حوارات عامة

الشاعر الكبير “أحمد معروف شلبى”:

((جماهيري من الصغار هم أكبر النعم من الله)) !!

• أكثر ما تحتاج إليه المناهج هي روح الإبداع
• إننا بحاجة إلى تغيير الكثير من السلوكيات والمناهج وطرق التدريس
• قضيتي هي غرس القيم البسيطة من صدق وأمانة ومحبة ورحمة وعفة.
• لا بد من وجود مكان مخصص للمسرح في البناء المدرسي, ووجود متخصصين في الفنون المسرحية
• لم يبلغ أدب الطفل أي حد لأنه منعدم الأهداف إلا فيما ندر عند بعض الكتاب
حاوره : محمد المطارقى

على يديه تشدو البلابل، وتصدح بأروع الألحان.. وتزهو السنابل وتزدهر.. على نغمات صوته الشجية، يغرد الصغار فى مدارس البراءة “بستان الحياة” بطفولة ناعمة تشبه أصابع النسيم فى صباح مبهج. “أحمد معروف شلبى” هو الاسم الذى التصق بقلوب وعقول التلاميذ.. فهم يرددون ـ فى عذوبة محببة ـ أشعاره المقررة..كما يتغنون بها على شبكة التواصل الاجتماعى، وابتساماتهم المضيئة ترتسم فى سعادة على وجوههم الطازجة. هو شاعر فحل له حضوره اللافت، بقوة منهجه، وبلاغته.. وبساطته.. ونحن هنا نتهادى بمحبته داخل حديقة غناء مبهجة، تسر الناظرين ، من حدائقه الخصبة، الثرية، الممتدة،التى تعانق الأفق البعيد..نحن هنا فى جنة الأطفال..بين الفراشات الرقيقة، والأزهار الضاحكة، والأشجار التى تصافح السماء. نحن هنا داخل بستان الطفولة المبهج عالم شاعر الأطفال “أحمد معروف شلبى”

حدثني عن ذلك الطفل الذى كنته.. والطفل المخبوء داخلك.. والطفل الذى تبحث عنه؟

الطفل الذي كنتُه هو ذلك الطفل الذي عاش في أسرة حالتها المعيشية دون المتوسطة, تعيش على الكفاف, كثيرة العدد, لم يكمل تعليمه فيها غيره, كان ينال احترام الناس وحبهم لنباهته رغم الظروف الصعبة. والطفل المخبوء داخلي هو الطفل الحالم بالحياة, الطفل الذي تتقاسمه حياتان: حياة الواقع وحياة الخيال, حتى إنه أحيانًا يتمثل الخيال واقعًا يتحرك في جوانب واقعه من خلاله. أما الطفل الذي أبحث عنه, فهو الطفل الآمن السعيد الذي تحترم الحياة ذكاءه, ويلقى ما يستحق من عناية وتقدير واحتضان لمواهبه.

* ما أهم الشخصيات ، والأعمال الإبداعية التي أسهمت في تكوينك الأدبي والثقافي ؟.

هناك شخصيات أثرت في تكويني في مرحلة الطفولة ومن خلال دراستنا الابتدائية, مثل الأديبة جاذبية صدقي التي كانت تأخذنا لعالم من الخيال والجمال في كتاباتها عن الغابة وطرزان والمزج بين ما هو إنساني وحيواني وخرافي, ثم كانت قصص عبد الحميد جودة السحار في السيرة النبوية, والأشعار الممتعة فيما كتبه شوقي للصغار عن الثعلب والديك وهذا العالم الرمزي الذي كان يستثير فينا البحث عن النموذج الموازي في الحياة البشرية. ومع مراحل العمر وتنامي القراءة والمعرفة, كان كل ما يقع تحت اليد للقراءة مسهمًا بشكل كبير, مثل روايات محمد عبد الحليم عبد الله في مرحلة الشباب المبكر, وأشعار أبي القاسم الشابي, ثم مرحلة نجيب محفوظ, وعبد الرحمن الشرقاوي, ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه, ثم مرحلة صلاح عبد الصبور والبردُنِي وعبد المنعم الأنصاري.. والأدب العالمي المترجم من شعر ورواية وأدب طفل.

لك عالمك الشعرى المتفرد.. الممتد عبر سنوات طويلة. لكننا اكتشفنا أن هذا العالم المتلاطم،المترامي الأطراف يحوى بداخله عالم شديد البساطة، شديد البراءة، وهو عالم الأطفال.فكان ديوان ” بستان الحياة ” ,ومجموعة من المسرحيات الشعرية والتعليمية.
حدثنا عن عالمك الطفولي، وتجربتك مع الكتابة للطفل؟

استفدت كثيرًا من فترة إعارتي للملكة العربية السعودية, حيث عملت بالتعليم الابتدائي, ولم أكن قد مارسته, ولكن دراستي التربوية أفادتني في كيفية التعامل مع الأطفال, وكنت إذا وجدت صعوبة في إيصال المعلومة بالطرق التعليمية الكلاسيكية أتناولها بشكل مسرحي, حيث كانت لي تجارب كثيرة فيه في الأنشطة المدرسية في مصر, خاصة أنني كنت أعمل بمدرسة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع كانت توفر لي ما أطلبه من الإمكانيات, حتى إن القناة الأولى المصرية أذاعت لي مسرحية في أحد البرامج التي كانت تشرف عليها الشئون المعنوية للقوات المسلحة, هذا الأسلوب المسرحي في التعليم حفَّز التلاميذ على المشاركة والحماس والفهم, فكنت أسجل ما دار في الفصل كتابة, ثم أعالجه مسرحيًّا وأشارك به في أنشطة الإدارات التعليمية بالمملكة, وقد نالت إعجاب الجميع, وأذاع التليفزيون السعودي مسرحية ” صديق الشجرة ” وهي مسرحية تربوية تحث على المحافظة على النبات والأزهار, فكانت المحصلة مجموعة من المسرحيات التعليمية مثل مسرحية “أبناء الجملة الاسمية” ومسرحيات السِّيَر مثل مسرحية ” العالم الزاهد عروة بن الزبير” ومسرحية “ابن جبير” وغيرها. ثم كانت مجموعة من الأناشيد التي استوحيتها من الطبيعة التي كانت تطالعني من شرفة البيت من خلال الحقول والحدائق الممتدة بلا حدٍّ, وكان ابني محمدٌ صغيرًا يجلس علي حجري متسائلًا عن أسماء الطيور التي تحطُّ أمامه, وأسماء الأشجار, فكنت أجيبه في شكل أناشيد, وسجلت هذه اللحظات شعرًا في مخطوط , وحين تحدثت عنه أمام الشاعر الكبير سعد عبد الرحمن رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة طلبه وحمله بنفسه في الإسكندرية حيث كنا في مؤتمر أدبي, وتم طبعه في سلسلة قطر الندى. والحمد لله أن هذه الأعمال حظيت بالعديد من الدراسات الأكاديمية, سواء رسائل علمية أو أبحاث للترقي في مصر وسوريا والعراق, كما أن كثيرًا من أساتذة الجامعات اعتمدوا عليها في مقرراتهم على طلابهم وطالباتهم في كليات التربية وكليات رياض الأطفال.
ومن حسن الحظِّ أن الأستاذ الدكتور فوزي عيسى كان مُوكلًا إليه مراجعة بعض المناهج التعليمية, ومنها منهج الصف الثالث الابتدائي, ووجد أن الأناشيد التي كانت مقترحة للدراسة ضعيفة وغير مناسبة, فاقترح نشيدين من أعمالي هما (مصر) و(الفراشات) على أن يُقرَّر أحدهما, فكانت المفاجأة الجميلة أن الوزارة اعتمد أحدهما للفصل الدراسي الأول والآخر للفصل الدراسي الثاني, وهو ما أدى إلى ذيوعهما وذيوع اسمي في هذا الوسط التعليمي الرحب وهو ما أسعدني كثيرًا.

هل نعلم أطفالنا الأدب ليكون هدفا بحد ذاته..؟، أم نعلمه ليكون وسيلة لغرس القيم التربوية؟..وهل يمكن تحقيق المعادلة الصعبة بين الفن والتربية فنحقق بذلك الغرضين معا؟

نعم فالإجابة تتمثل في الشق الثاني من السؤال, فالأدب في حد ذاته هدف تعليمي إذا توفرت فيه القيم التربوية, لأنه لا يمكن تقديم ما يهدم القيم, ولا يمكن تقديم القيم في قوالب جافة بعيدًا عن جمال الأدب وإمتاعه.

أحلامك الملونة التي تعزفها على الورق.. ما الذى تحقق منها على أرض الواقع.. ؟ وماهو الحلم الذى ماتزال تتأبطه وتسعى لتحقيقه؟

تحقق منها ما أنجزته ووصل للمتلقي, وما زلت أتأبط الحلم في أن أرى نصوصًا لي مقررة في المراحل التعليمية المختلفة لأنها القاعدة الأكثر اتساعًا في وصول أفكارك ومشاعرك للنشء على اختلاف أعمارهم, فهي أهم عندي مما يُقرَّرفي المناهج الجامعية لأنها محدودة بحكم التخصص وقناعة الأستاذ وميوله – رغم أهميتها بلا شك-

لك تجارب ثرية في التأليف المسرحي.. في تقديرك ما الذى يمكن فعله لكي ننهض بمسرح الطفل ؟
لا بد من وجود مكان مخصص للمسرح في البناء المدرسي, ووجود متخصصين في الفنون المسرحية يتم تعيينهم في التربية والتعليم – وهم كثر – لا أن يوكل النشاط المسرحي لمعلم اللغة العربية – كما نرى – وقد يكون فاقدًا الإحساس الفني, أو متأفِّفًا من زيادة الجهد إليه, وأن يتم التحفيز بدرجات نشاط للتلاميذ المشاركين, وأن يتم انتقاء النصوص بعناية, وأن تعتمد اللغة الفصيحة سواء في المسرح أو الإلقاء الشعري لنها اللغة الرسمية للتعليم.. إن وجود المسرح والفنون كالموسيقى والرسم والتشكيل سيكون له أكبر الأثر في العملية التربوية بما لها من أثر سلوكي ونفسي واجتماعي..
إن نهضة الأمم لا تقوم إلا على ثلاثية: العلوم والفنون والآداب, وأي إهمال لجانب منها يؤدي إلى الجهل والتطرف الفكري والسلوكي.

هل بلغ أدب الطفل الحد المأمول.. وماهي أهم الشروط التي ينبغي لها أن تتحقق من أجل الوصول إلى أدب جيد ؟

لم يبلغ أدب الطفل أي حد لأنه منعدم الأهداف إلا فيما ندر عند بعض الكتاب, فمعظم ما تنشره المجلات المتخصصة للأطفال في مصر ليس من أدب الطفل في شيء, فهي قصائد بالعامية, او قصص لا تعي الأهداف التربوية والقيمية, وبصراحة: كثير منها ينشرها المسؤولون عن تلك المجلات لنيل مكافأة النشر, كما أن ما يحمل القيمة لا يصل إلى الطفل في المؤسسات, فنادرًا ما تقام الندوات باستضافة كاتب متخصص, أو مناقشة كتاب له رسالة نبيلة, إن المكتبات في المدارس والأندية ديكورات أكثر منها ذات رسالة. والشروط تبدأ من منافذ النشر الكبرى كهيئة الكتاب أو هيئة قصور الثقافة بإجراء مسابقات مشروطة بالتأليف حول فكرة معينة أو قيمة محددة مثل حب الوطن أو التسامح أو الرحمة أو التعاون أو السلوكيات, أو قيمة العلم أو العمل.. أو بتشكيل لجان تتسم بالوعي والنزاهة تختار مما يتقدم به البعض للنشر ما يتناسب مع أهداف الوطن العليا.

ما أهم المعوقات التي تحول بين كاتب أدب الطفل، وبين وصول منتجه الإبداعي إلى القارئ المستهدف؟

أهم المعوقات: النشر الذي لا يتوفَّر بسهولة, وإن توفر فهناك مجاملات تلعب فيها المصالح الخاصة أو الأهواء دورًا في الاختيار والأسبقية, ثم المنصات الإعلامية التي تجهل الكثير عن الكتاب الجيدين فهي لا تفرق بين الغث والسمين, كما أن مسئولي المناهج التعليمية عليهم دور كبير في التعرف على المنتج الجديد وترشيح ما يستحق منه على المرحلة المناسبة له , وعدم التوقف لسنوات طويلة على ما تم اختياره, فالمختار في المنهج لا يجب أن يزيد عن خمس سنوات , ويجب تغييره بعد ذلك لضخ دماء جديدة.

متى يشعر الكاتب أو الشاعر بالفشل ؟

لست أدري أتقصد الفشل أم الإحباط, فالكاتب الفاشل يجب أن يشعر بفشله بدايةً, لأن الفاشل من أراد شيئًا لا يستطيعه, أما الإحباط فقد يتولد مع الكاتب الجيد عندما يشعر بتفضيل الأقل قيمة عليه, ويشعر بضياع ما يستحقه, ويحاصره التجاهل.

فى رأيك ، الدور الذى يتحتم على الحكومات العربية أن تنتهجه من أجل الوصول إلى عقل ووجدان الطفل العربى؟

أول ما يجب الحرص عليه هو أن يشعر الطفل ان هناك من يحتضنه, برعاية والديه اللذين يعولانه, وحفظ كرامته وكرامة أسرته حتى يتسرب إليه الانتماء دون تلقينه كلمات جوفاء يرى عكْس معانيها في معاناة الحياة ومعاناة الأسرة, وأن تقوم مؤسسات الدولة بواجبها من رعاية صحية واجتماعية وثقافية وترفيهية مناسبة, أي أن تُجَنِّب الطفل صدمات الواقع, وإلا فإني أتساءل: كيف سيكون شعور أبناء سوريا والعراق واليمن وليبيا الذين تعرضوا لكل ألوان الرعب والدماء والتشرد؟

الشاعر الكبير أحمد معروف شلبي.. ماهي قضيتك الأساسية التي تتبناها في أعمالك للطفل؟

قضيتي هي غرس القيم البسيطة من صدق وأمانة ومحبة ورحمة وعفة, وهي التي إن نشأ الطفل عليها فسنكون في مجتمع يتسم بالفضيلة مستقبلًا.

باعتبارك شاعرًا للأطفال، وتعمل فى حقل التربية والتعليم، هل الأنشطة الثقافية والفنية بمدارسنا تقوم بواجبها اللازم؟

هي أنشطة سقيمة, ولسد الذرائع فقط, وتفتقد الروح لأن التشجيع والتحفيز غائبان, ولأن اليوم الدراسي محمل بأعباء حفظ المناهج والتسابق على الدروس الخصوصيىة التي تنتهي مع الأطفال والمعلمين في الساعات الأخيرة من الليل, فلا وقت للنشاط او المتعة, وهو ما يجعل وقت المدرسة نوعًا من الحبس والعقاب والملل سواءً للمعلم أو المتعلم.. فليست هناك فرصة لاكتشاف المواهب أو استغلالها إن وُجِدت.

• “نشيد الفراشات”..”نشيد مصر” قصيدتان لك دخلتا ضمن مناهج التعليم الأساسى بوزارة التربية والتعليم. حدثنا عن هذه التجربة، وكيف كان شعورك وأنت تجد جماهير غفيرة من الصغار يغردون بكلماتك، ويرددون اسمك؟

أنا تحدثت عن كيفية الاختيار, أما عن جماهيري من الصغار فهم أكبر النعم من الله, لا أستطيع وصف الشعور عندما يستوقفني تلميذ أو ولي أمر للسلام أو التصوير, أو يتوصل لهاتفي ويبادلني الكلمات وأستمع إلى أحد النشيدين, أو عندما أطالع على شبكة التواصل تلاميذ يتفننون في أدائه, أو زملاء يبتكرون طرقًا فنية لتدريسه وغنائه, لقد حقق لي النشيدان ما لا يمكن أن تحققه أية اعمال أخرى.

– ألا تتفق معي بأن المناهج التعليمية التي تقدم لأطفالنا بالمدارس لاتزال بحاجة إلى تطوير يتناسب مع عقل ووجدان الطفل؟، وأن العشوائية في اختيار وتقديم النصوص لاتزال هي الحاكمة..مما يؤدي الى وجود أعمال رديئة لاترقى الى مستوى الإبداع الحقيقي ؟

أكثر ما تحتاج إليه المناهج هي روح الإبداع, بمعنى أن يكون ممن يضعون المناهج مبدعون – من باب أهل مكة أدرى بشعابها –لقد كانت المناهج ذات قيمة عندما كان يشارك فيه أدباء كبار أمثال طه حسين وعلي الجندي وعلي الجارم وأحمد أمين وغيرهم, أما اليوم فالكثير من النصوص تفتقد الرؤية التربوية, وتفتقد الدقة اللغوية والموسيقية.

وأخيرا، ماالرسالة التي تود تقديمها في نهاية هذا الحوار ؟
أقول: إننا بحاجة إلى تغيير الكثير من السلوكيات والمناهج وطرق التدريس, ونحتاج تحديد أهداف الوطن بدقة وتحديد آليات واقعية للتنفيذ, وإلزام الجميع بدوره: مؤسسات وأسر وأفرادًا في ظل قانون عادل يحكم الجميع ويساوي بين الطبقات والمواطنين في الحياة الكريمة التي تفرز طفلًا سويًّا منتميًا محبًّا لوطنه ولأفراد مجتمعه, يتسم بالأخلاق الكريمة والقيم النبيلة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق