قراءات ودراسات

دور السياسات الثقافية في الاضطرابات الاجتماعية والثورات الشعبية في الوطن العربي

د. علي القاسمي

الديمقراطية والتنمية البشرية:  في تاريخ الأفكار، تبرز الديمقراطية منارةً سامقةً تهفو إليها قلوب الناس؛ لأنَّها، على الرغم من مساوئها، تؤدي إلى قيام مجتمعٍ تُصان فيه حقوق الإنسان، وتحفظ كرامته. واحترام حقوق الإنسان شرطٌ أساسيٌّ لتحقيق التنمية البشرية. ويتلخَّص مفهوم التنمية البشرية في تمتُّع جميع أفراد الشعب بصحَّةٍ جيٍّدةٍ وعمرٍ مديد، ومستوىً تعليميٍّ جيّد، ودخلٍ فرديٍّ يكفي للعيش بصورةٍ تليق بالكرامة الإنسانية..  ومعروفٌ أنَّ وصفة تحقيق التنمية البشرية لم تعُدْ سرّاً، وإنَّما هي وصفةٌ مشاعةٌ طبّقتها في الستينيّات من القرن الماضي دولٌ كانت أقلَّ نموّاً من الأقطار العربية، مثل فنلندة وماليزيا وكوريا، فأصبحت اليوم من بين الدول ذات التنمية البشرية العالية، في حين تراجعت التنمية في الأقطار العربية بحيث أمست تُصنّف ضمن الدول ذات التنمية المتدنية، طبقاً لتقارير التنمية البشرية التي ينشرها سنوياً البرنامجُ الإنمائي للأمم المتحدة.

وتتكوَّن وصفة التنمية من ثلاثة مقوِّمات هي: الديمقراطية التي تطلق الإمكانات الخلاقة لأوسع الجماهير؛ وتعليمٌ إلزاميٌّ جيّد، لجميع أبناء الشعب على نفقة الدولة ، باللغة الوطنية التي تتيح تَمثُّل المعرفة، وإنتاجها، وتداولها بسرعة؛ واستثمار آخر معطيات العلوم والتكنولوجيا في الخدمات والإنتاج الزراعي والصناعي وغيره.

ولا يكفي، لتحقيق الديمقراطية، وجود دستورٍ وقوانين تعترف بالديمقراطية وتقرّ حقوق المواطنين، وإنما هنالك حاجة إلى نشر ثقافة ديمقراطية في مجتمع، تضطلع فيه مؤسَّسات المجتمع المدني بدورٍ بارزٍ في حماية الديمقراطية، وتفعيلها، وتنميتها، وتوجيهها، والحدّ من نقائصها.

جوهر الديمقراطية :  مهما تعدَّدت أنظمة الحكم الديمقراطي وتنوَّعت مؤسَّساته، فإنَّ الديمقراطية، في جوهرها، تقوم على دعامتيْن أساسيتيْن، هما: المساواة والحرية. تعني المساواة تكافؤ جميع المواطنين أمام القانون في الحياة، والكرامة، والتعلّم، والعمل، والمشاركة في إدارة الشؤون العامة وتولي السلطة. أمّا الحرية، فقد تطوَّر مفهومها على مرِّ العصور. ففي حين كانت في الماضي نقيضاً للعبودية والأسر، أصبحت الحرِّية اليوم حرِّياتٍ متعدّدةً متجسِّدة في حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية والسياسية، والحرِّية الاقتصادية التي ترتِّب حقوقاً للمواطنين على الدولة في التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والتعويض عن البطالة. وتؤدّي مراعاة حقوق الإنسان إلى تحقيق العدالة التي هي أساس المُلك، أي استتباب السِّلم الداخلي، وتجنُّب التوتُّرات الاجتماعية والثورات الشعبية.

المؤسّسات في الدول الديمقراطية:  في الدول الحديثة، تقسَّم المؤسُّسات على قسميْن رئيسيْن:

أ‌) المؤسَّسات الرسمية، المتمثلة في السلطة التشريعية التي تسنّ القوانين، والسلطة التنفيذية التي تتولّى إدارة البلاد وتسيير شؤون المواطنين، والسلطة القضائية التي تسهر على تطبيق القوانين واحترامها. وتتمتع هذه السلطات بالاستقلال وعدم التدخل في شؤون بعضها.

ب‌)  المؤسسات غير الرسمية، التي تنقسم بدورها على نوعين:

1)   المجتمع السياسي، الذي يتألف من الأحزاب السياسية، وتحالفاتها، وحملاتها الانتخابية. وهدف هذا المجتمع السيطرة على الدولة في جميع مستويات السلطة وفي كافة المجالات الإدارية والقضائية والتشريعية والعسكرية.

2)   المجتمع المدني، الذي يتألَّف من الحركات الاجتماعية الممثَّلة في منظِّمات غير حكومية (وطنية أو دولية) ومؤسَّسات شعبية، ليس من أغراضها الربح المادي، وليس من أهدافها الاستيلاء على السلطة، وإنَّما غايتها الأساسية دعم الديمقراطية ونشرها، والدفاع عن حقوق المواطنين وترسيخها، وضبط سلطة الدولة، ونقد الإجراءات الحكومية المخالفة للقوانين ومصالح المواطنين والكشف عن مواطن الفساد والحدّ منها.

مكوّنات المجتمع المدني:  يتألَّف المجتمع المدني من مؤسسات تمثِّل مصالح المواطنين، كالجمعيات الخيرية التي تعنى بالفقراء، وكبار السنِّ، وأصحاب الاحتياجات الخاصة، والمواطنين الذين يعانون العزلة والوحدة ؛ وجمعيات الدفاع عن مصالح المستهلكين؛ وكالاتحادات والنقابات المهنية والعمّالية التي تدافع عن حقوق المهنيين والعمّال مثل اتحادات ونقابات المحامين، والمعلِّمين، والعمال، والأدباء والأطباء؛ والمؤسَّسات الثقافية الرامية إلى توعية المواطنين بالقضايا القانونية، وترسيخ الثقافة الديمقراطية.

مؤسّسات المجتمع المدني والديمقراطية:

يؤمِن نشطاءُ المجتمع المدني أنُّ الديمقراطية هي السبيل الأمثل لإيجاد مجتمع المعرفة، وتحقيق التنمية البشرية. والديمقراطية ليست أمراً حتمياً، ولا تتحقَّق بسهولة، وإنّما عبر الإخلاص والنضال والتضحية.  ولهذا، فإنَّ مؤسَّسات المجتمع المدني تسعى إلى تعزيز الديمقراطية، وذلك عن طريق نشر الثقافة الديمقراطية في المجتمع، وتقوية الدافع الأخلاقي لدى أفراد المجتمع، وتحفيزهم على المشاركة السياسية، وجعل الديمقراطية فاعلة اجتماعياً واقتصادياً. وتنظيم دورات تدريبية لإعداد القادة وتوفير زعماء سياسيين جدد من بين الشباب الصاعد.

ويشجِّع نجاحُ مؤسسات المجتمع المدني على تكاثرها للدفاع عن مصالح الشرائح المختلفة في المجتمع. ويؤدّي وجود مصالح متنافسة وتجاذبات متعدّدة في البلاد إلى تقوية الدولة واستقرارها، واستمرارها في نظام ديمقراطي، ويجنّبها الوقوع في يد فئةٍ واحدةٍ أو مصلحةٍ واحدةٍ، بل تبقى الدولة لصالح جميع الفئات.

المجتمع المدني في دولة القانون وفي دولة القمع:

يرى الفلاسفة وعلماء السياسة أن أهمَّ خصائص ” دولة القانون” المساواة بين مؤسَّسات الدولة ومؤسَّسات المجتمع المدني. وقد أخذت دولٌ عديدةٌ بهذه النظرة.  أمّا الحكومات التسلُّطية والقمعية، فإنَّها تعمل على محاربة مؤسَّسات المجتمع المدني أو احتوائها بحيث تصبح مجرّد أبواق للحاكم المستبدِّ أو الحزب الوحيد، لتلميع صورته، وتسويغ إجراءاته القمعية، بحجة المحافظة على أمن المواطنين ومحاربة الإرهاب. وهكذا تقوم أنظمةُ الحكم التسلُّطية بتحويلها إلى وسائل بيدِ الحكومة لتثبيت سلطتها وهيمنتها. فالحكم الاستبدادي يجمع بين القمع والخداع لإخفاء مساوئه، ويستخدم الإعلام للمبالغة في عرض منجزاته وتلميع صورته، بدلاً من أن يكون الإعلام وسيلةً لنقد السلطة وكشف فسادها. وبعبارةٍ أخرى، فإن الدولة التسلُّطية تستخدم السلاح للترهيب والإعلام للترغيب،  أو كما قال الشاعر المتنبي:

إذا كان بعَضُ الناس سَيفاً لدولةٍ   ففي الناسِ بوقاتٌ لها وطبولُ

فالدولة الشمولية تلجأ إلى إغداق الأموال على مؤسَّسات المجتمع المدني الحليفة، وترهيب مؤسَّسات المجتمع المدني المعارضة والتضييق عليها. ولهذا تضطر بعض مؤسَّسات المجتمع المدني إلى قبول المساعدات المادية من جهات خارجية ودولية ما قد يجعلها تحت تأثير تلك الجهات، فتكون فريسة سهلة لاتهام السلطات لها بالعمالة للأجنبي.

التعليم مهد الديمقراطية:

على الرغم من أنَّ نشر ثقافة الديمقراطية يتطلَّب تضافر جهود مجموعةٍ من المؤسَّسات والأنشطة كالأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام والاتصال، والمجتمع المدني، ومراكز التدريب، والتشريعات المختلفة؛ فإن التعليم بالذات هو حجر الزاوية في بناء الديمقراطية، لا لأن التعليم يعمل على تنشئة التلاميذ على احترام حقوق الإنسان والانفتاح على الآخر، ويدرِّبهم على ممارسة السلوك الديمقراطي، واتباع المنهج العقلاني في الدرس والبحث فحسب؛ بل كذلك لأنَّ التعليم الإلزامي الجيّد الذي تتعهّده الدولة، يرفع المستوى المعرفي لجميع المواطنين على قدم المساواة، ويوفّر تكافؤ الفرص أمامهم للمشاركة في السلطة تبعاً لقدراتهم الذاتية ومؤهلاتهم وجدّهم.

نظام التعليم في البلاد العربية:

على الرغم من أن مجموع الطلاب المنخرطين في المدارس والجامعات في الوطن العربي يربو على 100 مليون متمدرس أي حوالي ثلث السكان، وأن معظم الدول العربية تنفق حوالي 10.5%  من ناتجها الخام لتنمية التعليم فيها، فإن هذا التعليم لم يتمكّن من تنمية القيم والممارسات الديمقراطية. ويعود السبب في ذلك إلى عدم ديمقراطية التعليم ذاته.

لقد استُعمِرت الدول العربية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وقامت الدول الاستعمارية الأوربية بوضع هياكل التعليم الحديث في البلدان العربية على نمط التعليم الأوربي السائد في القرن التاسع عشر والذي كان طبقياً على ثلاثة أنواع: تعليم للنخبة السياسية والاقتصادية، وتعليم لأبناء الطبقة المتوسطة، وتعليم أو لا تعليم لأبناء الطبقة الدنيا. وعندما منحت هذه الدولُ الاستعمارية الدولَ العربية استقلالاً في إطار التبعية الثقافية والاقتصادية، ورثت الدولُ العربية التركةَ الاستعمارية في نظامها التعليمي من حيث بنياته وهياكله، ومن حيث الرؤى والتصورات التي غرسها الاستعمار في نفوس أبناء النخبة العربية الحاكمة الذين تلقوا تعليمهم في مدارس المستعمِر. وهكذا أصبح نظامنا التعليمي طبقياً، وتديره نخبة تؤمن بالازدواجية اللغوية والثقافية.

في المجال الثقافي، تتجلّى التبعية للمستعمِر القديم واستمرار تركته، في الإبقاء على لغته الأجنبية لغةً وظيفيةً في التعليم العالي والإدارة والتجارة والشركات والبنوك والإعلام والحياة العامة. ولهذا فإنَّ المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية تتطلّب إجادة لغة المستعمر القديم، وليس القدرات الفكرية فقط. نظام التعليم، في البلدان العربية، أبعد ما يكون عن إتاحة فرص متساوية أمام المواطنين. فهو غير موحّد حتى في القطر الواحد، وإنما ينقسم على ثلاثة أنواع:

1) مدارس أجنبية، على الخصوص مدارس بريطانية أو أمريكية المشرق ” العربي”، ومدراس فرنسية في المغرب ” العربي”. وهذه المدارس تطبِّق البرنامج الأجنبي بحذافيره، منهجاً وامتحانات، مع إضافة ساعتين أو ثلاث في الأسبوع للغة العربية، في أفضل الأحوال. وقد تحدّث المرحوم الدكتور أدوارد سعيد في كتابه ” خارج المكان” عن المدرسة البريطانية التي كان يتعلَّم فيها بالزمالك في القاهرة، وكيف كان على طلابها أن يدرسوا جغرافية بريطانيا وتاريخها بالتفصيل، في حين لا شيء في برامجها عن تاريخ مصر العظيم أو جغرافيتها.

لا يلج هذه المدارس الأجنبية إلا أبناء النخبة السياسية أو الاقتصادية في البلاد، لأنَّ أجور الدراسة فيها مرتفعة باهظة لا يطيقها إلا الأغنياء، فمثلاً تبلغ أجور الدراسة في إحدى المدارس الأمريكية حوالي عشرين ألف دولار سنوياً، في الوقت الذي يعيش فيه 40% من أبناء البلد تحت خط الفقر، أي بمعدل 2,7 دولار في اليوم.

خريجو هذه المدارس يكتسبون بصورةٍ طبيعيةٍ الثقافة الأجنبية بقيمها، وعاداتها، ولغتها التي يجيدونها طبعاً، لا بفضل قدراتهم الذاتية فقط، وإنما كذلك لأنهم درسوا جميع المواد العلمية والأدبية بها. وغالباً ما يواصل هؤلاء الطلاب دراستهم الجامعية والعليا في البلد الذي اكتسبوا لغته وثقافته ومعارفه. وعندما يعودون ـ إذا عادوا، لأن إحصائيات هجرة الأدمغة العربية تشير إلى أن حوالي 50%  منهم منهم لا يعودون ـ ينتظرهم أحد مصيرين:

أـ الإحساس بعدم الانتماء إلى ثقافة بلدهم الأصلي، فهم مستلبون، ويتعاظم شعورهم بالاغتراب فيسعون إلى الهجرة إلى بلاد الغرب التي ينتمون إلى ثقافتها.

ب ـ انخراط بعضهم في المؤسّسات الحكومية والاقتصادية. ويتولّون تسيير شؤون بلد لا يشعرون بالانتماء التامِّ إليه. ويحافظون على مواقع اللغة الأجنبية التي يجيدونها في الإدارة والتجارة، ويقاومون استكمال التعريب بطرائق شتى.

2)   المدارس الأهلية الخاصة أو الحرة: وهذه المدارس يؤسِّسها عادةً رجال الأعمال بوصفها مشاريع تحقّق أرباحاً طيبة. وهي تطبّق منهج وزارة التربية الوطنية، ولكنّها تختلف عن المدارس الحكومية في تركيزها على تعليم اللغة الأجنبية ابتداءً من مرحلة رياض الأطفال، والعناية بتعليم الحاسوب، وتخصيص ساعات إضافية لتعليم المواد العلمية باللغة الأجنبية. وفيما عدا ذلك فهي ملزمة بتطبيق منهج وزارة التربية الوطنية. وقد أخذ كثير من هذه المدارس بتوقيع اتفاقاتٍ مع البعثات الثقافية الأجنبية، لكي تكون فروعاً من مدارسها، وبذلك تتخلّص من قيود وزارة التربية الوطنية وتستطيع تطبيق المنهج الأجنبي كاملاً، فتحظى بإقبالٍ أكبر من قبل الآباء عليها. بيدَ أن هذه المدارس الأهلية غير متواجدة في البوادي والقرى والبلدات الصغيرة، وإنّما يقتصر وجودها على العاصمة والمدن الكبرى.

تتقاضى هذه المدارس أجوراً شهرية عالية لا يطيقها أبناء الطبقة الوسطى إلا بشق الأنفس. ففي بلدٍ، متوسطُ راتب الموظف خريج الجامعة فيه حوالي 500 دولار شهرياً يبلغ متوسط أجور الدراسة في المدارس الأهلية حوالي 120 دولاراً شهرياً للطفل الواحد. ومع ذلك فإن كثيراً من العائلات المتوسطة الدخل تضحّي بالكثير وتقاسي شظف العيش أحياناً، لتؤمِّن مستقبلاً أفضل لأبنائها؛ فهم يعلمون أن اكتساب الطفل اللغة الأجنبية عامل مهم في نجاحه في سوق العمل. فخريجو هذه المدارس يستطيعون تولّي المراكز والوظائف المتوسطة في إدارة البلاد واقتصادها.

3)   المدارس الحكومية:  وتعتمد اللغة العربية لغةً لتدريس جميع المواد ما عدا مادة اللغة الأجنبية. وهذه المدارس عادة ما تكون في معظمها سيئة التجهيز، رديئة المرافق، لا تتوفَّر حتى على مكتبة صغيرة، ويتكرّر فيها غياب المعلمين والمدرسين بسبب قلة رواتبهم وضعف تأهيلهم المهني. وقلّما يتمكّن خريج الثانوية في هذه المدارس من استعمال اللغة الأجنبية بصورة وظيفية بسبب سوء المناهج، وركاكة طرائق التدريس، وقلة كفاءة المعلمين. وعندما يلتحق بعضهم بالكليات العلمية في الجامعة لا يستطيعون مواصلة الدراسة فيها لعدم إجادتهم اللغة الأجنبية، فيتحوّلون إلى الكليات الإنسانية. وهذا أحد أسباب قلة المنتسبين إلى الكليات العلمية والتقنية إذ لا تتعدى نسبتهم من مجموع الطلاب الجامعين 32%  ويعاني خريجو الكليات الإنسانية بطالةً كبيرة فيضطرون إلى القبول بأعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم.

وبعبارةٍ أخرى، إن بنية النظام التعليمي في البلاد العربية يعيد إنتاج الطبقية الاجتماعية ولا يسمح بتحوّل أبناء الفقراء إلى مواطنين من الطبقة المتوسطة. فهذا النظام لا يوفر فرصاً متساوية للتعلّم أمام المواطنين. فإذا كان الطفل قد ولد في بيئة النخبة السياسية أو الاقتصادية، فإن مستقبله مضمون للبقاء في الطبقة العليا بفضل تعليمه في المدارس الأجنبية التي تيسر له اكتساب اللغة الأجنبية، أي امتلاك الأداة أو المفتاح الذي يفتح له أبواب الإدارات والبنوك والشركات. وأما إذا ولد الطفل في بيئة فقيرة، فإنه سيبقى فقيراً حتى لو كان من الأوائل في دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية، لأن تلك المؤسسات التعليمية الحكومية لم تزوّده بالمفتاح اللغوي، أي باللغة الفرنسية أو الإنكليزية. (لاحظ أن كوريا وفنلندة اللتين كانتا من الدول الفقيرة جداً في الخمسينيات، تحولتا في الثمانينيات إلى دول ذات تنمية بشرية عالية، تتكفلان بالتعليم الجيد باللغة الوطنية لجميع الأطفال بالتساوي، بل وتقدم المدارس وجبات طعام مجانية لتلاميذها، أما بريطانيا فنظامها التعليمي طبقي لوجود المدارس الخاصة فيه، ولكن الطلاب متساوون من حيث استعمال اللغة الواحدة، ومن حيث الحصول على الوظائف التي تعتمد على المقابلة وقدرات الفرد الذاتية، لا على نوع المدرسة التي تخرج فيها.)

تقول منظمة العمل العربية أن نسبة البطالة في البلاد العربية تبلغ حوالي 14% ، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي البالغ 6.5%. وهؤلاء العاطلين عن العمل ينتمون إلى الشرائح الاجتماعية الدنيا. ولما كانت غالبية الدول العربية لا تمارس أعطاء المواطنين حقوق الإنسان الاقتصادية المتمثلة بتعويضٍ عن البطالة، فإن كثيراً منهم يعتمد على صدقات الأهل والأقرباء، فيفقد ماء الوجه والكرامة الإنسانية، ويحاول الهجرة إلى أوربا لتحقيق حلمه في العمل والشعور بإنسانيته، حتى وإن فقد حياته في “قوارب الموت”، كما يسمّونها، وهي تلك القوارب التي تحمل المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوربا، فيغرق كثير منها في عرض البحر، ويعتقل ركاب بعضها الآخر ويوضعون في مراكز الاعتقال المهينة ثم يُعادون إلى بلدانهم لمواجهة القمع مرّةً أخرى.

وإذا أضفنا إلى تلك المشاعر المريرة التي يعانيها الفقراء والعاطلون عن العمل، شعورَهم باحتقار الذات لعدم إجادتهم اللغة الأجنبية الوظيفية في البلاد حين يختلفون إلى المؤسسات الإدارية والاقتصادية والأماكن ” المحترمة” التي لا يستعمل موظفوها إلا اللغة الأجنبية، أو حين يستمعون إلى إحدى الإذاعات الجهوية/ المحلية التي تبث أغانٍ بالدارجة ثم تنقلب فجأة إلى حديث بلغة أجنبية لا يفهمونها، علمنا أن هؤلاء الناس تغلي نفوسهم بالكراهية للنظام الذي لا يحترمهم، وتتعاظم دوافع التمرد والثورة الكامنة في نفوسهم. وحالما تنطلق الشرارة، سيخرج  هؤلاء المحرومون ليصرخوا بغضب: ” الشعب يريد تغيير النظام”، لا النظام السياسي للدولة فحسب، بل كذلك النظام التعليمي الذي أنتج هذه الطبقية المقيتة. وذلك طبقاً للقاعدة التي صاغها أبو الطيب المتنبي في بيت واحد:

إذا لم يكُن للمرءِ في دولَة امرئٍ    نصيبٌ ولا حَظٌّ، تَمنّى زوالها

دفاع المجتمع المدني عن اللغة العربية:

إن إصرار الحكومات العربية على تهميش اللغة الوطنية حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على “الاستقلال”، بذرائع ثبت بطلانها مثل عدم وجود المصطلحات العربية الكافية أو تشجيع الازدواجية اللغوية والانفتاح على العالم، أدّى إلى قيام عدد من مؤسَّسات المجتمع المدني للدفاع عن اللغة العربية. وقد عملت هذه المؤسسات بالدفاع عن اللغة العربية دفاعاً مستميتاً من خلال الندوات العلمية، والدورات التدريبية، والمنشورات، والشابكة (الإنترنت)، وجميع وسائل الإعلام والاتصال الأخرى. ولكن ذلك كلَّه لم يلقَ أُذناً صاغية من قبل السلطات الحكومية، أو كما قال الشاعر بشار بن برد:

لقد أسمَعتَ لو ناديتَ حيّاً   ولكن لا حياة لمن تنادي

أسوق مثلين على دفاع مؤسسات المجتمع المدني عن اللغة العربية:

أـ رسالة بعث بها نقيب المحامين في أحد البلدان العربية إلى الحكومة والمحاكم وجميع المؤسسات المعنية، يقول فيها:

” كما تعلمون، فإنَّ اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، هي اللغة الرسمية للبلاد طبقاً لمقتضيات الدستور، الأمر الذي يوجب استعمالها في جميع المجالات، بما فيها المجال الإداري والتعليمي والقضائي والإعلامي والمؤسَّساتي.

إلا أنَّ ما هو موجود في الواقع هو خلافُ ما ينصُّ عليه الدستور، حيث إنَّ اللغة الأجنبية غير المرسَّمة هي السائدة الاستعمال في المجالات المذكورة، والعربية الرسمية هي المهمَّشة والمغيَّبة عمداً…”

ب ـ رسالة بعث بها رئيس النقابة الوطنية للأطباء الأحرار إلى وزيرة الصحة في بلاده:

” جواباً على رسالتكم المؤرخة بيوم 19/1/2011 والمرفقة بمشروع يتعلق بتغيير القانون المنظِّم للمارسة الطبية ببلادنا. وقبل الشروع في مناقشة مضمون هذا المشروع، وتقديم ما نراه من اقتراحات، فإننا في النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحرّ يسعدنا أن نذكّركم بأن الدستور ينص صراحة في تصديره على أن اللغة الرسمية في البلاد هي اللغة العربية، وحدها دون غيرها، كما ينص في مادته الرابعة على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له.

فاحتراماً لهويتنا الوطنية، واعتماداً على دستور بلادنا الذي هو أعلى درجة من درجات القانون وتعتبر مقتضياته من النظام العام الذي لا يجوز مخالفتها، فإننا نطلب منكم أن تقدّموا لنا كل مقترحاتكم ومشاريع القوانين باللغة العربية…”

وتشكّلت في معظم البلدان العربية جمعيات تحمل اسم ” جمعية حماية اللغة العربية”. وتقوم بأنشطة مختلفة للمطالبة بإحلال اللغة العربية محل لغة المستعمر القديم في الإدارة والتعليم والاقتصاد والبنوك والشركات العامة. كلُّ تلك الأنشطة تشير إلى مقدار الجهد الذي تبذله مؤسسات المجتمع المدني من أجل اللغة العربية. بيد أننا لا نلمس أثراً له على أرض الواقع، لأن الحكومات غير الديمقراطية لا تستجيب لمطالب الشعب الذي تمثله مؤسسات المجتمع المدني، بل تلقى هذه المؤسسات مضايقة من السلطة كما أسلفنا.

 

 

*كاتب وباحث عراقي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق