ثقافة المقال

آخر الصوم عيد، وآخر الطغيان عيد

محمد الهوني

إنه يوم عيد. وهو واحد من الأيام النادرة في التاريخ التي يحل فيها عيد قبل ينتهي الصائمون في رمضان من صيامهم. فلقد أزيح عن صدور الليبيين كابوس دام 42 عاما، عانوا خلالها من العذاب والمرارات ما لم تعانه الكثير من الشعوب، بمن فيها تلك التي جربت العيش في ظل طغاة مماثلين. وزوال الكابوس عيد. اليوم صار بوسع الليبيين أن يلقوا بماضي العقيد القذافي خلف ظهورهم، ولكن من دون أن ينسوا ما عانوه فيه، وأيضا من دون أن يجعلوا منه عائقا امام بناء المستقبل. لقد أزيح كابوس ثقيل لم يترك، في واقع الأمر، ناحية من نواحي الحياة إلا وألقى ظلالا قاتمة عليها. ولئن كان الثمن باهظا للتخلص منه، فقد كان جديرا بهذا الثمن أن يُدفع. ومثلما يجدر بالحرية أن تكون، فقد سقاها الليبيون بالدماء لكي يَكتب لهم التاريخ انها لم تأت زهيدة، وانهم أرخصوا لها أرواحهم كما أرخصوا كل غال ونفيس. اليوم يستطيع الليبيون أن يتنفسوا من الصعداء ما يجعلهم أسعد شعوب الأرض. فالعيش في ظل سلطة دجل ونفاق كسلطة العقيد، أثبت أنه كان كارثة لا تقل سوءاً عن أي كارثة طبيعية.
نعم، لم تعرف ليبيا زلازل ولا موجات تسونامي تجرف الأخضر واليابس، كما لا توجد في أرضها جبال تثور بالبراكين، ولكن لو جاز لسلطة العقيد أن توضع على “مقياس ريختر” لحساب شدة الزلازل، لكانت النتيجة واحدة من أعلى ما تم تسجيله في حياة شعب.
لقد دمرت سلطة العقيد، على امتداد أربعة عقود ونيف، ما كان لا يستطيع أكبر زلزال أن يدمره. إذ لم تُسحق الخدمات الأساسية التي تجعل من الدولة دولة فحسب، كما لم تسحق مقومات البناء والعمل والانتاج فحسب، ولكن تم سحق المجتمع نفسه، تارة، عبر ثقافة بليدة عبرت عنها أتفه نظرية سياسية في التاريخ، وتارة أخرى، عبر مؤسسة أمن “ثورية” سرعان ما تحولت الى مدرسة ارهاب محلية ودولية.
وتحت رعاية العقيد وتغطيته، فقد تدربت تلك المؤسسة على ممارسة كل انواع الجرائم والانتهاكات، حتى تحول المجتمع الليبي الى مجتمع خوف، يعيش في ظل شعارات فارغة تملي سطحيتها على الجميع بقبضة من حديد.
واليوم، فحتى النظر الى الخلف ما يزال يمكنه أن يثير الذعر في النفوس. فالأثر المدمر الذي تركه تسونامي العقيد ظل يخطف الأنفاس ويثير في النفوس مشاعر تختلط فيها المرارة بالأمل.
ومثل غريق تتلاطمه أمواج الظروف والصروف في عرض البحر، فقد كان المجتمع الليبي يدفع بأيامه دفعا أملا بشاطيء نجاة قريب، حتى أدرك هذا الجيل من الأحرار، انه لا خلاص دون ثورة، وانه لا حرية دون قتال.
فنظام وحشي كنظام العقيد ما كان بوسعه أن يقبل الرحيل سلما. ونظام ظل يحكم بعقلية الزلازل والبراكين، ما كان بوسعه أن ينزاح عن الطريق إلا بدفع الحديد للحديد.
ولقد آن الأوان للمأساة أن تنتهي.
ولقد آن لعقود الظلم والحرمان أن ترحل الى الجحيم.
ولقد آن لصوم الحرية أن ينتهي بعيد.
وبرفقة الكثيرين من أبناء شعبنا، فقد بقينا نصلي من أجل هذا اليوم. وقاومنا الكثير من أمواج الظروف من أجل أن نصل اليه. ولئن دفعتنا تقلبات الحياة الى أن نجرب كل وجه من وجوهها، تارة بالخوف، وتارة بالأمل، فقد ظل الأمل غالبا.
ننظر الى الخلف، ولو في حدود هذه الدار وحدها، لنرى الانتظار والأمل في عيني الحاج أحمد الصالحين الهوني. كنا نسمعه يردد القول: “لكل ظالم يوم. ويوم الظالم أشد عليه من يومه على المظلوم”. ولم نكن نفهم، على وجه الحقيقة ما كان يريد القول. فالعقيد كان يحلق في تلك السنوات عاليا في سماء غطرسته وقوته المطلقة. ولئن كنا نعرف الظالم، إلا اننا لم نكن لنتوقع، في المدى المنظور، “يوما” كذلك اليوم الموعود.
لم نكن نعرف أبدا إنه سيكون يوم عيد.
كنا بحاجة الى رؤية، ثاقبة ومستشرفة، كرؤيا الحاج، لنعرف إن زوال الكابوس عيد.
لم يخطئ الحاج الهوني في تنبؤه لمصير سلطة العقيد. وهو ظل ينتظر الوصول اليه ويصلي من أجل يوم ليس كباقي الأيام في حياة الليبيين. ولكن الأقدار أخطأته في مكانين آخرين. الأول، انه رحل قبل أن يرى في الظالم يومه. والثاني، هو إنه ما كان ليحسب إن عيد الليبيين سيأتي مضاعفا.
فآخر الصوم عيد، وآخر الطغيان عيد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق