قراءات ودراسات

الشاعر محمد الأمين سعيدي يواصل ابداعه في “ماءٌ لهذا القلق الرمليّ”

كتبت: جميلة طلباوي*

سيصدر هذه الأيام عن دار فسيرا بالجزائر العاصمة ديوان:”ماء لهذا القلق الرملي” للشاعر محمد الأمين سعيدي ، و يظهر رسميا في معرض الكتاب الدولي في شهر سبتمبر. صدر سابقا للشاعر ديوانان شعريان “أنا يا أنتَ” و”ضجيج في الجسد المنسي”، يحاول من خلال ديوانه الثالث ماء لهذا القلق الرملي  خلخلة العادي و اختراق آفاق أخرى للشعر في 112صفحة تشتمل على 21 قصيدة تتراوح بين التفعيلة وبين أشكال شعرية أخرى تقوم على المزج الموسيقيِّ تظهِر قدرة الشاعر على التجديد، فالشعر أساسه الابتكار، إنّه صورة مبتكرة يخلقها الشاعر بقوة خياله ورؤيته. هذا ما حاول تحقيقه محمد الأمين سعيدي في إحدى و عشرين قصيدة مشتغلا على الحكاية و السرد ، ممتطيا صهوة الحرف ليمارس فتوحاته في عوالم الإنسان الذي أنهكته الغربة عن ذاته و عن الآخر، فاتحا المجال للتساؤلات المتجدّرة في علاقة الإنسان بذاته و بهذا العالم.

إن أوّل ما يلفت انتباه القارئ هو العنوان : ماء لهذا القلق الرملي، و هذه الثنائية: الماء و الرمل. و التي ستكون مرتكزا للديوان وأساسا لتجلية مواضيع قصائده الواحدة و العشرين: سراب، أوّل المفازة، ترنيمة للعطش الجنوبي، آخر الحداء،ما أضمرته عيون السندباد، آخر الموت يا نخلتي المتعبة. وغيرها من العناوين المرتبطة بالرمل كرمز للطين أصل تكوين  جسد الإنسان ، و الماء بكلّ ما يحمله من صفاء كرمز للروح لتتجلّى الثنائية الأزلية في الإنسان كونه من طين ترابي و روح سماوي.

هذه الثنائية الرمل والماء ، الطين و الروح يفتح من خلالها الشاعر أسئلته الوجودية و يحفر بإزميل الحرف مستكشفا قساوة الطين و مرارة العطش في صحراء الحياة و ظلمات تجاويفه بحثا عن الخلاص في صفاء الماء و نبل الروح، محاولا صياغة نظرته للعالم و الأشياء في قالب شعري يحكي عن الثنائيات: الجسد والروح ، الحياة و الموت ، الحضور و الغياب، الذات و الأنثى و أسئلة الكتابة، معرّجا إلى تلك التجلّيات الصوفية التي ترتقي بالروح و تبقي الأسئلة مفتوحة على عطش الرمل و صعوبة المفازات.

إنّه من أوّل قصيدة يعلن عن رؤيته الوجودية و عن قلقه الرملي في “سراب”:

“أنا بابُ هذا الجرح مفتاحُ غرفتي قرونٌ لوَحْشِ النَّار، في

النَّار توجدُ، تسائلني الأعماقُ عن سرِّ شقوتي، ومثليَ طينٌ

من ترابٍ أديمُه، فكيف لنارٍ أنْ تنسِّيكَ أصلكَ الغباريَّ يا

ابْن الطين هيهات تسعدُ.”

و يقول في قصيدة “ملحمة الانتصار الثانية” القصيدة:

“ها قدْ تَغَرَّبْتُ

مذْ تاهَتْ بيَ السُّفُنُ

وقاتَلتْني وحوشُ الأرضِ والمدُنُ

وحارَبَتْنِي اللَّيالي

بعدما تَرَكَتْ

يدي “طراودةَ” الأحقادِ تَنْدَفِنُ

أنا المغامرُ

أمْشِي في رُبى زمني

كالنَّار جَهْرًا

ويمشي داخلي الزَّمَنُ

هذا “حصاني” وهذي فطْنَتي قَهَرَتْ

كلَّ الخوارقِ

فانْقَادَتْ لِيَ القُنَنُ

مِنْ أَبْحُرِ الشِّعر آتٍ نحو مملكتي

وفي دمي ترقصُ الأفراحُ والمحنُ.”

كما يعلن عن وجع الكتابة و معاناتها التي لا يدركها إلا المحترقون في أتون القصيد:

“ركبتُ جراحَ المتاهةِ

تَلْحَقُ بي نحْوَ حَتْفِي حُرُوفٌ

تُوقِّعُ في الأرْضِ شَيْئًا مِنَ الحزنِ

أو من بقايا الفَرَحْ

ها أنا

ذُقْتُ كلَّ البلايا

وأبْلَيْتُ جِسْمِيَ، أصْبَحْتُ مِثْلَ الشَّبحْ”

يقول عبد الله الغدامي بأنّ الشعر هو حالة تمثل لغوي راقية و إنّه تجسيد فنّي لأبلغ مستويات الإبداع اللغوي قولا و إدراكا ، فهو حساسية انفعالية عالية يمارسها الإنسان بعد بلوغه مستواها الذي يتآلف بين الواقع و يمثله الفرد و بين الأمّة و يمثّلها الموروث و بذلك تتمازج درجات الإبداع بين ما هو قومي وإنساني و بين ما هو خاص و ما هو جمعي و ما هو موروث، و هذا ما تجلّى في أغلب قصائد ديوان “ماء لهذا القلق الرملي، فالهموم القومية جراح مفتوحة على الحرف النازف بالقصيد  الذي يعرّي واقعنا العربي المثقل بالهزائم و الفجائع، إذ يقول محمد الأمين سعيدي في قصيدة “آخر العطش في فلوات الكلام”:

“للخوف نهر عاري القدمين

للتاريخ وجه غائم كالموت

لي هذا المدى

و أنا المعلق بين أوجاع العروبة

أستفيقُ فلا أعود سِوَى لِسُكْرِي بالقصيدةِ

والثَّمَالَةُ خَيْرُ راقصةٍ على عزْفِ الرَّدى.”

و يقول في النص نفسه أيضا:

“لا أحمل الحقد ، لكن في يدي قدري

أراقص الحزن في خمّارة العرب

أسعى إلى  الجمر مختارا لتهجرني

في جنّة الزيف أنهار من الكذب.”

لقد بلور الارتكاز على الأسطورة لدى الشاعر رؤية خاصة لتموضعه كعنصر من جماعة تتماهى المقاومة لديه بالهجوم بالحرف و اللغة  و  السعي للانتصار كبطل طروادة  في سبيل إعادة تشكيل واقع يطمح من خلاله لتحقيق ما ننشده من الوطن و أبنائه الذين انصهروا برابرة و عربا، في محاولة منه لتأكيد دور الشاعر و المثقف في انتشال الجماعة من براثن التخلّف و الانقسام مهما كان في الأمر من مغامرة فهو بطل حصانه الحرف ، و ناره ألسنة من معاني:

“أموت

لأولد من رحم السحر في كيمياء المدى

أموت

و أولد مثل الصدى

فأنا بربري العروبة

أجعل من أحرفي أحصنه

و فوارس تركب ظهر الردى

أغير على المدن المؤمنة

بالعدم

إنّني سيّد الحرب

أستحضر الكلمات

لأحرق في القلب “طروادتي”  بالقلم.

بلهيبِ المعاني

وبالأسئلهْ

ثمَّ أسْعَى إلى الموتِ أَحْمِلُ في داخلي وطنًا

وتحْمِلُنِي مِقْصَلَهْ”

و يستمر محمد الأمين سعيدي في بلورة رؤاه بين الرمل و الماء ، موزّعا قلق الحرف في بهاء اللغة و عمق المعنى و تجلّيات الصور المدهشة التي تكشف عن بحث الشاعر المستمرّ عن التجديد في القصيد قائلا:

“لمـاءٍ لا يحنُّ سـوى لمـاءِ

وينسى أنَّـه نَزْفُ السماءِ

لماءٍ مازَجَتْهُ الرُّوحُ حـتَّى

تبدَّى لابِسـًا جسدَ الفناءِ

لماءٍ لا يرى في الطِّيـن نورا

ويعرفُ أنَّ جمريَ مِنْ ضِيَاءِ

لماءٍ لمْ يذقْ طعْـمَ البوادي

ولمْ يعرفْ ظهورا كالخفاءِ

فتحتُ ثغورَ قلـبي للبلايا

لأُفنيَ داخلــي داءً بداءِ”

ليعلن عن مرارة موغلة في الحيرة في آخر قصيدة من الديوان معنونة بـ”آخر المفازة”:

“أسائلُ حيرةَ الأنهـار عنِّي

فَتُسْكِتُنِي المرافئُ والسدودُ

وأخشى أنْ أعودَ بغير ماءٍ

وفي قلــبِي مفازاتٌ وبيدُ

كأني كلمـا عانقتُ غيمًا

يُحاصر فرحتي رملٌ حقودُ”

*روائية جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق