حوارات هامة

الأديب وكاتب الأطفال “هشام علوان”:

((طفل اليوم محروم من الخيال، وهو مشروعي في الكتابة))

حاوره: محمد المطارقى

حين يتسق المبدع مع إبداعاته، ويحدث بينهما امتزاج فإنه بالتأكيد سوف ينتج حالة من الصدق الفنى، التى تصل الى المتلقى بعفوية وبساطة..حتى أن القارىء قد تأخذه الدهشة معلنا عن ذلك بانبساطة وجهه، وربما يهتف من داخله بابتهاج قائلا ياااه.. كيف ذلك؟.. أو يا الهي ، لقد استطاع الكاتب أن يرسم الشخصية بطريقة مدهشة. ذلك أن مبدعنا هشام علوان يمتلك القدرة الفائقة على الغوص داخل أغوار الطفل، بل والالتصاق به وبالبيئة المحيطة داخل فضاء النص، فيقدم لنا لغة فيها شقاوة ومرح.. لغة مبهجة ، تشبه الى حد كبير قوس قزح .
هشام علوان الذى مارس كل ألوان الأدب، يقع فى النهاية أسيرا لهذا العالم السحرى بداية من روايته (خيال ظل المهرج).. مرورا بـ (حكاية طائر النوم) و مجموعة: (قاطرة الخيال) .. ومجموعة : ( فاتي أسد نباتي ),و ( سر الجرة ) ..و( خارج العلبة) ..و (الثعلب يبيض ) و( مجلس الجدات ) وغيرها من الأعمال. والأعمال صدرت عن دور نشر مختلفة مصرية وعربية، وقد حاز علوان على العديد من الجوائز الهامة فى أدب الطفل، وتم تكريمه فى أكثر من مؤتمر. لقد أكد مبدعنا الجميل هشام علوان على أن الكاتب الحقيقى ينبغى أن يتمثل القيم النبيلة فى سلوكه وأفعاله.. وهذا ما نجده فى شخصية هذا المبدع.. فهو يمتاز بمفردات غاية فى السمو الأخلاقى، مفعمة بروح المودة والمحبة، فتشعر معه وكأنك الشخص الوحيد فى العالم الذى يؤثرك ويقدرك.. فماتلبث أن تجده كذلك مع كل المحيطين به. انه حقا مبدع رائع يستحق بالفعل أن ينال شرف الكتابة للطفل.. كما أن قراءه من الأطفال محظوظون إلى حد بعيد؛ ولما لا.. وكاتبنا استطاع بمهارة أن يصنع لهم عالم من البهجة والسعادة والمرح مع التأكيد على القيم السامية بدون صخب أو ضجيج.
وهاكم الحوار:

• حدثنا عن الطفل “هشام علوان”.. والأسباب التى أسهمت فى تكوينك الأدبى والثقافى؟
– طفل خجول، يتأمل الكون والكائنات، صموت جدًا، بداخله أفكار كثيرة، وأحلام تحقق معظمها، ربما كانت تربية جدتي لوالدي لي أثر بالغ في حياتي، كانت رحمها الله حكَّاة بالفطرة، نسجت لي مئات القصص الجميلة، وأنشدتني بصوتها العذب مواويل كثيرة، أحفظها وأرددها كلما لُذتُ إلى الذكريات الجميلة، وأستحضرها في مواقف حياتية.
كذلك الحضرة التي كان يقيمها جدي في بيتنا بالقرية، وصوت الشيخ محمد عطية يصدح بمديح النبي( ص) ، ومعه بطانة من الشيوخ المُعممين، يردون وراءه القصائد في أصوات منغمة، عرفت بعدها أنها لسلطان العاشقين عمر بن الفارض وأخرى للإمام الأكبر محي الدين بن عربي، مما دفعني في سن مبكرة جدًا للقراءة، لدرجة أنني كنت أقرأ قراطيس البقالة، بعد أن تفرغها جدتي، أجمعها ثم أبدأ التحليق في الخيال.

بدأت بالشعر، ثم اتجهت إلى الرواية.. وها أنت ترفل فى بساتين الطفولة، ما الذي جذبك إلى عالم الأطفال؟
– كل الأنواع الأدبية التي ذكرتها مهمة، والأهم أن يكون لديك الإلمام التام بلزوميات كل فنٍ منها، والإبداع رزق يسوقه الله لك، لو جاء في أي نوع بشرط أن تجيد أدوات وآليات هذا الفن، وبالنسبة لأدب الطفل، أراه الأصعب ويحتاج لمواهب حقيقية وتمكن في الأدوات الموّصلة للفكرة عبر لغة تناسب كل فئة عمرية للطفل، وجاءت كتاباتي للطفل عقب إنجابي لابني محمد، كنت أراقبه وهو صغير يقف أمام الحائط يراقب ظله، كانت أول مرة يكتشف فيها ظله، يمد يده، ثم يسحبها بسرعة، ثم يقترب من الحائط وهو يضحك، ثم يعدو مبتعدا وهو مرتعب من ذلك الكائن الأسود الذي يقلده، ألهمتني تلك الاكتشافات الخطيرة لابني، بقصة طويلة للأطفال وكان عنوانها: خيال ظل المهرج، نشرتها وزارة الثقافة، ولاقت إعجابًا من الأطفال والكبار، بعدها أحسست أنني أمتلك موهبة الكتابة للطفل، وشعرت بتلك اللذة الجميلة التي تنتاب المبدع الحقيقي حين ينتهي من نص ما، فكتبت أعمالًا أخرى لاقت قبولا كبيرًا من الأطفال والكبار، ونال بعضها جوائز مصرية وعربية.

قصصك مبهجة للطفل، وتحمل قدرا هائلا من المتعة والإدهاش.. فنجد ” خيال ظل المهرج”،”فاتى أسد نباتى”،”مجلس الجدات”..”سأحضر لك الحلوى” والتى شرفنا بالكتابة عنها. كما أن هناك العديد من الأعمال.. مابين القيم النبيلة، واللغة الطفولية المعبرة.. والإمتاع كيف يتسنى لكاتب الأطفال أن يحقق هذه المعادلة الصعبة؟
– لا أعرف السر والله، ربما يكمن السحر في ذلك، كل ما أعرفه أنني أشعر بطفل داخلي يفرح بتلك الكتابة ويبتهج حين يقرؤها، وهذا هو المقياس عندي، لو أحس ذلك الطفل الذي بداخلي بملل ما، فإن ثمة مشكلة بالنص، وهو ما جعله ينفر منه، عندها يجب إحداث عملية إصلاح شاملة له، حتى يرضى ذلك الطفل العنيد.
وربما يكمن السر في الخلفية المعرفية والثقافية للكاتب، يستحضرها من اللاشعور من دون أن يدري، فتخرج كتاباته بهذا الشكل.

هل الكتابة للأطفال صعبة بالفعل.. ومالذى يجب أن يمتلكه كاتب الأطفال الحقيقى؟
– الكتابة للأطفال صعبة جدًا، وتحتاج لأدواتٍ خاصة لابد للكاتب أن يمتلكها، فهي لا تتكيء على اللغة أو الأفكار فقط، ربما الخيال وقبس من روح المبدع يبثه في النص، فيحس به الأطفال ويقبلون عليه.
أنت تكتب لمتلقٍ عنيد وملول، وينافسك في اجتذابه قنوات كارتونية، وألعابًا إلكترونية، وأجهزة تقنية في غاية السحر، عليك أن تنتصر عليها وتأسر خياله من كل تلك المشهيات فقط بالكلمة، وهنا مكمن الصعوبة.
والذين لا يمتلكون الموهبة ويتجاسرون على الكتابة للطفل بجهالة ورعونة يسقطون في غياهب النسيان، لأن المتلقي غير مجامل بالمرة، ولديه شجاعة الرأي، وحرية الاختيار.

• “هشام علوان” الكاتب والأديب.. و”هشام علوان ” الإعلامي والمذيع بالإذاعة المصرية
• كيف يمكن للإذاعة أن تستعيد مجدها الذهبى فى تقديم برامج وأعمال معاصرة تجتذب عقل وقلب الطفل؟
– الإذاعة مظلومة جدًا، لأننا نعيش عصر الصورة، فقط تراهن على الخيال الذي يمتلكه بعض الجمهور، والطفل يحتاج لمجهود أكبر في العمل كي نجذبه ببرامج تعتمد فقط على الصوت والمؤثرات بالإضافة للنص المقدم له، وهو أمر لا يملكه أو يصطبر عليه إلا أولو العزم من الإذاعيين.
مثلًا برنامج ( غنوة وحدوتة ) والذي كان يكتبه المبدع الراحل عبد التواب يوسف وتقدمه الإذاعية الكبيرة أبلة فضيلة ( فضيلة توفيق ) في إذاعة البرنامج العام، شَكَّل وجدان أجيالٍ كثيرة إلى عهد ليس بالبعيد، ويرجع ذلك لاجتهاد عناصر انتاجه (الكاتب / المذيعة / الموسيقى / الإخراج)
الكلام نفسه ينطبق على برنامج ( فانتستيكا ) في إذاعة الشرق الأوسط، وكان يقدمه الإذاعيان ( طنط ثناء وعمو حسن )، وفي صوت العرب الإذاعة العريقة تقدم الإذاعية عبير ظلام برنامجًا يوميًا للأطفال عنوانه ( هي وأولاده )تكتبه ببراعة وسلاسة وبطريقة عصرية، بعيدة عن لغة الوعظ أو المباشرة، ويدور حول علاقة أم بأولادها من خلال مواقف عديدة، يعرف منها الطفل السلوك الصائب، ويبتعد عن التصرفات الخاطئة.
وفي إذاعة البرنامج الثقافي ( وهي إذاعة النخبة الثقافية ) نجد برنامج ( حكايات المساء ) يكتبه كاتب الأطفال المعروف محمد عبد الحافظ ناصف بشكل احترافي وجذاب، ويقدمه الإذاعي حسن عبد الفضيل، وقد أعلن مؤخرا عن أول مسابقة لاكتشاف الأطفال المبدعين على مستوى الوطن العربي في الإذاعة المصرية، وفازت بالمركز الأول في كتابة القصة القصيرة طفلة من تونس.
ولا زالت هناك محاولات حثيثة وجادة، من مبدعين للطفل وإذاعيين يمتلكون الموهبة والإرادة لتقديم برامج مميزة للطفل، تحتاج لدعم المؤسسات المعنية لوضعها قيد التنفيذ.

ما أهم الأفكار التى تشغلك طوال الوقت، وتود تحقيقها على الورق؟
– أفكار كثيرة ومتنوعة ومتغيرة أيضًا، مثل: الحرية، السخرية، التآرز، الحب، وغيرها من الأفكار الملهمة بقصص للطفل، ومؤخرًا تجتاحني أفكار فانتازية مُضحكة، نفذتُ بعضها ونشر في مجلة علاء الدين المصرية، مثل: فرقة موسيقى الغابة، وتدور حول ضفدع يعتقد أن صوته جميل، ولا يستطيع حيوان ما كشف حقيقة قبح صوته، ربما مراعاة لمشاعره، لكن في النهاية توضح له الغزالة الأمر، وتنصحه أن يصبح عازف إيقاع فينجح الأمر.
وكذلك فكرة العدالة، والتسامح، وقبول الاختلاف .. أفكار جديرة بأن تُصاغ في قصص للأطفال.

• “طفل الأمس”..”طفل اليوم”.. أيهما أوفر حظا، وهل كاتب الأطفال اليوم محمل بأعباء ثقيلة .. أكثر من أسلافه المبدعين؟
– تبدو المقارنة صعبة، ربما لأنني أمثل طفل الأمس، الذي نهل من حكايات الجدات، وسَبَحَ في النهر، وذهب في رحلات صيد للسمك، وشاهد حيوانات القرية وتعامل معها، وراقب الدجاجات ترقد فوق البيض ليفقس، وشاهد الإوز والبط في شجارات مضحكة وصاخبة يوميًا، وكان يسعد بمشاهدة برنامج تلفزيوني وحيد ( مساء الخير ) تقدمه ماما نجوى ( نجوى إبراهيم ) للأطفال كل أحد، وتدهشه حكايات أبلة فضيلة بالإذاعة، يذهب إلى الحقول ويتسلق شجرة جميز أو توت، ويشوي مع أصدقائه كيزان الذرة الطازج في الغيطان، أو حين يجتاز المقابر المظلمة ليلًا في اختبار طفولي للشجاعة أمام أقرانه، أو يزور خرابة العمدة التي تحكي لنا الجدات عن عفاريتها الزرق، لأنه أراد مشاهدة أحد تلك العفاريت واللهو معها.
كانت ألعابنا بريئة وطيبة، وبها جماعية، وغناء أحيانًا، نجتمع كل مساء في جرن القرية لنلعب استغماية أو ركبت خيولها أو بريللا بريللا … وغيرها.
أما طفل اليوم، ويمثله أولادي وكثير من الأطفال الذين يمتلكون ألعابًا كثيرة، تميل للفردية والإنعزالية، وتفتقد كثيرًا للإنسانية، رغم أنها جذابة وحديثة إلا أنها تفتقر للروح الطفولية … رغم ألعاب التكنولوجيا الحديثة وقنوات الكارتون المتعددة، والإنترنت، وكلها روافد ثقافية مهمة إلا أنني أشعر بأن طفل اليوم محروم من الخيال، وهو مشروعي في الكتابة، أريد أن أستعيد من خلال كتاباتي له ذلك الكنز الزاخم بالمتعة والادهاش، وتلك هي الصعوبة التي تواجه جيل المبدعين حاليًا.

• المبدع “هشام علوان” أسعدنا بقصصه الكثيرة المبهجة. ولكن ـ ترى ـ ماهى الكتابات التى أسعدت القارىء “هشام علوان”؟
– كثيرة جدًا، وكل إبداع حقيقي يجذبني ويسعدني، ولا أستطيع أن أسرد أسماء لأن القائمة تطول، لكن هناك أعمال مؤسسة لوجداني في مرحلة الطفولة أحببتها وكثيرًا ما أحن لمعاودة قراءتها من وقت لآخر، مثل : ألف ليلة وليلة، وحكايات الجن الألمانية، وكليلة ودمنة، وأنبياء الله لأحمد بهجت، والليلة الكبيرة لصلاح جاهين،
والأيام لطه حسين، وكتابات كامل كيلاني ومحمد سعيد العريان، وهانز كريستيان أندرسن، وغيرهم الكثير.

• ألا تتفق معى أنه لابد من الانتباه إلى الطفل أكثر باعتباره البنية الأساسية فى مجتمعنا؟
– طبعًا .. الطفل يعني المستقبل الآتي، واهتمام الدول به يعكس درجة وعيها بما تحب أن يكون عليها حاضرها وقادم أيامها، وأتمنى أن تهتم الحكومات بثقافة الطفل، ورصد ميزانيات كافية لها، واختيار خبراء ومثقفين حقيقيين لتنفيذها على النحو الأمثل، والبعد عن الشكليات والتعقيدات البيروقراطية المعوّقة للإبداع.

وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار.. ؟
– للعاملين في مجال ثقافة الطفل، القابضين على جمرة الإبداع المتقدة بصدق ومحبة، استمروا ولا تيأسوا وإن بدت الأجواء معتمة، فإن ضحكة طفل تشبه بزغة ضي تبدد كل الأحزان، وأطفالنا يستحقون منا هذه المكابدة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “الأديب وكاتب الأطفال “هشام علوان”:”

  1. كاتب ملىء حياته بالافكار الثرية وقلمه بالمعجزات التي تبني أجيال الغد ننتظر منه الكثير دائما على الطريق سويا موفق باذن الله تعالى
    مجدي الفقي

  2. حوار شيق ، استمتعت به كثيرا ، الشكر للمحاور المبدع محمد المطارقي ، والكاتب المبدع هشام علوان الذي يدهشني دائما بأفكار جديدة ومغايرة يقدمها للطفل العربي

  3. حوار شيق ، استمتعت به كثيرا ، الشكر للمحاور المبدع محمد المطارقي ، والكاتب المبدع هشام علوان الذي يدهشني دائما بأفكار جديدة ومغايرة يقدمها للطفل العربي نجلاء علام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق