الموقع

الفصل 8

واصل مطالعة الكتب الأدبية والتاريخية أثناء سنوات عمله في التدريس في السعودية، يحب أن يقرأ عن عادات الشعوب وتراثها وتاريخها، وكذلك عن مؤهلات الزعامة والزعماء، ظل يحاول إقناعي كي أقرأ الروايات والقصص التي يقرؤها، كان يحرص على شراء المجلات النسائية والعائلية ويحثني على قراءتها، ويلح كثيراً على ذلك، ويقرأ كثيراً في علم النفس، يستعيركتباً من أصدقائه، أو من مكتبة المدرسة، أو يشتري بعضها حسب ميزانيتنا ودخله، حتى لو كانت مستعملة أو بلا أغلفة، هواية ظلت ترافقه منذ صحبته إلى السعودية، وبرغم شكوى معظم زوجات المغتربين من بطء الأيام وعذاباتها هناك، إلا أننا كلانا كنا نشعر أن الأيام والساعات تمر مسرعة، لم تكن تشغله الكتب عني، كان يداعبني ويجالسني ويسهر معي ويرضي حاجاتي، أو يشجعني على الاسترخاء أو النوم ليقرأ ساعة أو ساعتين، مع انني كنت أتضايق من صمته والتصاقه بكتابه، قبل انتقالنا لمدينة الرياض العاصمة السعودية وأثناء عيشنا في مدينة الخرج الصغيرة صنع طاولة لنفسه من خشب الصناديق المستعملة، والتي كان يحصل عليها مجاناً من أصحاب متاجر القماش أو غيرهم يحاول كثيراً أن يشرك فهيمة في مفاهيمه، حتى السياسية والحزبية، كان يكرر قائلاً : بعد نجاح ثورة عبد الناصر ورفاقه في الخمسينيات وأوائل الستينيات أصبحت عزة النفس تملأ عقل كل عربي ومشاعره، كنت تسمع ذلك وتحسه في نفس الطفل والمرأة والرجل والشيخ والفلاح والعامل والموظف، وأول شيء ركز زكي عليه بعد زواجنا هو أن تصيبني عدوى الإدمان على القراءة الجادة، ومشاركته اندفاعه في غيرته الوطنية، وإصراره على أن الحرية والديمقراطية هما مطلبان أساسيان للإنسان العربي، حتى نستطيع حماية مكتسبات الصحوة، على أمل أن نعوض خسارة الجزء الأعظم من فلسطين عام 1948

زكي خجول غير لحوح، و فهيمة فتاة أردنية خجولة جداً أمام الغرباء، لم تكن تعنيها اهتمامات زكي أيامها، ولا تظهر اهتماماً كبيراً بما يداعب خياله، لكنه ليس ممن يعرف اليأس إلى نفوسهم سبيلاً، أثناء فترة الخطبة التي امتدت خمسين يوماً، أدرك أن لا سبيل لحديث طويل هادئ صريح معي، وإن أتيح لنا اللقاء فلا بد أن يكون أحد أشقائي حاضراً، أدرك بلماحيته عمق العلاقة الخاصة المتينة بين فهيمة وشقيقها شريف المطّ.

ساير زكي تصرفات شقيقها الأنانية، صبر على تناثر انتقاداته العشوائية يميناً ويساراً بلهجة متعالية عسكرية، مثل توزيع الألقاب المنفرة على من لا يحبهم ولا يرغب قربهم، كان شريف المطّ عميق الغور، لا يعرف أحد دواخله ولا معظم ما يثير اهتمامه، فهيمة فقط تدخل السرور إلى نفسه. نعم هي فقط، كان قلبها في عقله، وقلبه بين تلك الأصابع البناتية، عيناه وقلبه كانتا رهن إشارتها، وتزعم أنها كنت قادرةًً على توجيهها حيث تريد، تنبش ما يشغل باله وما يتمنى، مع أنها لم تكن وقتها تفهم ما وراء كل أفكاره المختلفة عن الناس، ولم تحاول تبرير تصرفاته أو نبذها ولا حتى تقويمها، وليس سهلاً عليها أن تعرف ما ينفعه أو يضره، كل ما كنت تنشده هو السلام وقبول ما يجري حولها، في ظل غياب والدهما الذي لم تعرفه ولم يرها، حين ترى تلك النظرات الحيرى، مصحوبة بهروب من واقع معقد، تدعي أنها فهمت أخاها جيداً، أنانيته كانت قاسية، صعب على أي مخلوق أن يعرف كيف يرضيه، إلا فهيمة فقط،  يقول لها (أنت فهيمة يا فهيمة!)، تزايدت مسايرة زكي لشقيقها شريف، وجد في تعلقه بلعب طاولة النرد فرصة لتسليته أو للتحدث معه ولدراسة شخصيته حسب طريقته، وبعد سنوات وفي أكثر من مناسبة  ألمح لها زكي المحجوب أنه كان يتهاون في اللعبة كي ينهزم أمام شريف المطّ، فيشعر شريف بالعزة ونشوة النصر، ولا يمل من صحبة زكي، كل هذا كان يرضيها ويعزز من مكانتها، يتفقان على جولة أخرى للسداد أولتثبيت الهزيمة، يخرج شريف للمرافق الصحية أثناء لعبهما وخلال محاولات زكي الأولى لتوثيق علاقته بأسرتنا، تلاقت أعينهما وسألها إن كانت أحب مشاهدة الأفلام السينمائية، وبسؤال سريع قبل عودة شريف سأل عن المغني الذي كانت تفضل سماعه، أخبرته في حياء طبعاً أنها تحب أغاني عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، قال لها سبحان الله اتفقنا في حبنا لهذين المغنيين، مع انه أضاف أنه يحب محمد عبد الوهاب، وخاصة في أغانيه الوطنية، وقصيدة  أخي جاوز الظالمون المدى، أو نشيد (ياسماء الشرق طوفي في الضياء وانشري  شمسك في كل سماء)، ثم  أغاني أم كلثوم، ولما عاد شقيقها غضّ زكي بصره ثم اتجه بنظراته للأعلى يطالع عناقيد العنب على شجرة الكرمة التي تظلل باح منزل شريف وفهيمة، بعدها بدقائق قليلة أعلن زكي فجأة انتهاء وقت اللعبة، صاح به شقيقها، (يا جبان، يا مغلوب، تهرب حين أحسست بالهزيمة) يبتسم زكي، ويكمل لملمة نفسه، ثم استأذن مودعاً، شاكراً وكأنه عبأ عقله بمؤونة تكفيه أسابيع أربعة، بعد أن سألها سؤالين آخرين وأجابته عليهما، اقترب منها على استحياء ومد يده، والصحيح أنه  جذب يدها لسلام التوديع، وماطل في إفلاتها لثوان فوق العادة، استكانت يدها المحضونة، ولم تعد لجانبها بالسرعة المعتادة، أدار ظهره مغادراً وقبل أن تصل يدها لجانبها، أحسست بهواء عليل يعبر ساحة منزلنا من جهة الباب الخارجي، خاطبها شقيقها عن أمر ما، لكن متابعتها لخطوات زكي لم تمكنها من فهم طلبه، لم ترق لها سلبية شقيقها المريضة الغامضة وقتها، بسبب انتهازه لخروج شريف، ومع أن الحرج كان سيظهر عليها جلياً لو أطال زكي محادثته لها أمام أخيها، أو لوتطرق إلى الحديث عن حب أو عن مستقبل، قد لا تتفوه بكلمة واحدة، إلا أنها تمنت لوفعلها، أو لوحادثها بأسلوب أكثر انفتاحاً بحضور شقيقها، لترى عمق العاطفة الغامضة والتي كانت تنبثق من أعماقه، وربما لتلفت نظر شقيقها كي لا يلومها مستقبلاً،  وتمنت أن يلحظ شقيقها ملامح زكي وهو يتردد في خطوات مغادرته.

يبدأ عرض الفيلم السينمائي على متن الطائرة، أحسست بالظلام في كل العالم، ظلام في الداخل وظلام في الخارج، ظلام على الأرض وظلام في السماء، أرفع طرف الستارة عن النافذة الصغيرة التي بجانبي، فشاهدت في زاوية معتمة نجيمات يخفقن مستأنسات برغم أنهن مفترقات، تتباعدن تارة أو تتقاربن، تتجاذبن ثم تتنافرن، لكن لا شك أنهما في عزلة مرعبة، لا أدري هل هن في شرق أم في غرب، محلقات في اللامكان واللازمان. ساعتي تشير عقاربها على أرقام وتوقيت خيالي، أين نحن الآن، بل وتحت أي سماء أو فوق أي بحر؟ فوق أي بلد أو أي جزيرة أو فوق أي سفينة؟  فوق أي حوت ابيض أو سمكة قرش زرقاء أو أي جبل جليدي؟ أعرف توقيت أمريكا من عقارب الساعة، وأستطيع أن أعرف توقيت عمان هذه اللحظة كذلك، لكن لا أنا في أمريكا ولا في عمان، فأين أنا الآن يا ترى؟ أحس بظلم المجهول الذي يولد عذاباً، تنبهني المضيفة بأن عرض  الفيلم السينمائي قد بدأ، طلبت مني ألا أفتح الستارة قائلة: “إنه سيعجبك”، لم يضايقني كلامها قالت لي قبل ربع ساعة إنني أشبه عمتها، وفهمت منها أنها شركسية  أردنية، قلت في نفسي سبحان الله، وهل تهمة الشركس تظهر لي ثانية هنا وعلى متن طائرة؟ تبتسم وكأنها سمعت خطاب نفسي،  وشعرت براحة نفسية ثم ابتعدت في همة تساعد الناس، ازداد اهتمامها بي، وتزايد إحساسي أنا الأخرى بانجذابي لها، ظلت تمر قربي كل نصف ساعة أو مثل ذلك، تسألني إن كنت بحاجة لشراب أو طعام، حتى في الطائرة حرصت على تثبيت المنديل الذي يغطي شعري وأذني ورقبتي، ويخفي فتحة الفستان تحته، النساء الكسالى يفضلن المنديل الذي يستر الشعر والرأس والأذنين بالترحيب، المنديل يريحنا من تفقد شعري وتمشيطه حسب المودة، وبتكاليف متكررة متزايدة، والآن أستطيع الخروج من البيت حتى لو صحوت من النوم قبل دقيقة، ما عليّ إلا أن أدفن رأسي بهذا المنديل، ولا يعرف الناس ما تحته، كم عذبني وكم كلفني شعري الجميل المنساب في السنوات العشر الأولى بعد إنتقالي للإقامة في أمريكا، لم تعرف أي أمريكية أنني عربية إلابعد أن نتحادث ويسمعن لكنتي وضعف تعابيري، وحتى عند ذلك يصرون على أنني إسبانية  أو  إيطالية، على فكرة ما زلت محافظةً على لون شعري الأحمر حتى وأنا على وشك بلوغ الثمانين من عمري، لا أسمح للشيب أن يغلبني، فلون شعري هو رباط قوي يعيدني إلى طفولة جبل عمان الجنوبي ولسيله الرقراق أسفل حي المهاجرين، صاحب الدكان الشركسي كان يقول لي في طفولتي وحين أذهب لشراء حاجة من دكانه (أنت عرب وشعر أحمر هذا من فين؟) قطع الله يده ولسانه، لماذا كان يمد أصابعه ليلمس شعري، أكرهه اليوم، وكنت أكرهه أيامها أكثر، كنت بلهاء ويهيأ لي أحياناً  أنني ما زلت كذلك، كان لون شعر والدتي أحمر أيضاً، لم أجرؤ أن أقول له إن شعر والدتي هو أحمر.

ظلت نظراتي منشغلة بأبعد نجمة في الأفق المجهول الذي ارتسم في خيالي، تصورت نفسي لحظتها نجمة وحيدة تحاول أن تتلألأ، لكن لا يكاد يحس بها إنس ولا جان. قلقة محتارة، وماذا سأفعل في أسابيع أربعة هي مدة إجازتي في عمان، مدة لا تكفيني، أغيب عن عمان أربعة أعوام، ثم أزورها لأقل من شهر؟ عمان تستحق شهوراً، عمان تستحق عمراً، إجازتي من عملي في أمريكا لأسبوعين سنوياً، أجمعهما بعد عامين وبموافقة المدير العام الصعبة تصبح  أسابيع أربعة، ستمضي كلمح البصر.

يا إلهي كم كنت عنيدة أيام شبابي، حاول زكي أن أعمل في الثلاثينيات من عمري وأنا في أمريكا، وكان لديه الكثير من المعارف الأمريكان والعرب المهاجرين المقيمين في أمريكا، وتوفرت له إمكانيات مادية بفضل اجتهاده ونجاحه في الدراسة والعمل وجمع المال وحرصه على العمل وعلى الأصدقاء، لو قبلت أي اقتراح منه للتمسك بأي عمل في السنوات الأولى لإقامتنا في أمريكا، لكان لدي الآن مشروع كبير، ولانشغلت به عن همومي ووحدتي،  قالها مراراً لي: (المال عصب الحياة، جالب اللذات، ومشتت الجمعات، وموفق التناقضات)، كان طموحاً وصاحب اختصاص في إدارة المال والأعمال، ولو انغمست في العمل فلن نجد وقتاً نختلف فيه أو نتخاصم، أو لما اختلفنا على مكان إقامتنا، أوعلى أسلوب تثقيف أطفالنا، أو تزويج أولادنا أو بناتنا و و و و .  . مضى أكثر العمركلمح البصر، وهاهم الثمانية تزوجوا وصرت أعجز حتى عن حفظ أسماء أحفادي، لن أتقيد بالأسابيع الأربعة، فلدي مال يكفيني للعيش في بحبوحة لشهور طويلة في عمان، وسأتصل بمدير الشركة أبلغه بأنني سأتأخر شهراً آخر وقد أتأخر أكثر، أحس أنني بحاجة لمحاسبة نفسي وتدارس حياتي الماضية، وليس أنسب من عمان مكاناً في هذه الدنيا.

لم أطق حماتي والدة زكي منذ الوهلة الأولى، أي منذ موافقة أهلي على قدوم أهل زكي لخطبتي، وبعد الزواج لم أفكر في تأسيس أية علاقة بشقيقاته، كرهت بيتهم الريفي القديم الواسع حتى قبل أن أراه، أعني بيت أهله، لا كهرباء ولا حنفية ماء ولا حتى بيت خلاء أو حمام كما هو عندنا في عمان، وكلما اعترتني حالة الكره تلك والضيق، لجأت إلى صب النقمة على والدته حماتي، لم تسيء حماتي معاملتي، وتعدى كرهي لها إلى بناتها الساكتات الساهيات، لم أقبل العيش عندهم، أصبحت تلك مشكلتي الكبرى، تأتيني أوقات أتمنى لو أستطيع الانتقام من أهلي، لأنهم أوقعوني في مكان لا أحبه، وذاك  الأحمر؟؟ أعتقد أنني لم أصادف أحمر منه، جبان رعديد غير مستقر الفكر، الذنب ليس ذنب زكي، ولا ذنبي، حضرت والدة زكي للتحدث مع أهلي حول النية لخطبتي، أهلي أحبوها واحترموها ووافقوها، وهي الأخرى من أقارب والدي البعيدين.

في أمسية في أوائل شهر يوليو تموز أحسست بنيران تتأور في قلبي، وفي رأسي جمر. وبعد مرو أكثر من شهر على زواجنا، ركبني عفريت التمرد فجأة في رام الله، قامت قيامتي ولم تقعد، لا بد من أن يأخذني زكي إلى أهلي بعد ظهر ذلك اليوم، لا حرداً ولا نكداً، هكذا أردت، وكلمتي لا بد أن تنفذ أو  تلبى، ثم لنفكر بعدها، أو ليفكر هو نفسه حسبما يريد.

جميع  أسرته كانت تحت أمره، حتى والده كان يستشيره قبل أي قرار، وفي المحصلة كانوا مهيئين جميعاً ليكونوا تحت إمرتي، يلبّون كل ما أحتاج إليه في المنزل أو للخروج معي للضواحي أو لبستانهم الكبير، عامر بجميع أنواع الفواكه الصيفية، لم أشعر بكره تجاه والد زكي أبداً، بل أحسست بعطف عليه، كان شيخاً كبيراً وقوراً، يحترم نفسه ويحبني، كان مقعداً بحاجة إلى من يخدمه، يحاول استرضائي دائماً، فيقص عليّ القصص المسلية، والتواريخ والحكايات النادرة، ويسمعني ما يخطر له ببال أو يعتقد أنه يسليني ويحببني في الإقامة معهم، أوحولهم، وحتى بغناء فولكلوري أو آيات من القرآن الكريم، يقول

–        أريد أن يهدأ بالك يا ابنتي وتطيب نفسك، وستحبين بلدتنا ومنزلنا، وحتى نستأنس بك ونفرح بطفل حفيد، فأنت منا ونحن لك ولمساعدتك، وأنا مرتاح لتجدد العلاقة بيننا وبين أهلك، ونحن عصبة أي من فخذ واحد من القبيلة، وإن كان هناك من منفعة للفلسطينيين من ضمهم للأردن ، فنحن ممن استفادوا من هذا الاتحاد، إذ قربت الوحدة أفخاذ العشيرة من بعضها، فلا تقلقي ياابنتي، سنعمل ما نقدر عليه لراحتك، ولسعادة ابننا زكي معك.

–        لكنني لا أستطيع العيش في القرية ياعم.

–        ستعتادين يا ابنتي، أدعو الله أن يعينك على الصبر والسكن معنا لسنتين على الأقل وإن أكملت ثلاثاً فمن عندك، حتى يبقى ابننا زكي قربنا، تعبنا والله كثيراً عليه حتى يصبح نافعاً لنفسه ولنا، وخسرنا كل قرش ادخرناه طول حياتنا أنا ووالدته، كنا ننتظر انتهاء دراسته الثانوية، وكافح هو الآخر وصبر على الضيم والحرمان والجوع أحياناً، وصبرنا نحن حتى نجح وعين مدرساً في قريتنا، صرنا كلنا تحت إشرافه، يهتم بنا وندعو الله دائماً أن يحفظه ويديم عليه الصحة، ودعونا كثيراً له أن يوفقه إلى زوجة طيبة، وأن يهبه ذرية صالحة، وأهل بلدتنا كلهم يحبونه.

لم أجد جواباً لائقاً أرد به على كلام عمي الشيخ الجليل الحكيم والد زكي، أحترم وقار ذلك الشيخ وضعفه وتواضعه، وتمنيت لو انني عرفت والدي، أو لو سمعته وتعلمت منه ولو أمراً بسيطا، كانت دقائق جلوسي مع عمي الشيخ والد زكي تشعرني بطعم الأبوة وتخيل والدي أمامي، لم أكن أشعر بالملل من الجلوس معه، وبرغم ضيقي من البقاء هناك، إلا أن عمي أبا زكي كان يحملني معه على متن أجنحة كلامه المسلي والمفيد ونصائحه، وبين أنغام تطريبه الشرقي والريفي القديم، وبنوتات وألحان حزينة، وعلى تواتر تنكيته وتبكيته الممتعين. كثيراً ما ساعدته في قضاء بعض لوازمه لأنني أحببت أن أخدمه، وكأنه والدي، وحتى لا تحضر إحدى بناته للجلوس معنا، وكيلا تساعده حماتي، غسلت له كأس الشاي مرات عدة، ناولته منديلاً مرطباً يمسح به فمه ووجهه، ملأت له إبريق الماء أو الشاي بالماء، غيرت وضع المساند والمخدات حوله وخلفه، فتحت له القرآن الكريم على السورة التي أرادها. هل كان كل ذلك فطرة أم هي يقظة ملاك الخير في نفسي، أو. . . إبعاد وابتعاد عن حماتي؟ وأنا زوج ابنه زكي، يشكر الله ويمدحني امام أي امرأة تمر أو رجل يتحدث معه، وحين أبتسم بعد أي حكاية يسردها على مسامعي، يطير عقله فرحا، ابنه زكي مثل أبيه، زوجي زكي النحيف الخفيف كان أكثر همه إرضائي، أو إدخال السرور إلى قلبي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق