قراءات ودراسات

رواية أمريكية بأنفاس أفغانية

تقديم :عادل نايف البعيني*

أخيرا ترجم عملا الروائي الأفغاني خالد حسيني ( عداء الطائرة الورقية) و ( ألف شمس مشرقة) للعربية وفيما يلي إضاءة وتعليق نقدي بما أمكن عن العمل الأول. وهو ترجمة الشاب (منار فياض) من سوريا، صادرة عن دار (دال) بدمشق. اعتمدت رواية الأفغاني خالد حسيني على أحداث مؤثرة يتقزز منها الضمير الإنساني عموماً كقضية الاغتصاب والقتل والإبادة الجماعية والإساءة للأطفال أو العنف تجاه المرأة، وكل عمل إنساني مجرم مستحدث!‏‏ تبدأ الرواية بينما بطلها «أمير» يعيش في سان فرانسيسكو باتصال من صديق والده وصديقه أيضاً، رحيم خان يطلب منه الحضور إلى باكستان لمقابلته لأمر هام منهياً مكالمته بقوله: «هناك طريقة لتصلح ما قمت به»‏‏

 

لتحفر تلك العبارة برأسه نفقاً يعيده إلى أيام كابول بجمالها وبشاعتها، بحلوها ومرّها، وليتذكّر صوت حسان خادمه وصديقه وأخيه غير الشقيق حيث سيعرف فيما بعد، يهمس في أذنه: «لأجلك ألف مرة أخرى» ص 12 ويبدأ حسيني بسرد أحداث الرواية بضمير المتكلم على لسان بطلها «أمير» الفتى الباشتوني الغني وذي المركز الاجتماعي المتفوق، لكنّه الضعيف في مواجهة الآخرين، حيث سيؤدي تخاذله وجبنه للتخلي عن مساعدة حسان، وهو يرى آصف عدوّه اللدود يغتصبه بمساعدة اثنين من مساعديه. لتأخذ الرواية بهذا المشهد سلوكاً درامياً نفسياً سيكولوجياً، يقوم على الشعور بعقدة الذنب، ما يدفع «أمير» لاختلاق تهمة السرقة على «حسان» كي يدفعه لمغادرة داره، متمنّياً في الوقت نفسه لو يدافع حسان عن نفسه ويكذبه، لكنه لم يفعل فيعترف بالسرقة التي لم يقترفها، ويمضي مع والده علي إلى هازارات، أمام حزن والد أمير. ورغم مسامحته لابنه غير الشرعي حسان، الذي لم يعترف به، وكتم الحقيقة عنه وعن ابنه، بحيث لا يعرف بالسر إلا من رحيم خان بعد تلبية طلبه وسفره إلى باكستان.‏‏

لقد انسلّ الحسيني إلى تفاصيل دقيقة وصغيرة، وراهن على مشاعر أمير، فبدا للقارئ كأنّه يقرأ سيرة ذاتية، وشخصية للكاتب نفسه، إذا أغنى وصفه السيكولوجي بتصوير خلاّب غني ومؤلم، أظهر تناقضات جمة في تصرفاته، وتقلبات ملفتة من حب إلى كره، إلى شعور بالذنب، وارتياح أو رضا، إلى غضب مفتعل، يتلوه حزن لعدم المواجهة. كل هذا صوّره الروائي بين أمير وحسان والتي انتهت أخيراً، بمغادرة حسان وعدم رؤية أحدها الآخر حتى مقتل الأخير على يد طالبان. مخاض من العواطف والمشاعر الحساسة، حياة متحركة تصفع وجهك من صفحات الرواية. ومما جاء على لسان الروائي نفسه في إحدى المقابلات نستشفّ ذلك حيث قال: «القصّة خياليّة، الشخصيات مُختلقة والحبكة مُتخيلة ولكن بعض عناصر السّيرة الذاتيّة منسوجة على نحوٍ ما داخل السّرد. و لا سيّما الفصول التي تتناول حياة أمير وبابا في محاولتهما لبناء حياة جديدة في  الولايات المُتحدة».‏‏

لا يدخل الروائي كثيراً في السياسة، ولا يبدو عليه الوقوف إلى جانب ضد آخر، فقط يصف وبدقّة، وحشية الجنود الروس عندما حاول أحد الضباط اغتصاب امرأة أمام زوجها، وتصويره لوحشية الطالبان سواء في قتل حسان وزوجته، أو ما قاموا به من مذابح في مزار الشريف، أو ما قام به، عدوّه اللدود آصف الذي تحول إلى طالباني يقوم عمله على رجم المحصنين والمحصنات أمام الناس، وهو في الوقت ذاته ينتزع الأطفال إناثاً أو ذكوراً من الميتم ليغتصبهم مع أزلامه.‏‏

ويبدو أن الروائي أراد أن يصوّر أمريكا كوالد حنون، متغابياً عن قنابلها الذكية، ودوسها لكلّ القيم، متناسياً بأنها من سلحت ودرّبت الطالبان، وأوجدت ابن لادن والسلفية، فقط لمواجهة السوفييت آنذاك، ثم ذاقت طعم الخيبة بعد استهدافها ببرجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر.‏‏

أمّا المشهد الرائع في الرواية فهو نهايتها، إذ بعد رحلة شاقة لأمير من باكستان إلى أفغانستان، يواجه خلالها الموت أكثر من مرة، يعود بالطفل سوهراب ابن حسان، فتدبّر زوجته ثريا أمر هجرته إلى سان فرانسيسكو، وهناك بعد عام من صمت الطفل، يطيّر «أمير» مع سوهراب طائرة ورقية، ويفوز بها على بقية الطائرات ليطلق عبارة حسان الشهيرة قائلاً لسوهراب «لأجلك ألف مرّة أخرى» وينطلق راكضاً مع الأطفال ليصطاد الطائرة المهزومة، فقط لأن الطفل ابتسم له أخيراً.‏‏

فالرواية مقلع من الأحاسيس والمشاعر، مليئة بالحياة والحركة، تتحدث عن العلاقات الإنسانية ما بين «الأب، الأخ، الصديق، الوطن» وشفافيتها، عن الأخلاقيات «أخطاء الآباء، الأبناء، الحروب» وعن الماضي الذي يسكننا دوماً و لا خلاص منه إلا بالخوض فيه.‏‏

اتبع المترجم طريق الترجمة المباشرة، والأسلوب الأجنبي تماماً، كأن يقدم الاسم على الفعل بشكل مطلق، فجاءت بعض الجمل ركيكة وضعيفة البناء أشير هنا مثلاً في ص 26 إلى قوله: «إنّها حقيقةٌ أنّ أبي كان يفرك وجه كل من كان يهزأ به بالإشارة إليها أميرتي» أو قوله في ص 29 : «تسرق حق زوجته بزوج، من أطفاله تسرق أباهم» أو قوله ص65» تخيّلتنا نذهب نزهة الجمعة في سيارة بابا» أو قوله: «ثريا وأنا قمنا بالأوروسي خاصتنا». أو قوله ص 31: «إعاقة شنيعة لفريقي كنت» أو استعمال قلت في آخر الجملة في متن الحوار وهذا وارد باستمرار: كقوله ص 28 «اتركنا نذهب آصف قلت»:ـ أوه أنتم تزعجوني قال آصف» .‏‏

أمّا عن الأخطاء النحوية فهي أكثر من أن تحصى، فعلى سبيل المثال لا الحصر لم أر خبراً مرفوعاً للحروف المشبهة بالفعل مثل قولهم: «لأنّ الأفغانَ ميالين» ص23 «إنهم جميعاً مخطئين ص 26» أو اسماً مرفوعاً لكان: «كان لدي اعتراضًا» ص 144وغيرها. أمّا الأخطاء الإملائية فحدّث ولا حرج. ومع ذلك فما أوردته لا ينقص من قيمة العمل الروائي المبدع والمميز والجذاب، والذي يشدّك ويجذبك لمتابعة أحداثها بلا توقف حتى النهاية، وما كان هذا ليحدث لو لم تكن ترجمة العمل من ناحية المضمون جيّدة.‏‏

رواية: عداء الطائرة الورقية‏‏

الكاتب: خالد حسيني‏‏

ترجمة: منار فياض‏‏

الناشر: دار «دال»‏‏

*شاعر وقاص من سوريا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق