيها رجل مثله أحبّ دون أن ينتهك قلبها وإن كان حزنه لهفة على ذلك الحبّ الّذي أورق أكثر من مرّة وفي صراخ كالصّرير الحادّ . أن نحبّ أحيانا علينا أن نفكّك الحسرة إلى ردود خفيّة لا تستباح لغيرنا وإن بوغتنا بها يمكننا أن نتجمّل كي لا نراق هكذا . مذلّتنا هي خوفنا من سقوط عميق فينا وتعرّينا الجميل نراه فاضحا وهو الأبهى لأنّنا نغامر حينها بلحظة صدق عادة ما نهرب منها كما لو أنّها ضعفنا الّذي علينا أن نخفيه عن الآخرين . ماذا أصابني وأنا أستعيد العارم هكذا ؟ ألم أحسم مع تلك المدينة نهائيّا وفررت بجلدي منها ؟ محوت تلك اللّحظة وأنا أتحرّق وعدت إلى الكرّاس من جديد وقصمت ظهري ثمّ استويت في متاهة حتّى استعدته وولجت قلبي من جديد حتّى لا يفتك بي ويتعقّبني وأنا أعثر على ليلى بعد غيبة . رفعت عينيّ نحوها كما لو أنّني أكتشفها مرّة أخرى وسبت وراءها كالماء . لم تبق إلاّ صفحات قليلة وستلقي بها حتما إلى النّار وسأراها رمادا على شبر من أناملها …

( 38 )
( للقلب مزالق شتّى …
كان كلّما ضاقت نفسه إلاّ وتاق إليّ . يرتمي في حضني ويستفسرني عن والد ليلى من يكون . يراني أخونه معه . هذا ما يسرف وجعه وهو يتشهّاني :
– حتما أنت تخونين حبيبك الأوّل مع زوجك المهتوك عامرا الوافي هذا . ترتكبين لعنة وهو يهوّم بين أضلاعك . إنّني أراه في عينيك . في كلّ بقعة من جسدك هذا . أكاد أسمعه وهو يصرخ فيّ حتّى أبتعد عنك . إنّه يتوعّدني ويسعى كي يصيبني في مقتل . رائحته تملأ غرفتك هذه . طعمه ينزّ منك مع هذا العرق الخفيف . هل شعرت أنّك ترتكبين بشاعة وأنت تنامين معي كما لو أنّك تحبّينني ؟ الحبّ لا أحسّه جسدا فقط . إنّه روحك المشطورة بين من تحبّين وبين هذا الرّجل الّذي اتّخذته زوجا . الرّوح إذا تمزّقت صارت بلا معنى . إنّها تبلى إلى أن تنطفئ ويظلّ الجسد منقعة كاسدة لا ألق لها في ضيم لهفة واحدة لرجل كان يتمنّاك مكتملة حتّى لا يغصّ بك لحظة الذّوبان فيك . ألا ترين أنّ الحبّ كذبة مغلّفة بشهوة عابرة إذا انفصل عن عمقه ؟ أكاد أفنى يا مريم وأنا أرى الرّجل الغريب عنّي يتسلّل إلى فراشك وقد أخذ ملامحي منّي . إنّك تبدين نائمة معه وإنت تغيّبين في روحك المهملة هذا المحدوف إليك . هل أنا عامر الوافي أم أنّ عينيك وهما مغمضتان تسيحان إليه وتتوقّعان أنّ من يحتضنك بهذه الحرارة الحالمة هو أوّل من همس إليك وقال لك : ” أحبّك … “
ظلّ يهذي طيلة أسابيع . كلّما سكن إليّ إلاّ واستعاد ذلك الحبيب الأوّل . كما لو أنّه كان يسعى حتّى يستأصله منّي ويرديه . كان يغتابه في صمت قصير ثمّ يعود إليّ من غيبته وقد غلّفه شكّ ذابح :
– هل أوشكت على حبّي أم أنّك لم تنصرفي منه بعد ؟
صرت خائفة عليه . ما عدت خائفة منه . بدا لي مقهورا يتلذّذ وجعه . يحاول فكاكا من ضيق ضاق به إلى أن همد في ذلك الصّمت وساح فيه وما عاد يقوى على ترديد نفس الأسئلة . تبدّت له الإجابات متجمّلة خاليّة من صدقها ولا يمكن أن تشبع فيه لهفته حتّى يراني مكتملة كما كان يشتهي . مهما حاولت لن يقبل عليّ بذلك الوجد الّذي لاح على وجهه وهو يمسك بيدي ويتسلّل بي ليلا من ذلك الماخور كي لا يتوقّع أنّ هناك من يقتفيه ويكتشف المرأة الّتي لاقت هوى عنده وغامر بالزّواج منها .
إلى هذه اللّحظة ظللت دهشة من قراره حتّى أحببته . كانت روحي الّتي هوّمت بعيدا وافتقدتها عادت معه وهو يهبني لقبا وبيتا وزوجا . يجتثّني من نهايات لا تعدّ . من تلج ذلك المكان لا يمكن أن تنتظر نهاية واحدة . إنّها تعيش أكثر من نهاية قاتلة وتعود لتمارس من جديد ليلها وسقوطها . رجال عديدون يلجونها ويمضون . دائما ما يأتي غيرهم وفي أيّ لحظة . ينالون من جسد بلا روح . تراهم كما لو أنّهم يهتكون حشيّة أو ما شابهها . غيابها يتراءى في وضعيات قاسيّة وهم يدفعون المال ويغيبون . تستيقظ فقط مع صرير الباب وهو يغلق خلفهم . هل كنت امرأة لها روح حتّى يتهتّك عامر الوافي بكلّ ذلك الوجع قربي ؟ أكاد أنخلع وأنا أراه يتعذّب وهو الّذي استدرجها إليّ ثمّ قتلها صحبة أخته بيّة مرّات عديدة . ألم يكن هو من غرفها من هتك قصيّ حتّى آبت إلى هذا الجسد الخرب ؟
الأحزان تتحوّل أحيانا إلى نوّار دفلى . تلهب من يراها وإن تقوّض فيها … تلك هي أنا مريم الوافي . امرأة في طعم الدّفلى لرجل تشوّفني وغرق فيّ إلى أن بلغ مرارات شتّى وهام في أسر تتعقّبه أورامه في صراخ يلتحف رماده ومآتمه … )

اقشعرّ جسمي وأنا ألقي بالكرّاس بعيدا …
فقراته المتراميّة على ورقه كالإبر . فقرة تحدفني إلى أخرى أشدّ فتكا . استويت واقفا قبالتها وقد تمكّن منّي حسمي . مددت نحوها يدي في ضيم :
– لن أستمرّ هنا . يكفي ما عشته حتّى أعيش ما هو أبشع . سأترك هذه المدينة وأرحل . هذا المضغ أرّقني ولا أقوى على العيش به . أريد أن أحيا . بي لهفة شديدة في خضمّ هذه الدّنيا حتّى أكتشف طعمها من جديد . أنت امرأة لا أعرفها . تعيش في جهمة ماضيها ولا يمكنك أن تتخلّصي من عامر الوافي وأمّك مريم . سجناك في يوميّات قاتلة ثمّ تركاك تهيمين في أرض موات . لقد ضقت بالكلّ وعليّ أن أتسلّل من صمتك إلى الضّجّة في الخارج . هناك سأجد ضالّتي . سأكون تماما كالآخرين . أعيش يوما بيوم . أنام دون أسئلة . أستفيق وألج هموم كلّ يوم عابر . عندما ينتهي نهاري أعود كأيّ واحد منهم . أتابع ما يحصل في العالم من مجازر ودم . أترشّف شيئا من البنّ . أتلهّى ببعض المكسّرات . أغرق في فلم وقد يتمكّن منّي النّوم قبل أن أنهيه . أستيقظ من جديد وأحدف قدميّ على رصيف وأسيح مثلهم . لن أغيب في خاطر أو أتوقّع أمرا ما . قد أحلم كما يحلمون لكنّني لن أفرّ من صدامي اليوميّ المبتذل ولن أعود إلى البارحة . هذا هو أنا قاسم العامري . لك أن تحسمي بدورك حتّى أعيك مرّة أخرى . سوف لن أنتحب كما تنتحبين . سأخرج من هذا الضّيق الدّميم إلى مسالك أرحب .
كنت كمن شرب لأيّام طويلة ثقيلة وتقيّأ كلّ ما تجرّعه دفعة واحدة .
ابتسمت وهي تقترب منّي :
– ها أنت تخرج مربكا من يوميّات كتبها غيرك فضقت بها كما لو أنّها سجن انفراديّ قاس ؟ ماذا عنّي أنا الموؤودة بها ؟ ماذا لو عشتها أنت مع كلّ ما حصل لك ؟ هل يمكنك الوقوف منها ؟ هل تستطيع أن تحدف خطاك من جديد وتقبل على هذه الدّنيا ؟
– وأنت ؟ هل خرجت من حدّتها بعد ؟
– لن أفاجئك وأقول : ” – حصل هذا بعد لأي . ” كلّ ما هناك أنّني رأيت ما هو أقسى وخطر لي أن أطلعك على بعض شجني البعيد حتّى أنتشلك من وحل اكتشفته حولك وأنت تلقاني بعد كلّ هذا الغياب . كان يتبدّى في وجهك وفي عينيك وفي خطواتك وأنت تسعى إليّ . لست وحدك من ينوء تحت كلّ هذا الحزن العميق . مثلك لا حصر لهم . تراهم كلّ يوم لكنّك إن خدشتهم اكتشفت ما لا يطرأ لك على بال وأنا واحدة منهم . أقرب منهم إليك . أحببتني وأنا بعد طفلة ولم تدر أنّني مقبلة من هاوية نحوك أجرّ أثقالي وإن تخلّصت منها شيئا فشيئا دون أن أهلك . تلك الفيلا الّتي كانت تأسرك كانت لا أكثر من جدران تسيح فيها أحزان لم تتوقّعها . كنت فقط ترى ذلك البهرج الخارجي وتكتفي به دون أن تلج إلى ما يمكن أن يقع خلفه من أوجاع لا حصر لها .
( 39 )
( ظلّت صفيّة سؤالا دائما أمضغه كلّ يوم تظهر فيه وتغيب في غرفتها وتغلق بابها بمفتاح يتدلّى ولا يفارق خصرها . أراه مشدودا بخيط سميك يتحرّك جيئة وذهابا كلّما خطت . بدا لي تمسّكها بذلك المفتاح تماما كتمسّكها بصمتها وأسرارها ووحدتها . حاولت أكثر من مرّة أن أستدرجها إليّ وأنا أبتسم في وجهها حتّى تطمئنّ إليّ . كانت ستنطق وتتحدّث إليّ لكنّها سرعان ما تتراجع عن ذلك . تردّدها صار شبيها بكابوس إلى أن بلغ قلقي أوجه وما عدت أحتمل تواطؤها . قرّرت أن أتجسّس عليها فلعلّني أعثر على خيط ما . حينها سأخرم كلّ ما تخفي وأبلغ كلّ خفاياها يوما بعد آخر . ظللت أترصّدها طيلة أسابيع دون أن تنتبه إلى ذلك . كلّما ولجت غرفتها وضجّ بابها خلفها أخطو على أطراف أصابعي إلى أن أقترب من ثقب الباب . أطلّ منه في حيطة وأكبت أنفاسي حتّى لا تبلغ سمعها فتهبّ نحوي وتدرك مقاصدي ونواياي بها … ) .

– أنا مثلك تماما . أمضيت عمرا كالبلوى ولم ينتبه لي أحد . ظللت أمضغه وحدي إلى أن مللته وها أنا بين يديك أفيض حياة ولا أهتمّ لذلك الماضي . مقبلة على الدّنيا كما هي دون أن أشكو أو أتردّى فيها . لن أكون امتدادا لجراح الآخرين . سأحيا وأتلذّذ طعمها كما أحسّه وأراه . لن أهرم وأنا بعد في هذه السّنّ . هناك متّسع لي حتّى أقبر كلّ ذلك الماضي . من أنا حتّى أتهالك ؟ مجرّد نزوة لرجل وامرأة . طبيعي أن أكون ثمرة ذلك اللّقاء . هذا ليس معيبا لي . لم أقترف خطأ ما حتّى أحقد عليهما أو على من حولي . لقد عاشا حياتهما في لحظة لم أكن فيها موجودة أصلا . حبوت ثمّ تمكّنت من الخطو إلى أن صرت طفلة فامرأة مكتملة كما تراني الآن . من هو أبي ؟ هل هو عامر الوافي أم غيره ؟ ذلك لا يهمّ ما دمت قد انبعثت . أترى للنّطفة معنى ؟ كم رجلا هتك ذلك في أمكنة لا تعدّ ؟ ألم يتهالك الكثيرون على فراش أمّي في ذلك الماخور ؟ هل اهتمّوا لتلك النّطفة المهملة ؟ هل توقّعوها أنا أو غيري ؟ نزوتهم فقط كانت الأهمّ من كلّ هذا اللّغو الّذي برّح بك وحمّلك ما تطيق . ها أنا الآن أمامك أحمل روحا ألقة في جسد شهّاء كما ترى . لم أحبّ سواك . لهذا ظللت أحمل وجهك بعد كلّ هذا الغياب . أتراني أبلغ من كلّ النّساء لأنّني لم أخنك ؟ لا يا قاسم . الأمر أعمق من كذبة . إنّه وشيجتنا الضّاربة فينا . ما تبقّى كلام في الرّيح لا يعني شيئا . الحبّ هو الحالة الأسمى إن نحن امتلأنا به ولم ندنّسه . لا أقصد بهرج الكمال بقدر ما أرمي إلى تجلّيات الرّوح وصفائها العجيب .
( ز )
( ها هو يمسك بلوح ويذروها مع الرّيح اللاّفحة فتصفو حبّا ذهبيّا يتساقط عليه كرذاذ جميل ويتهالك منها رجسها بعيدا ويتكوّم على مقربة شيئا فشيئا . يحفنها إليه ويلئم أنينها حتّى تفيض به عميقا فيلجها إلى أقاصي شهوته وينالان ما أمكن من دفق روحيّ غريب . يدفع يده إلى كوم الرّجس ويلقي به في النّار حذوهما ويرمّم ما تبقّى فيها حتّى يتجلّيا في طهر اللّحظة مع زخّات المطر الّتي انهمكت في الهطول . ظللت أتابع ما يحصل وأحاول أن أحفر مسلكا إليهما كي أكون بينهما تلك النّطفة الهائمة الّتي تهفو لإنبعاث عميق لا ريبة فيه ولا شكّ . ما يقع أمام عينيّ كان كاليقين . كان مشبعا بدفق غريب وهو يخطو في خطوات نبيّ ينثر النّور من حوله ويرتّل عشقه بيننا ويدفع بي إليهما حتّى أورّق الحديث تسابيح تندلق إلى أقاصي السّماء البعيدة وتعدني بوجه يكون وجهي ولا أراه متعدّدا ينشطر دائما ولا يجد له ملامح تهبني لهفتي الأخيرة … ) .

وشدّتني من يدي وأنا غائب عن وعيي . كما لو أنّني أسيب في فضاء هذا الكون الرّهيب وأسبح فيه . انحنت على الكرّاس وأخذته ثمّ جذبت الدّفتر من فوق الطّاولة وولجت بي إلى الدّاخل . أجلستني على زربيّة قيروانيّة ومضت إلى المطبخ وعادت تحمل آنية من الفخار . وضعتها أمامي وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. أشارت إلى آنية الطّين وهي تحتويني بعينيها :
– نحن هذا الطّين . لم نبعث من نار حتّى نرفض التّهالك إلى في هذا الوحل أمامك . لقد اكتفينا بكوننا منه وسنتحلّل فيه يوما . هكذا كان بعثنا ولسنا قادرين على الفكاك . هل تقوى أنت ؟
وأشعلت عود ثقاب . كانت سيجارتها تتلوّى بين شفتيها . تحرق تبغها في غيظ شديد وتلتهم في بطء أوراق الكرّاس والدّفتر في الآنية بيننا . لذّة مفترسة تشكّلت في عينيها وهي تراقب الألسنة الصّغيرة تحوّل اليوميّات إلى رماد . الطّين كما هو لم يحترق . كما لو أنّ النّار لا تقوى عليه . لا يمكنها أن تهتكه . كنّا في تلك اللّحظة ذلك الطّين الصّامد وإن دبّت حرارة النّار فينا شيئا فشيئا . مضت إلى جسدينا من رائحة الفخار اللاّهب القريب . وهي تهمد بعد لحظات كنّا قد اشتعلنا . امتدّت الأيدي والتقت الأصابع ولفحت الشّفاه . تشابكنا خزفا على تلك الزّربيّة القيروانيّة . كانت زركشتها ضاربة في القدم . صوفها كان ناعما كأحضان القيروان وهي تهب ذلك الصّهيل البعيد روحها وجسدها وعمقها دون أن تواري خجلها وهي تلهث وتتقصّى شهوتها العاليّة . كان لارتباك الغزل تحتنا حكاية أولى لشهرزاد وهي تتطاول على موتها وتراوغه إلى أن يباغتهما الدّيك معا . كنّا أبلغ منهما في تلك اللّحظات الحميمة لأنّنا لم نخن أحدا ولم نترك للآخرين منفذا كما أنّنا لم نجن على غيرنا . فقط عبرنا أوجاعنا إلينا ونلنا كما اشتهينا من ذلك الطّين النّازف قصيّا في الذّاكرة . غبنا معا وإن تهاوت ليلى للحظات سرقتها منّي في ما تبقّى من الحكاية :
( 40 )
( باغتني الشّيخ صباحا في بياضه الطّاهر وأيقظني من النّوم وابتسامته تتضوّع كصلاة في الغرفة المخضّبة بالياسمين : ” – الحكي يا ابنتي يكون أشهى وأبلغ في الصّباح الباكر أو مع بدايات اللّيل حين يكون القمر مكتملا . هكذا تعوّدنا من سنوات طويلة على طقوسنا في هذه المدينة ولا يمكننا أن نروم الحكاية عميقا إن نحن اختلفنا مع تشهّينا إليها في لحظاتها البكر ” . ثمّ تركني حتّى يتوضّأ ويلتقي خاشعا بربّه . كان النّوم يترصّدني بعد ليلة قضّيتها حائرة هائمة في ما وقع معي . عاد إليّ صحبة زوجته بفطور الصّباح وجلس على كرسيّ من الخيزران قبالتي وانهمك في شفتيه يروي ما كان : ” – بعد أن انزرعوا في المملكة طولا عرضا عاد قليلهم واختار الآخرون العيش في الصّحراء البعيدة وكوى السّباسب العليا ومرتفعات الكاف حتّى لا يصلهم سيف الباي ويقتطع رؤوسهم وينكّل بها . من عاد منهم ظلّ في السّجن منتظرا نجاته إن عادت ليلى مع غيرهم . ظلّ الباي ينتظر وصولهم إلى أن يئس من عودتهم . تراكم الغضب في صدره ولم يجد بدّا من قتل الحرس الّذين عادوا وتوعّد الفارّين بالثّبور . لهفته لردّة الفعل كانت مفترسة لبعض وجعه وخيبته وهو يطلق بعض حرسه الآخرين للبحث عنها دون أن يتوعّدهم حتّى يأمنوا إليه . وعدهم بالعطايا الكثيرة إن بلغوا مقاصدهم وعادوا غانمين . أهالي الحمّامات الّذين كرّموا بحضور زفاف الأميرة ومنهم جدّي ونالوا حظوة الحكاية الّتي رمّمت الأرض وبسطتها وجلبت إليها مياه زغوان كانوا طوقا وأذرعا ممدودة تحيط بالقصر . من برجهم الّذي يطلّ على الحقول المتراميّة والبحر كانوا يراقبون دبيب النّمل . كلّما رأوا حرس الباي إلاّ وضيّعوا عليهم الأثر والوجهة لشهور طويلة ” . قاطعته في حيرة : ” – والماء ؟ كيف بلغ الحمّامات ؟ ” . عدّل من جلسته على كرسيّه وغرق في صمت قصير كي يصل الحكاية فتكون طيّعة لشفتيه لا لبس فيها : ” – الحنايا قائمة . كما لو أنّ العاشق شيّدها . سيدي بن عروس وسيدي محرز وما تبقّى من أولياء الله الصّالحين كانوا يجوبون المسافة الفاصلة بين زغوان والحمّامات لمدّة طويلة حتّى قامت . لا أحد يراها لأنّها هبة مقدّسة لا تتبدّى للعامّة من النّاس . إن حصل ذلك ستمحى ولن تروى أشجار البرتقال واللّيمون والزّيتون والياسمين بعد اليوم . ذلك هو سرّ أسر هذه المدينة وألقها . الحكاية ليست ماء فقط . إنّها أبلغ من ذلك وقد يستعصي عليّ الشّرح الآن . لعلّها روحها ومكمن شمسها الّتي تشرق في انتشاء غريب لا يمكن أن يحصل في بقعة أخرى غيرها . اخرجي قبل بزوغها وتمعّني فيها لحظة تسلّلها من وراء البحر . ستدركين سحرا خالصا وفتنة تبلغ أقاصيها . ذلك يتجلّى بشكل أعمق إن صعدت البرج فجرا . من هناك تتابعين امتلاءها وهي تتسرّب في دفء إلى السّطوح والقباب وتنفذ من النّوافذ والأبواب إلى غرف النّوم والباحات والأروقة وتجوب ما اختفى رغم الحيطان القائمة . تلك هي شمس الحمّامات . كما لو أنّها تحتضن هذه المدينة قبل غيرها ثمّ تسيب بعد ذلك إلى المدن الأخرى بعد أن تفي بوعودها وما اختزنته بعد غياب لليلة طويلة ” وعاد للحظات صمته مرّة أخرى لا يربكه تداعيه … ) .

كانت ليلتنا أبهى من غيرها . أكثر شبعا وتطاولا إلى أن امتلأنا إلى أقاصينا . تهالكنا بعد أن غزونا بداية الطّين إلى أن بلغناه فينا . كان رماد اليوميّات يندكّ في آنية الفخار ويتحوّل إلى دقاق . حين أفقنا صباحا لم نجد له أثرا . كان قد اختفى قبل أن تسجنه ليلى في قارورة صغيرة كما ادّعت وتحتفظ به كما هو دون أن تتهجّى رائحة عامر الوافي وأمّها مريم فيه .
( 41 )
( ها هي تتعرّى من ثيابها وتقف وسط الغرفة وتنهمك في صفع خدّيها وغصصها لا تكاد تسمع . إنّها تغرق في غناء صوفيّ خفيض دون أن تكفّ عن لطم وجهها فصدرها ففخذيها . غصصها تعلو شيئا فشيئا مع بحّة صوتها وهي تفضي بما يشبه التّرتيل الغارق في تسابيح باكيّة وترفع عينيها إلى السّقف في رجاء بالغ لحين ثمّ تغرق في تحريك رأسها يمنة ويسرة ليتطاير شعرها الطّويل الأسود من حولها وراحتاها مشدودتان إلى ركبتيها . استمرّت نوبتها للحظات طويلة . كانت تستغيث كما لو أنّها تستدعي أرواحا لا تستجيب إليها إلاّ بعد مكابدة . تعثّرت مرّة أولى ثمّ ثانية وتهالكت على ركبتيها دون أن تكفّ عن نوبتها . دموعها تترع خدّيها وتنساب بشكل غزير لتبلغ صدرها وتغرقه مع العرق الّذي نزّ بعد وصار ذرّات صغيرة مضيئة على بياضها الشّديد . أمضت مدّة طويلة على تلك الحال وتكوّمت حول نفسها في غيبوبة وهي تلهث بشدّة . ظللت مسمّرا كما لو أنّ عشرات الأيدي تشدّني في مكاني ولا تترك لي فرصة الخطو بعيدا . هل كانت صفيّة تتجلّى ؟ بدا لي ذلك محيّرا مربكا … ) .

ونحن نترك الغرفة لنتوغّل مرّة أخرى في تلك المدينة الغريبة ونكتشف ما تبقّى منها بلغتنا ضجّة خفيفة . لم تلتفت ليلى إلى الكسر المنفلت من الدّاخل . قالت وهي تبتسم في دفء عجيب :
– لعلّها آنية الفخار تهشّمت . أحيانا يحتفظ الطّين بحرارة موقوتة فيتفتّت لكنّه يلتئم بعد ذلك ويتّخذ أشكالا شتّى دون أن يتأذّى .
بلغنا نفس المقهى الّتي جلست فيها لأوّل مرّة منتظرا وصول ليلى وأنا ألج هذه المدينة المشبعة بعديد الأمكنة الّتي سحبتها من مواقعها كحلم ثمّ جمعتها وزرعتها هنا شيئا فشيئا إلى أن قامت وضربت لها في الأرض جذورا مستدرجة تاريخ أيد رحلت عنّا ثمّ آبت على شفتي شهرزاد وهي تروي حكاياتها لملك يجهد جرحه حتّى يلتئم فيبرأ من نحر جميلات لياليه الذّابحة .
ابتسمت قبل أن نبلغ المقهى . كان ذلك لحظة سهوي وأنا ألج ساحة متراميّة أكاد أذكرها في أرض قصيّة بعيدا عن هنا :
– ها نحن نقبل على الدّنيا مرّة أخرى . هنا سنرمي لنا جذورا ونكون امتدادا لآخرين فينا . لن نترك لهم منفذا حتّى ينالوا منّا . فقط سيزوروننا ومعهم باقات من الورد . يطرحونها بعد أن يجلسوا إلينا . قد يدمعون … قد يتلون علينا ما تيسّر ثمّ يمضون ولن يلتفتوا خلفهم . سنكون لهم حكايات صغيرة يتجاذبونها بين الحين والآخر وهم يتملّون صورنا في ألبوم قديم .
على غير عادتها أسهبت في الحديث . ألق آسر كان يعتمل في عينيها وعلى تقاسيم وجهها . بدت لي تلك الطّفلة البعيدة وهي تحلم بألوانها وما يمكن أن تنتزعه من لحظات فاتنة اللّون .
غرقت في فنجان البنّ إلى أن بلغت قاعه . نظرت في وجهها . آبت إليّ من غيبتها القصيرة :
– بعد أسابيع من الآن سأقيم معرض رسوماتي الثّاني . لقد أتممت آخر لوحة فيه البارحة حين كنت نائما كطفل .
– لماذا أخفيت هذا عنّي ؟
– تلك مفاجأتي ولن أترك لك فرصة ولوج مرسمي واكتشاف لوحاتي الآن .
وعادت لبنّها وسيجارتها …
لحظتهارأيت امرأة ترتدي سوادها كما لو أنّها تمضي إلى مأتم . عيناها مترعتان دموعا وقلبها تحمله على راحتيها وهي ترتّل ما يشبه القرآن . تحثّ الخطى دون أن أرى أنّ هناك شخص ما يلاحقها . دهشت وأنا أتعقّبها واحلة في بقايا البنّ تجهد قدميها حتّى تبلغ وجهتها . بدت لي كما لو أنّها العارم في اندفاعها إلى الأمام . دفعت إصبعي ونزعت تخّ البنّ عنها كي أتبيّن وجهها جيّدا . تسمّرت وهي تراني أطلّ عليها من أعلى . أزالت دموعها كي لا أتشفّى منها . انقبض وجهها وهي تتملّى لهفتي إليها . همست دون أعي ما تقول . قرّبت الفنجان من عينيّ ونظرت فيه لحين . قد تهمس مرّة أخرى فأسمعها وأدرك ما تريد قوله . نظرت إليّ من جديد ثمّ مضت تخطو مبتعدة . رأيتها وهي تغادر البنّ أخيرا وتبتعد . حاولت تهجّي الفنجان . مضيت إلى أطرافه البعيدة دون طائل . كدت أهشّمه لحظتها حتّى أعثر عليها . لماذا انفلتت ولم تبح بشيء ما ؟ هل أنا من يؤرّقها بعد أن هربت وتركتها وحيدة ؟
فجأة عدت … أنامل ليلى كانت تدفع نحوي الفنجان . بنّه كان يتضوّع بها ويربكني بعد غيبة قصيرة عنها .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق