ثقافة المقال

قيمة الألم وأهميته في حياتنا الروحية

هند الرباط*

إن خبرة الألم لا تقوم  بدور “المنبه” الذي يشعرنا بكياننا الفردي فحسب، بل هي أيضا حافز قوى يدعونا إلى الوحدة والانفصال. فهذه ذات متفتحة تتجاوب مع الآخرين، وتتجه بكل مشاعرها نحو غيرها من الذوات ولكنها على حين فجأة تتلقى ضربة عنيفة من ضربات الشر، فما هي إلا طرفة عين حتى نراها وقد انسحبت من العالم الخارجي  لكي تعانى في صمت  مرارة الألم وقسوة الوحدة. وإذا كان كثير من فلاسفة الأخلاق وعلى رأسهم  كيركجارد قد غالوا في تقرير أهمية الألم، فذلك لأْنهم قد فطنوا إلى أن الآلام النفسية التي نعانيها  هي التي تخلع على وجودنا الشخصي كل ما له من فردية وأصالة. والواقع أن خبرة الألم  هي التي تبرز الجانب الشخصي من وجودنا، لأنها هي التي تضطر الذات في كثير من الأحيان  إلى الغوص في أعماق وجودها من أجل العمل على اكتشاف ما ينطوي عليه هذا الوجود من “قيم” ومعنى هذا أن  الخبرات الأليمة  التي يعانيها المرء لابد من أن تندمج في صميم وجوده، فتصبح بذلك ثروة باطنة تدخرها الذات للمستقبل وتتسلح بها ضد ما يستجد من هجمات. وليس أدل على قيمة الألم في حياتنا الروحية من أنه قد يستحيل إلى أداة فعالة تزيد من خصب حياتنا النفسية وتعمل على صقل شخصيتنا، فإن خبرة الألم تمثل تجربة ذاتية تزيد من عمق حياتنا الباطنية لأنها تقوم بدور الأداة الفعالة التي تكفل لنفوسنا ما هي في حاجة إليه من تربية أخلاقية. ولعل هذا ما حدا بالفيلسوف الأخلاقي نيكولاي هارتمان إلى التحدث عن الألم بوصفه قيمة من القيم الأساسية.

الصلة بين “الألم” وعملية “تحقيق الذات”:

علّق المفكر الروسي المعاصر برديائيف على الألم أهمية كبرى في عملية تكوين الشخصية، نظرا لأنه قد فطن إلى أْن تحقيق الذات فعل أليم لا يتم بدون عناء ومشقة ومقاساة، وإذن فإن قيمة الحياة الإنسانية ـ فيما يقول برديائيف ـ تنحصر أولا وبالذات في عملية تحقيقنا لذواتنا وعلونا على أنفسنا  وانتصارنا على شتى ضروب الحتمية  وهذه كلها جهود عنيفة تضطرنا إلى  تحمل الألم  وتقبل التضحية لكل من يريد  أن يجاهد  في  سبيل تحقيق ذاته. وهكذا نرى أن هذا الفيلسوف الذي رأى في التحرر السبيل الأوحد للوصول إلى مستوى الحياة الروحية الصحيحة قد جعل من الألم الجسر الضروري الذي لابد للذات من أن تمر به فى طريقها إلى الحرية.  وليست الحرية في النهاية سوى الروح نفسها: أعني ذلك الفعل الإبداعي الذي ينبثق من أعماق أعماقنا حين نكون قد نجحنا فى تحقيق ذواتنا.

الصلة بين “الألم” و”الترقي الخلقي” لدى الفرد  والجماعة:

إن التاريخ البشري شاهد على أن الإنسانية قد اضطرت إلى أن تجتاز أقسى التجارب وأقصى المحن من اْجل الوصول إلى مرحلة عالية من الرقي، والواقع أننا قد نكون على حق حين نقيس مدى رقي الجماعة  ـ كما هو الحال أيضا بالنسبة إلى الفرد ـ بما عانته من محن وما مر بها من تجارب. وبالنسبة للفرد فإنه لمن الواضح أن المقدرة على التألم هي ـ إلى حد ما ـ مقياس لقدرة كل فرد على التحضر والترقي، ولسنا هنا في مجال الآلام الحسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الجسد العضوية، بل نحن في مجال الآلام النفسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمطالب الشعور الخلقي، وهكذا تجيء ضرورات الترقي الخلقي أو النمو الروحي  فتفرض على الذات آلاما نفسية عديدة، إذ يشعر المرء بأن شخصيته لا يمكن أن تنمو وتترقى إلا إذا انصهرت في بوتقة الألم والعذاب، وهناك تجربة نفسية أْليمة كثيرا ما نعانيها  في حياتنا الروحية العادية، ألا وهى تلك التجربة التي يحياها الإنسان كل يوم حين تجيء أفعاله دون مراميه، أعني حينما يشعر بأن ما يمتلكه  هو دون ما يريده بكثير، والأمر لا يحتاج إلى حس مرهف من أجل الشعور بهذه التجربة الأليمة وإنما حسب الإنسان أن يلقي نظرة عابرة على أفعاله العادية كي يدرك إلى أي حد يعمل الألم عمله في صميم الحياة الإنسانية الخلقية. ولاشك أن كل من يشعر بأن ثمة قوة باطنية تدفعه إلى الصعود والترقي  لابد من أن يعاني في الوقت نفسه هذا الألم  الذي لا علة له سوى شعور المرء بأنه دون ما يبغي بكثير.

الألم بوصفه قيمة خلقية تزيد من عمق حياتنا الباطنية :

لقد حاول الفيلسوف الألماني ماكس شيلر أن يظهرنا على الدلالة الروحية العميقة  للألم  فقال إن العلاقة وثيقة بين الألم والتضحية لأن الألم هو في صميمه تضحية بالجزء من أجل الكل، أو التضحية بما له قيمة دنيا من أجل ماله قيمة عليا، والصلة وثيقة بين الألم والموت لأن الألم موت للجزء، ولكنه موت يتحقق من ورائه إنقاذ الكل. كذلك يمكننا أن نربط الألم بالحب فنقول إن أية قيمة عليا لا يمكن أن تفرض علينا التضحية بقيمة أخرى دنيا إلا إذا كانت أْقدر منها على انتزاع حبنا، ومن هنا فإن الألم  هو الذي يضطرنا إلى أن نخضع حياتنا الحسية لنشاط روحي يتزايد سموا يوما بعد يوم، وحين يقول أفلاطون ومن بعده فلاسفة المسيحية إن الألم أداة تطهير فإنهم يعنون بذلك أن آلام الحياة هي الكفيلة بأن توجه بصرنا الروحي نحو الخبرات العليا والقيم السامية، فترتفع بنا إلى مستوى الطهارة القلبية الحقة التي هي ينبوع السعادة الروحية العميقة. والواقع أْن من شأن الألم أن يولّد في النفس تناقضا خصبا  يزيد من عمق حياتنا الباطنية، إذ تشعر الذات بتوتر حاد بين ما هي عليه وما تريد الوصول إليه،  أي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ومثل هذا التوتر هو على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي رنيه لوسن R.Le Sene شعور بالقيمة، وليس معنى هذا أن الألم هو في حد ذاته خير، إنما قد يعود بالخير الكثير على الذات حين تستطيع أن تجعل منه أداة فعالة لتطورها الروحي وتنمية حياتها الباطنية.

وليس من شك في أن الموجود البشري الذي اعتاد أن يقبل على اللذة ويعزف عن الألم لا يمكن أن يصبح “كائنا أخلاقيا” بمعنى الكلمة، اللهم إلا فى اللحظة التي ينفصل فيها عن حياة التلقائية والسهولة واللذة، لكي يتجه بكل قوته نحو حياة المجاهدة. وليست خبرة الألم سوى مظهر من مظاهر صراع الإنسان ضد ذاته وضد كل ما تنطوي عليه ذاته من عناصر ضعف أو وهن أو تخاذل أو قصور. وإذا كان الكائن الحي الواعي وحده الذي يتألم، فذلك لأن الحياة الواعية هي الصراع ضد كل امارات الموت في وجودنا، بما فيها “الضعف الخلقي” الذي لابد من العمل على استئصال أسبابه.

—————————————————

* كاتبة وشاعرة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق