ثقافة النثر والقصيد

ثلاث قصائد

من روائع شعر الدكتور زاهي العطروز

الشاعر الدكتور: زاهي مفلح الخليل العطروز

القصيدة الأولى:
(بُناة المجد)

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ

وهل تستوي حملانها والضياغمُ؟!

وهل ترتقي الورقاء أو تبلغ القطا

مقاماً يداني ما أرتقته القشاعم؟!

وشتان ما بين السماكين والثرى

وهيهات أن تعلو النضار الدراهم

على قدر أهل العزم وهي خريدة

تغنّى بها ماض وتالاه قادم

على قدر أهل العزم إكليل غادة

تخيّره من طاوعته المعاجم

ولو ترجع الأيام من صاغ عقدها

لراجع ما قد قاله وهو نادم

وثنّى بما قال المعري بعده:

“وقد يخطئ الأمر امرؤ وهو حازم”

وقال ألا عنونت ما كنتَ صائغاً

وتوّجتَ ما أبدعتَ إذ أنت ناظم؟!

فقلتَ الذي لا قول فيه لحاقدٍ

فيلحو ولن يُلفى لك الدهر لائم:

على قدر آل البيت تأتي العزائم

ومن جودهم يأتي الندى والمكارم

فأي أولي عزم لهم مثل عزمهم

وأي كرامٍ في الأنام سواهمُ؟!

وهل عنّ ذكر للسواقي بخاطرٍ

إذا ذكرت فيه البحور الخضارم؟!

وما الحدث الحمراء إلا غزية

وأدنى غزاهم في الجهاد الملاحم

ولا سائر الأمجاد في الأرض بالتي

تداني علا أمجادهم أو تزاحم

بنو هاشم آل النبي ونوره

بهم تشرق الدنيا وتزهو العوالم

هم العترة الأطهار والصفوة الألى

بهم فاخرت حواء واعتز آدم

وهم من بنو للعرب مجدا وإنهم

لسؤددهم في العالمين الدعائم

وهم شيدوا للعرب أركان نهضة

معالمها في الخافقين المعالم

وتاريخ عز سطرته دماؤهم

تباهي بهم أسفاره والمراقم

قرون مضت والعرب في الأرض سادة

لهم بهمُ من داهم الخطب عاصم

فما زائر إلا الغوادي بخيرها

ولا طارق في الليل إلا الغنائم

وهم شيدوا صرح الحضارة والورى

ينوء بهم ليل من الجهل غاسم

علومهمُ هامَ العلوم تسنّمت

كما قد علت هامَ الرجال العمائم

وأعلامها في الخلق ما زال ذكرهم

كما عُلّقتْ فوق الصدور التمائم

بهم قد زهت كل المعارف وازدهتْ

ورُب سوار زينته المعاصم

وغابت عن العرب الأماجد شمسهم

فصبحهمُ كالليل والليل جاهم

وران عليهم نابغيّ فنوّموا

وفي محكم الأقدار ما فاز نائم

ومن نام عن حق تناهت حقوقه

ومن نام عن حقل رعته السوائم

ومن نام عن مجد تليدٍ وسؤددٍ

فسؤدده في الخلق لا ريب طاسم

ومن يصطبر للضيم أو يرتض الأذى

دهته الدواهي والصروف الدواهم

ومن لان للخطب العظيم تواترت

عليه خطوب دونهن العظائم

وأسلمتِ العُرب القياد فأصبحوا

قطيناً به؛ فالحاكمون الأعاجم

علوج من الترك الغلاظ قلوبهم

فما شمّ إلا مستبد وظالم

يسومونهم خسفاً فما ثم سيد

ويُصلونهم جهلاً فما ثم عالم

وما زادُهم في العيش إلا مذلة

ولا نطقهم في الناس إلا المظالم

ومن صاح للجلى دهته مشانق

ومن باح بالشكوى جزته الأداهم

وثـوّبتِ الأمجاد بالغرّ تنتخي

وهل يُنتخى للمجد إلا الهواشم؟!

ليوث قريش يحتمى بعرينها

نزارٌ، وقحطان، وقيس، ودارم

حسين، وأكرم بالحسينينَ كلهم

وهل لعظيم الخطب إلا الأعاظم؟!

دعته فلبّاها مضاءً وإنّما

يلبي نداءَ المكرمات الأكارم

وما غيرَ مجد العرب في الكون مبتغ

ولا غير عز العرب في الخلق رائم

ونادى بطابَ الموت يا عُرب فانهضوا

فإنّ المنايا في العلاء المغانم

وأطلقها في الخافقين رصاصة

كأن صداها في السماء المرازم

دعا فتناخى الأسد من كل مربض

تناخي حجيج قد دعته المواسم

ليوثٌ فعبد الله فيهم وفيصل

وما عزمهم إلا السيوف الصوارم

ورايات مجد يخفق العز دونها

وما خيلهم إلا العتاق الرواسم

مضوا يقطعون البيد سعيا إلى الوغى

ولم تثنهم أحقافها والتهائم

وولت جموع الترك كلمى هزيمة

ولليل من نور المصابيح هازم

وحررت الأوطان من نير بغيهم

وباءوا بخزي الدهر والأنف راغم

أعاد الكماة الصيد للعُرب مجدهم

له العز طلق الوجه والثغر باسم

وأكرمنا الرحمن بالفوز فيهمُ

له الحمد في آلائه الدهرَ دائم

فما مثلهم حام وما مثلنا حمى

فأردننا حصن وحاميه هاشم

طلالٌ، حسين، والميامين كلهم

وهل ينجب الآساد إلا الضراغم؟!

ومن مثلُ عبدالله في المجد والعلا

ومن مثله في الناس بالأمر قائم؟!

مليكي وأنت العز فينا فعرشكم

له الهُدبُ منا والقلوب القوائم

وأنت جماع الخير والنور والندى

كما جمع السحبَ الغوادي الغمائم

وأنت ربيع الأهل والعرب كلهم

وطيب معانيك الشذى والنسائم

وأنت سماء لا يرام لها مدى

وعليا سجاياك النجوم التوائم

تحامي إذا ما أسلم الليث غابه

وتسخو إذا ما ضن بالجود حاتم

على حبكم نحيا جميعاً على المدى

فحبكم فرض من الله لازم

على حبكم نحيا جميعاً ولن يُرى

على حبكم يا حِبنا من يساوم

وحبكم في الشرع عهدٌ وشرعة

ومن لا يصون العهد لا ريب آثم

وإنّا أيا مولاي طوع بنانكم

فامض بنا الأمر الذي أنت عازم

فديتكَ نسرا في ذرى الأردن العلى

يطارحه الودَّ الأمينَ الحمائمُ

القصيدة الثانية:
( هذا نحن )

أيّها السائل عنّي إنني

عربيٌّ، هاشميٌّ، أردني

من له مثل مليكي في الورى

أو له صرح كهذا الموطن؟!

يا حمى طهر وعزّ وكرامهْ

يا مليكاً قلّد المجدَ وسامهْ

هاشمي المجد والأردن منْ

بهما زان العلا القدسيّ هامهْ

وطنٌ أضفى على الخلد جمالاً

ومليك طوّق المجد جلالا

كوكبا عز وكانا أبداً

صفوة العُرب سلاماً ونضالا

من له في الكون من طهر ثرانا؟!

فاسألوا مؤتة عن ماضي حمانا

واسألوا اليرموك عنا يوم أن

ثوّب المجد فلبّته دمانا

لهتاف العزة القعساء كنا

وسنبقى للعلا لفظاً ومعنى

فأصِخْ للمجد إن رجّع لحنا

ستراه الدهرَ زهواً يتغنى:

من لمى الرمثا إلى همس الخليجْ

من جنان الغور، من طهر الأريج

من ذرى عمان، من هذا الحمى

لاح فجرٌ باسمٌ عذبٌ بهيجْ

نحن من أطلع في العرب الصباحا

بعد أن كان حماهم مستباحا

يوم صاح المنقذ الأعظم: يا

أمة العُرب، ضياءُ الفجر لاحا

قد أهلّ الصبحُ بسّاماً سناهْ

فأفيقوا أيها العرب الإباه

وانفروا يا قوم وامضوا للوغى

فالمنايا في العلا نِعْمَ الحياه

لذ طعم الموت يا قومي وطابا

ودعانا المجد شيباً وشبابا

هتف العز بكم أن فانهضوا

فلتكم (لبيك) يا عز الجوابا

ثم دوّت في السما تلك الرصاصهْ

بسناها أبصر العاني خلاصه

نحن من نُعْنَى إذا الجُلى دعتْ

فنلبيها ولا نشكو الخصاصه

لسماء المجد صغنا سُلما

فغدونا في المعالي القمما

من دمانا، من ذمانا ترتوي

غصص الأمجاد إذ يعرو الظما

أيّهذا الهاشميُّ اليعربي

من يدانيك بقدس النسبِ

وكريم الخُلق والخَلق سوى

مَلكٍ برٍّ كريمٍ أو نبي؟!

نحن جيش أنتَ فيه العلمُ

وسماء أنتَ فيها الأنجمُ

نحن لولا قبس من نوركم

لتساوى صبحُنا والظلم

جيشنا المقدام نبراس الإبا

فاسألوا الأرض بطاحا ورُبى

عن ميامين كماة لهمُ

في صحاف الخلد والجلى نبا

اسألوا اللطرون عنا أو جنين

واسأل الأقصى يُخبِّرْكَ اليقينْ

كل شبر من فلسطين به

جذوة من دمنا الحر الأمين

ملك كان الأعز الأكرما

وحمى طهر وأعظم بهما

فيهما كنا ونبقى في الورى

خيرَهم أرضاً وأسماهم سما

فيه سطرنا بسِفر المجد آيهْ

وحملنا للغد البسام رايه

ووقفنا النفس نذرا أن ترى

عزة الأمة آمالاً وغايه

قد بنينا فيه للعلم المعاهدْ

وعمرنا للتقى فيه المساجد

فيه سابقنا الأماني والرؤى

فسبقناها على شُحّ الموارد

كان هذا الشعب أغلى ما لديه

وثراه إثمداً في مقلتيه

عيد الاستقلال من نعمائه

وعميم الخير من فيض يديه

أسلم الليث إلى الشبل العرينْ

خافق الرايات علويّ الجبين

واجتبته راضياً مرضية

جنّة المأوى؛ فرضوان الخدين

امضِ عبد الله فيما استَوْدَعكْ

جلَّ مَن فينا سناءً أطلعكْ

إنْ تَجُزْ حَزنَ المدى أو سهله

أو تخوضَ البحر خضناه معك

أيّها الشبل لأغلى أسد

يا سناءِ البشْر بالفجر الندي

فيكَ عبدَ الله يا تاج العلا

عزة الأمس وأحلامُ الغدِ

يا سماءِ النّور في عليائه

وبهاءُ الخير في سيمائه

يا سليل الدوحة الفضلى ومَن

يستظلُّ المجدُ في أفيائه

دُمْتَ بالعزّ دوامَ الزمنِ

ملجأ للعرب عند المحن

يا وريثَ الثورة الكبرى بكُمْ

عزةُ العربِ ومجدُ الوطن

فيكمُ قد أشرق استقلالنا

وبكم قد حققت آمالنا

وبكم تبقى على طول المدى

خافقاتٍ بالمنى أعلامنا

أنت عبدَ الله يا تاج العلاءْ

نورُ فجرٍ باسمٍ عذبِ الرواء

جَلَّ من اطلع فينا كوكبا

هاشميَّ الومض قدسيَّ السناء

موئلُ العزّ وصرحُ الأمل

أنت عبدَ الله والمجد العلي

عترة الهادي ستبقون لنا

أولَ الحب وحبَّ الأزلِ

نحن أهلُ العزب أربابُ الشّهامهْ

ما انحنت منا لغير الله هامه

إنْ تشأ يا كونُ أن تعرفنا

فاسأل الأغوار، سل عنا (الكرامه)

يا ثرى مؤتة يا فجراً نديّا

يا ذرى اليرموك يا مجدا عليا

عربياً وستبقى عربيا

هاشميّاً وستحيا هاشميا

القصيدة الثالثة بعنوان: (أمّة في رجل)

نظمتْ هذه القصيدة عام 1986م ، وألقيتها في المسابقة الشعرية التي أقامتها جامعة اليرموك عام 1988م ، وفازت بالمرتبة الأولى، وحصلتُ بها على شهادة ولقب شاعر الجامعة. وهذه هي القصيدة:

ملاكُ الشعرِ أوسعني عتابا

ورَوْح منه أبلغني الخطابا

قضيتُ بدوحهِ الداني عقوداً

ولم أطرق سوى الآهات بابا

وكان يلومني فأجيب: دعني

فضيق العيش أفقدني الصوابا

ومَن جعل الملامَ سبيلَ نصحٍ

فقد ضل السبيل وما أصابا

ومن عادته أقدار الليالي

أحالت شهده في العيش صابا

ومن أظمته أو ضَنّت عليه

رأى البحر الخضمَّ بها حبابا

أغالبُ حرقة في النفس قرّت

غلابا ما أطيق له غلابا

أغالبها وأغلبها فتمضي

ويأبى طيفها إلا إيابا

أمنّي النفس بالآمال أرجو

سلوّا ما، فيعجزني طِلابا

بنفسيَ مَنْ أزال هموم نفسي

بِرَوْح منه أرجع لي الشبابا

به قد ذقت طعم العيش حلواً

وقد أضحت مناهله عِذابا

حسينُ وحبكم إلهام شعر

سما صَدَراً بكم وزكا مآبا

ولما هاج حبكمُ القوافي

أنَخْتُ بباب مدحكم الركابا

فكان تليد عزتكم رسولاً

وكان طريف مجدكم الكتابا

إليك خرائداً من ذوب نفسي

تسامي الخُرّدَ الغيد الكعابا

كرائم ما تَريم لها خِباءً

وخُدْراً ليس تَطّرحُ النقابا

حرائر لم تكن لسواك محضاً

مُسوّمةً، مُصرّحةً، عِرابا

جعلتُ مهورها منكم قَبولاً

وعند الله زلفى واحتسابا

فأنتم عترة الهادي ومَنْ هُمْ

أجلّ وخير من وطئ الترابا

وأنتم سبطة بين البرايا

فمن ساواك في الناس انتسابا؟

كريمُ خِلالكم في كلّ فَجٍّ

عقود الخير طوّقت الرقابا

وعاطر ذكركم في كل سمعٍ

ذكيُّ المسك يكبر أن يُشابا

وما داناكمُ في الفضل خلقٌ

ومن يرجو من الشمس اقترابا؟!
فإن كان الكمال بهم محالاً

سَموتَ إلى الكمال فكنتَ قابا
وأنتم للعلا جسدٌ وروحٌ

إذا كان الأنام لها الذنابى

وما عرف الورى والكونُ نوراً

إذا لم يقتبسْ منكم شهابا

ولا شهدت دُجَنّته صباحاً

ولا سُقيتْ تنائفهُ سحابا

مِدادُ مديحكم لو كان بحراً

أحالته فضائلكم حَبابا

سموتم أن يوفّيكم بيان

رقى الخضراء أو ولج العبابا

ومَن للعُرب غيركُمُ ملاذ

إذا البغي اعترى والخطب نابا؟!

ومَن يرجى لمكرمة سواكم

إذا ما المجد بالخُلَصا أهابا؟!

فإن ناءت بكلكلها الليالي

أبتْ هاماتكم إلا انتصابا

فكنتَ لأهلك الأمل المُرجّى

وكنتَ لمجد أمتك الرحابا

فإن يُنجدْ سلكتَ له حزوناً

وإن يُغوِرْ قطعتَ له شِعابا

وكنتم عن عروبتكم دروعاً

وفي الباغي الصوارمَ والحِرابا

وكانت وحدة العرب الأماني

وكانت عزة العرب الرغابا

وكانت نهضة العرب المرامي

وكانت رفعة العرب الطِلابا

بكم أحلام عزتهم أحِقّتْ

ولولا فضلكم كانت سرابا

جعلتَ الشعب منك أخاً أو ابناً

وأرسيتم على الحب الطنابا

وشيدتَ البلاد صروحَ عِزٍّ

وأعليتَ المنابر والقبابا

شحذتَ لكل مكرمةٍ حساماً

وصُغْتَ لكل مأثرة قرابا

وآساد من الآساد خُصّتْ

بأن بها لقائدها انتسابا

قد اعتمّوا من الحمر القواني

وأكْرِمْ بالدم القاني خضابا

تُقلّدهم أيادي المجد درّاً

إذا ما قلد الأسْد السخابا

وتغذوهم من العلياء زاداً

وتكسوهم من الجُلّى ثيابا

فسل عنهم جنين وسيلتيها

وبابَ الواد تنبئك الجوابا

وقلقِيليّةً واسأل أريحا

وسل عنهم من القدس الهضابا

جبالَ النارِ من كانوا لظاها

على الباغين تلتهب التهابا

سل الآفاق من سهل وحَزْنٍ

وسل فيها المدائن والقصابا

سل الأغوار إذ صالوا وجالوا

وإذ كشفوا عن الفجر الحجابا

فهم خطّوا إلى (رمضان) درباً

وهم فتحوا إلى (تشرين) بابا

وهم إذْ ثوّب الجولان هبّوا

إلى الهيجا ليوث شرى غضابا

فكان طهور ما احتضنت مهوراً

وكان ذكي ما عبقت ملابا

وكان كريم ما ازدانت عقوداً

وكان زكي ما لثمت رضابا

بمدحك يا حسين العرب أرجو

من الرحمن في الأخرى ثوابا

فحبكُمُ بشرع الله عهدٌ

ومَن ينكثْ بعهد الله خابا

جعلتُ الأهل والولدان مني

وما ثمّرتُ دونكُمُ حجابا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق