قراءات ودراسات

في أفياء بدائع لغة الوحي

د. عاصم زاهي مفلح العطروز

في أفياء بدائع لغة الوحي
الحمد لله حمد الشاكرين، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على خير خلقه المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغرّ الميامين. وبعد:
وقبل الشروع في موضوع هذه الدراسة، فإنني سأخصصها بدراسة (لا النافية للجنس)؛ وإنما وقع اختياري عليها لتكون موضوع الدراسة ومقام البحث بسبب بيت من الشعر، هو ثاني بيتين سمعتهما عَرَضا، فأثار اهتمامي ما تضمنه البيتان من معاني العزة والشمم وإباء الضيم. ولفت نظري وبعث استهجاني، بل قل إنكاري ما بدا لي في ثانيهما من لحن. وهذان البيتان هما:
وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها

وإذا يُحاس الحَيْسُ يُدعى جندبُ
هذا لعمركم الصَّغار بعينه

لا أُمَّ لي إنْ كان ذاك ولا أبُ

د. عاصم زاهي مفلح العطروز

فقلت في نفسي: كان ينبغي أن يقول: “لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أبا”، فكيف عطف مرفوعا على منصوب؟! وهل لذلك من مسوِّغ؟ أم إن القارئ قد أخطأ في قراءته للبيت، أو لحن فيه قائله؟. ثم أخذت أبحث عن هذا البيت، فوجدت أنه من شواهد سيبويه، وأنه قد أورده تحت: “باب ما جرى على موضع المنفيّ، لا على الحرف الذي عمل في المنفي” ؛ محتجا به على العطف لا على اسم (لا)، بل على موضع اسمها، وهو الرفع؛ لأنه في الأصل مبتدأ. كما تبين لي أن كثيرين من النحاة قد احتجوا به على هذه المسألة، وأن القارئ لم يخطئ إذ قرأه كما قرأه، وأن الشاعر لم يلحن حين نظمه.
وحرصاً منّي على أن تكون الدراسة أوضح جلاء وأوفى بيانا، فسأختار قبسات من الذكر الحكيم، فأبرز مظاهر الإعجاز اللغوي والبياني في أعطافها، تلكم المتحصلة من استعمال هذا الحرف وما تُخُيِّر له من ألفاظ، وانتُقُي من قرائن سابقة ولاحقه؛ يتبدّى بها ما للآي الكريمة من حلاوة، وما عليها من طلاوة، ويتجلى فيها إعجاز النظم، وروعة البلاغة، وعذوبة البيان التي تستحوذ على الألباب، وتأخذ بمجامع الأفئدة والقلوب، وتتردّد مثانيَ تقشعر منها جلود الذين يخشون ربهم. فأقول، وبالله التوفيق:
قبل الولوج إلى هذه الرحلة التي طوّفت فيها في معاني هذه اللغة العليّة، مع فنن غضّ من أفنان دوحها الغضّ النديّ، طويتُ فيها الأصيل وجُبتُ السَّحَر، بلا طارق من كلل، ولا هاجس من ملل، زادي فيها أُمهات المصادر، وأنيسي نسمات الفجر وخلجات النجوم، فقد آن لي أن أبدأ فأتفيأ ظلال الذكر الحكيم؛ فأتملّى روائع إعجاز النظم، وأجتلي رُواء البلاغة ولألاء البيان في أعطاف آيتين كريمتين؛ هما قوله تعالى: ﴿الٓمٓ ۝1 ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ۝2﴾، وقوله جلّ شأنه: ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾

فأمّا الشاهد الأول، فقوله تعالى:
﴿الٓمٓ ۝1 ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ۝2﴾ (سورة البقرة، الآية:2)
وهاتان هما الآيتان الأوليان من سورة البقرة. وقد جاء في الحديث أن هذه السورة الكريمة هي سنام القرآن وذروته، وأن آية الكرسي منها سيّدة آي القرآن، استُخرجت من تحت العرش فوُصلت بها. وكما جاء في الحديث أيضا أن الفاتحة أفضل سور القرآن، جاء فيه أن سورة البقرة أفضل سور القرآن.
ولست أعني بهذا، ولا أحسب أحدا يعني المفاضلة بين سور القرآن الكريم؛ فالقرآن كله كلام الله. وإنني أذهب مع الذين ذهبوا إلى أن المراد بالمفاضلة ما هو خير للقارئ وأعظم أجرا. وسورة البقرة بهذا المعنى هي الأفضل لتاليها وقارئها؛ إذ هي أطول سور القرآن الكريم، فيعود عليه من الثواب في قراءتها أكثر مما يعود عليه من قراءة غيرها.
وعودا على القبس المتضمّن (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها- موضوع الدراسة-: “لا ريب فيه”، وما اختير له من ألفاظ وانتقي من قرائن سابقة ولاحقة؛ سابقة هي: “الم ذلك الكتاب”، ولاحقة هي: “هدىً للمتقين”، أو: “فيه هدى للمتقين”؛ لنتأمل كيف تحصّل من هذا وذاك وذلك هذا الإعجاز الباهر المبهر في النظم، وتلك الروعة المتلألئة من عذوبة البلاغة وسحر البيان.
بدأت الآي الكريم بهذه الأحرف الثلاثة، وهي وسواها من الحروف التي افتُتحت بها بعض سور القرآن الكريم مما تعددت أقوال العلماء فيها وتباينت آراؤهم لديها.
وقد رأيت أن أثبت ما قاله ابن فارس؛ فقوله جَماع التأويلات كلها، قال: “… وأقرب القول في ذلك وأجمعه قول بعض علمائنا: إنّ أولى الأمور أن تُجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحدا فيقال: إن الله جل وعز افتتح السور بهذه الحروف؛ إرادةً منه الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة، لا على معنى واحد؛ فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا للسور، وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله جل ثناؤه، وأن يكون الله جل ثناؤه قد وضعها هذا الموضع قَسَما بها، وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين، وهي –مع ذلك- مأخوذة من صفات الله جل وعز في إنعامه وأفضاله ومجده. وأن الافتتاح بها سبب لأن يَستَمع إلى القرآن من لم يكن يستمع. وإن فيها إعلاما للعرب أن القرآن الدال على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو بهذه الحروف، وأن عجزهم عن الإتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالَمة بينهم دليل على كذبهم وعنادهم وجحودهم، وأن كل عدد منها إذا وقع في أول سورة فهو اسم لتلك السورة”.
كما اختلف في إعرابها أو عدمه، والأكثرون على أنها معربة، وأنها تحتمل ثلاثة أوجه الإعراب؛ النصب، على تقدير فعل مضمر؛ نحو: (اقرأ الم). والرفع على أنها مبتدأ، أو على أنها خبر لمبتدأ مضمر؛ على تقدير: هذه الم، ونحو ذلك. والجرّ على تقدير حرف قَسم مضمر.
أما (ذلك) فمؤلفة من ثلاثة أحرف؛ هي (ذا) وهو اسم إشارة عند البصريين. والذال وحدها هي اسم الإشارة عند الكوفيين ، زيدت فيه الألف للتقوية وبيان الحركة، وجمعه (أولاء). واللام بعدها للتوكيد والدلالة على بُعد المشار إليه، وقد حُرّكت بالكسر للتفريق بينها وبين لام المِلْكيّة؛ نحو: لَكَ، ودخلت لتدل على أن (ذا) ليس مضافا إلى (الكاف)، و(الكاف) حرف خطاب لا محل له من الإعراب؛ إذ هو ليس في موضع رفع، ولم يتقدمه ناصب فينصبه، ولا جارٌّ فيجرّه.
ولسائل أن يسأل: لم استعمل اسم الإشارة: (ذلك) وهو مخصص بما كان بعيدا، ليشار به إلى القريب، وهو القرآن الكريم: (الكتاب)؟. وللإجابة عن هذا السؤال أقول: ذكر ابن كثير أن عددا من العلماء سمّاهم قالوا: إن (ذلك) في هذا الموضع بمعنى (هذا)، وأن العرب قد تستعمل اسم الإشارة مكان الآخر، وأنه قد جاء في الذكر الحكيم؛ نحو قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ﴾. (سورة الأنعام، الآية:102)
وذهب الزمخشري إلى أن الإشارة ليست للكتاب، وإنما هي لـ (الم)، وأنه قد سبق النطق بها وانقضى، وأن المنقضي في حكم البعيد، ومثّل على هذا بأن الرجل يتكلم بكلام وما إن يفرغ منه حتى يقول: وذلك ما لا شكّ فيه.
والذي أراه هو أن الإشارة إلى (الكتاب)، وأنه أراد باستعماله بُعد المكانة، فلا هو بمعنى (هذا)، ولا هو بمشارٍ به إلى “الم”، وأن من قالوا به قد أبعدوا النجعة وأغرقوا في النزع.
وأعرب مكي بن أبي طالب (ذلك) على أنه خبر لمبتدأ مضمر، أو أنه مبتدأ خبره مضمر. وأعربه الزمخشري على أنه مبتدأ ثان، وخبره “الكتاب”، وأنه وخبره في موضع رفع خبر “الم”، التي أجاز أن تكون مبتدأ . وأعرب مكي بن أبي طالب “الكتاب” على أنه بدل من اسم الإشارة قبله، أو أنه عطف بيان، أو خبر لـ “ذلك”، وأعربه الزمخشري: صفة.
و”لا” نافية للجنس، و”ريبَ” اسمها مبني على الفتح في محل نصب. و”فيه” جار ومجرور، يجوز إعرابهما في موضع رفع خبر “لا”، أو أنهما متعلقان بخبرها المضمر؛ على تقدير: كائن؛ فكأن الأصل: لا ريبَ كائنٌ فيه. وقد ذُكِر أنه لم يقرأ أحد من القرّاء: “لا ريبٌ”؛ بالرفع . وقد قرئ بالوقوف على “ريب”؛ فيكون خبرها مضمرا على تقدير: “فيه”؛ فتكون “فيه” الواردة في الآية في موضع رفع خبر مقدم، أو هي متعلقة بخبر مقدم، و “هدى” بعدها مبتدأ مؤخر، أو فاعل؛ على تقدير أن “فيه” متعلقان بفعل تقديري: يستقرّ، أو يوجد؛ فكأنه قال: يوجد فيه هدى.
وقد ذهب مكي بن أبي طالب إلى أن “هدى” في موضع نصب على الحال. وكذلك فعل ابن كثير. ولستُ أرى لها وجها، وأنه إن أمكن تقديرها منصوبة، فعلى أنها مفعول لأجله أقوى من إعرابها حالا.
بعد هذا، آن لنا أن ننظر في هذا القبس النيّر الكريم؛ فنتأمل كيف تُخُيِّرت الألفاظ وانتُقيت القرائن. فأما “الم” فإنني لن أقول فيها غير: الله أعلم بمراده. يطالعنا بعدها اسم الإشارة: “ذلك” وقد انتُقي ليشار به إلى القرآن الكريم: “الكتاب”؛ تدليلا على علوّ مكانته وسموّ منزلته؛ فبعيد من أن يؤتى بمثله، بل بسورة من مثله، وبعيد على أن يحرّف أو يبدل، وبعيد من أن يمسه غير المطهرين. ثم لنتأمله يأتي بـ “الكتاب” معرفا؛ إمعانا في التعظيم والتدليل على علو المكانة وسمو المنزلة. وقوله: “ذلك الكتاب” كأنه قال: هذا هو الكتاب حقا وصدقا؛ فكأن كل كتاب غيره لا يستحق أن يسمى كتابا. ثم لنتأمل كيف انتقى (لا) النافية للجنس دون سائر حروف النفي وأدواته؛ لكي لا يدور في خَلَد أحد، كائنا من كان، أو يطرق ذهنه، أو يتسلل إلى خاطره بأن في القرآن الكريم أدنى من ذرّة من شك.
ثم لننظر كيف انتقى لفظ “ريب”، ولنعد إلى معاجم اللغة نستنبئها عن معاني هذا اللفظ ودلالاته، إنها تقول لنا: “الرَّيْبُ والرّيبة: الشكّ والظّنة، والتُّهمة… وقد رابني الأمر وأرابني: علمت منه الرِّيبة، ورأيتُ منه ما يُكره…” . فهل في اللغة من لفظ غير هذا يؤدي هذا المعنى المراد أو يقوم مقامه؟ الجواب حتماً (هيهات). إن أقرب معنى إليه هو (الشك)، ولو كان (الشك) يقوم مقام (الريب) لما جاء في الذكر الحكيم موصوفا بالريب في ستة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۢ ﴾ (سورة سبأ، الآية:54)، ولم يأتِ فيه وصف الريب بالشك.
ثم لنتأمل تقديمه لاسم (لا) على خبرها الظرف: “فيه”؛ ليفيد نفي الريب، وكل ما داناه أو تعلق منه بسبب عن القرآن الكريم؛ وليبيّن ويثبت أنه الحق والصدق. وهو لو قدّم الظرف؛ فقال: لا فيه ريبٌ، لكان المعنى بعيدا عن المراد؛ فلأفاد بأن الريب ليس فيه بل في كتاب آخر. يجلّي هذا المعنى قوله جل وعز: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ (الصافات، الآية:47)، وهو في هذه الآية الكريمة يصف خمرة الجنة، وقد انتقى للنفي فيها (لا)، ولكنها ليست نافية للجنس؛ لتقدم خبرها على اسمها، وهو الظرف: “فيها”؛ ولذلك رفع ما بعدها: “غَوْلٌ”؛ على أنه مبتدأ مؤخّر، خبره “فيها”، وصار المعنى على هذا تفضيل خمور الجنة على خمور الدنيا؛ فكأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من الاسكار والعبث بعقول شاربيها.
ولأختم بالموازنة بين قراءة: “لا ريبَ”، و”لا ريب فيه” فأقول: إن القارئ المتمعن في المعنى المتحصل من كل من القراءتين، يتبين له الفرق في الدلالة واضحا جليا؛ فإلحاق “فيه” بـ “ريب”، وقراءة: “لا ريب فيه” وإتباعها بقراءة: “هدى للمتقين” تصير فيه “هدىً” وصفا للقرآن الكريم؛ إذ يصير المعنى: الكتاب هدى. ولو وُقِف على “ريب”، وقرئ: “فيه هدى” لجاز أن يقوم في الذهن أن فيه شيئا آخر غير الهدى. وفرقٌ بين أن يكون القرآن هدى، وأن يكون فيه هدى.
ولسائل أن يسأل: لم تخيّر لفظ: “المتقين”؛ فقال: “هدى للمتقين”، والمتقون مهتدون أصلا؟ فيجاب بأن الرجل العزيز الكريم قد يدعو له أحدهم بقوله: أعزّك الله وأكرمك، والمعنى: زادك عزّا وإكراما. فالمتقون مهتدون حقا، والذكر الحكيم يزيدهم هدى على هدى، وتقوى على تقوى.

– وأمّا الشاهد الثاني، فقوله تقدّست أسماؤه:
﴿ وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ (سورة الكهف، الآية:39)
هذا قبس من الآية التاسعة والثلاثين من سورة الكهف. وقد ورد في فضلها وفضل الآيات العشر من أولها وآخرها أحاديث كثيرة؛ منها أنها عصمة من الدجّال، وأن من قرأ أولها وآخرها كانت له نوراً من رأسه إلى قدمه.
والآية موضوع الدراسة بتمامها: “ولولا إذ دخلت جنتك قلتَ ما شاء الله لا قوّة إلا بالله إن ترنِ أنا أقل منك مالا وولدا”. وهي في أعطاف قصة رجلين، فقير مؤمن، وكافر ثريّ أنعم الله عليه بجنتين غنّاءين. إنها تلخيص للدنيا وما فيها، وما سيؤول إليه، وللناس وما هم عليه أو فيه؛ الدنيا وما فيها من متاع وزخارف ومعالم بهجة، ممثلة بهاتين الجنتين، ثم مآلها وما فيها، إلى ما آلت إليه هاتان الجنتان وما كانتا تحويان. والناس وأصنافهم ممثلون بهذين الرجلين، الناس وما فيهم من المؤمنين والكافرين، من الفقراء والأثرياء، ممن يصبر ويقنع بالقليل ويشكر، ومن لا يرضيه الكثير فهو دائب الطمع دائم الجشع. إنها المثل يُضرب للقيم الإنسانية؛ القيم الزائفة الزائلة، والقيم الأصيلة الخالدة. إنها النموذج الجليّ للنفس المعتزة بزينة الحياة والنفس المعتزة بالله.

وعوْدا على القبس المتضمن (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها –موضوع الدراسة-: “لا قوة إلا بالله”، وما اختير له من القرائن المتقدمة والتالية؛ فتحصّل منها هذا الإعجاز البديع، وذلك البيان الآسر. ولما كانت القرائن بعيدة عن موطن الشاهد، فإنني سأكتفي بِلُمَعٍ منها، فأقول: بدأت القصة من الآيات الكريمة بقوله جل شأنه: ﴿واضرب لهم مثلا رجلين﴾. فلنتأمل انتقاء الفعل “اضرب” للمثل، لِمَ لَمْ يقل: واحْكِ، أو واروِ، أو وقُلْ؟. إن الضرب يترك أثرا في الجسد، وإن المثل يترك أثرا في النفس، وقد يكون أثر ما يتركه سماع المثل أقوى وأبلغ مما يتركه الضرب. وهكذا يتبين لنا حكمة استعمال الفعل (ضَرَب) للأمثال.
ثم تأمل كيف نوّن “مثلاً”؛ ليصلح ما بعده: “رجلين” أن يكون بدلا من (المثل)؛ فيكون كلاهما شيئا واحدا، ولو هو لم ينوّن، بل أضاف المثل إلى الرجلين لما تحصّل هذا المعنى، ثم استعمل ضمير العظمة (نا)؛ فقال: (جعلنا)، وقال: “وحففناهما”. ثم انظر كيف قدّم “كلتا”؛ فجعلها مبتدأ، ولم يؤخرها فتكون توكيدا؛ للتفريق بينهما، ولإيضاح البيان بأن كلا منهما قد آتت أكلها. وفرق بين قوله سبحانه: ﴿كلتا الجنتين آتت أُكلها﴾، وقول: الجنتان كلتاهما آتت أكلها؛ إذ يكون مقدار (الأُكل) في تركيب الآية أكثر كثرة، وأغزر غزارة. ثم تأمل كلمة: “نَهَراً”، والمشهور في اللغة تسكين الهاء، فحركها بالفتح؛ لتلتقي ثلاث فتحات؛ فيناسب نطق الكلمة جريان الماء في هذا النهر وتسلسله. ثم تأمل قوله جل شأنه: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا﴾ (سورة الكهف، الآية:36)، كيف قدم المفعول الثاني الصفة، فجعله مفعولا أولا، وأخّر المفعول الأول الموصوف؛ مناسبةً لما في نفس هذا الطمّاع الجشع، وكان الأصل: لأجدن منقلبا خيراً منها.
ثم انظر في قوله –تقدست أسماؤه-: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ﴾ (سورة الكهف، الآية:35)، وقوله: ﴿فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ﴾ (سورة الكهف، الآية:34)، فقد ذكر أن هذا الرجل الكافر دخل جنته، أو قل: حديقته، أو بستانه، ولم يَجْرِ لصاحبه المؤمن من ذكر في دخولهما معا، حتى بينت الآية الثانية أنهما كانا معا. إن هذه النفس المؤمنة لا تنظر إلى زخارف الحياة الدنيا ومتاعها الزائل؛ وليس مكان المتع واللهو والكِبر لها بمكان، وإنما مكانها الوعظ والإرشاد وإسداء النصح وبيان سبل الهدى.
ثم تأمل قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ﴾، إن اسم الفاعل: “ظالم” منون، وكان سيعمل، فينصب (النفس) مفعولا به، ولكنه زاد لا التقوية. “لنفسه”؛ لبيان شدة ظلم هذا وأمثاله لأنفسهم.
وتأمل قوله: ﴿ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ (سورة الكهف:38)، والأصل: لكنْ أنا هو الله ربي؛ فـ (أنا) ضمير في موضع رفع مبتدأ، و “هو”: مبتدأ ثان، ولفظ الجلالة بدل من (هو)، و “ربي” خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية منه ومبتدئه في موضع رفع خبر المبتدأ الأول.
والأصل: لكنْ أنا الله ربي، فـ (أنا): مبتدأ، ولفظ الجلالة: مبتدأ ثان، و “ربي”: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية منه والمبتدأ في موضع رفع خبر المبتدأ الأول. وزاد “هو”؛ تدليلا على صدق إيمان هذا الرجل به سبحانه، وإخلاص توحيده له. وقدّم لموضع الاحتجاج بحرف التحضيض: “لولا”؛ فكأنه قال لذلك المخاطب: فهلا قلت إذ دخلت جنّتك: “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”. وفي قوله: “ما شاء الله” يجوز في “ما” أن تكون اسما موصولا في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ على تقدير: الأمرُ ما شاء الله، أو أن تكون اسم شرط في موضع نصب مفعول به للفعل “شاء”، وجواب الشرط محذوفا، والتقدير: أيَّ شيء شاء اللهُ كانَ.
ثم تُخيّر للمقام ما يناسب الرد على أشر هذا الكافر وكل كافر وبطره وتعاليه وغروره: “لا قوة إلا بالله”، فأيّ أشر، وأي بطر وأي تعال فيك يا من كنت ترابا ثم نطفة، ثم ستعود ترابا كما كنت في أول أمرك واصل خلقك، فأين قوتك ما أضعفك؟! إن القوة لله جميعا، لا شريك له في عظمته، وكبريائه وقوته. واختار (لا) النافية للجنس من بين سائر حروف النفي وأدواته لأداء هذا المعنى؛ معنى نفي جنس أية قوة عن أي مخلوق كان.
ولما كان موضوع النفي صفة قد يتعدد المشتركون فيها والموصوفون بها فقد جاء بـ (لا) النافية للجنس، وجاء بعدها بأداة الحصر والقصر: “إلا”؛ ليفيد حصر الصفة به سبحانه وقصرها عليه جل في علاه، فأية قوة تلك التي قد يدعيها مدّعٍ أو يزعمها زاعم أو يتبجح بها متبجح، أو يغتر بها مغتر قياسا إلى قوته سبحانه؟! إن القوة لله جميعا لا شريك له ولا شبيه فيها ولا في أية صفة من صفاته العلى. إن كل قوة إلى قوته عجز، وكل كرم إلى كرمه شحّ، وكل غنى إلى غناه خصاصة، وكل كبرياء إلى كبريائه ذلة وصَغار.
وتأمل كيف اختار حرف الإلصاق: (الباء)، دون حرف الملكية: (اللام)؛ فقال: “لا قوة إلا بالله”؛ ذلك لأن (الباء) تفيد تعلق المنسوب بالمنسوب إليه، والمحكوم بالمحكوم له، والصفة بالموصوف تعلقا لا انفصام له. ثم تأمل قوله: ﴿إِن تَرَنِ﴾ (سورة الكهف، الآية:39)، وقوله: ﴿ فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ﴾ (سورة الكهف، الآية:40). إن الرسم القرآني توفيقي توقيفي، فتأمله وقد حذف ضمير المتكلم المفعول –الياء- في الموضعين. فأفاد حذفه فائدتين: فائدة الدلالة على ما فيه هذا العبد المؤمن المتكلم من التواضع ونكران الذات، وعزوه ونسبته كل فضل، وكل قدرة وكل قوة لخالقه سبحانه، وفائدة الإسراع في النطق التي تتفق وإيمانه بقدرة الله عز وجل على تغيير ما يشاء، وفعل ما يريد –هاتان غير فائدة الإعجاز الصوتي المتحصّلة من هذا الحذف-. إن هذا العبد المؤمن في موقف الوعظ والهداية، وهو صادق الرجاء بالله، ممتلئ الإيمان بقدرته سبحانه على فعل ما يشاء؛ فما أسرع ما يؤتيه جنة هي خير من كل جنان الأرض، وما أسرع ما يأتي أمره، فلا يكاد هذا الكافر ينظر حتى يرى جنته المتباهي بها وقد غدت قاعا صفصفا، وغدا كل ما فيها هشيما تذروه الرياح.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنّه حسبنا واليه مناب

 

*أستاذ مساعد في النقد الأدبي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق