قراءات ودراسات

إيدا فيتالي.. وردة لآخر أسماء جيل 45

محمد الأسعد

بينما كانت الشاعرة الأوروغوانية، إيدا فيتالي (1923)، عاكفةً على كتابة روايةٍ تستعيد فيها محطّاتٍ من حياتها التي قضت قرابة سبعين سنةً منها مع الأدب، أُعلن عن فوزها بـ”جائزة ميغيل دي ثربانتس”؛ ففي الرابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أعلَن وزير الثقافة الإسباني، خوسيه غيداوو، منحها أبرزَ جائزة أدبية في إسبانيا، لتُضاف إلى قائمةٍ من الجوائز التي فازت بها في العالم الناطق بـ الإسبانية.

وقالت لجنة التحكيم إن منحها الجائزة جاء تقديراً لشعرها وأعمالها النقدية وترجماتها، إضافةً إلى لغتها الشعرية التي “تُعتَبر واحدة من أكثر اللغات شهرةً في الشعر المكتوب بالإسبانية، وهي في الوقت ذاته لغة مثقّفة من نوع السهل الممتنع، ذاتية وكونية، تتميّز بالشفافية والعمق”.

وتعليقاً على منحها الجائزة، قالت فيتالي إنها مفاجأة أذهلتها، ورأت فيها “تعبيراً عن كرم إسبانيا الفائض”.

وكان موقع “جهات العالم الأربع” الإلكتروني قد احتفى، قبل عام، بثلاث شاعرات ينتمين إلى ما يُسّمى “العالم الإسبانيولي” بوصفهن أبرز شاعرات اللغة الإسبانية في القرن العشرين؛ وهن: إيدا فيتالي، والتشيلية غابرييلا مسترال (1889 – 1975)، والبرتغالية صوفيا دي ميلو (1919 – 2004).

عاشت فيتالي، التي تُعدّ آخر شخصية لا تزال على قيد الحياة من شخصيات الحركة الفنية المعروفة باسم “جيل 45″، في المكسيك التي هاجرت إليها إثر انقلاب عسكري في الأوروغواي عام 1974. وحين قُيّض لها أن تعود إلى بلدها الأم، لم تستطع البقاء لأكثر من سنتَين؛ حيث غادرت مرّةً أخرى، وهو ما تحدّثت عنه في أحد حواراتها الصحافية قائلةً: “من الصعب العودة إلى بلد غادرتَه، وبدء حياة جديدة من نقطة الصفر”.

في روايتها التي تكتبها حالياً، تروي فيتالي أيضاً تجربة أحد عشر عاماً عاشتها مع أمّة “الأزتك” الأصلية في أميركا الوسطى حيث عاشت وزوجها الشاعر أنريكي فيرو (1941 – 2016).

هنا ترجمتنا لمجموعةٍ من قصائد الشاعرة:

دوّامة خيول
استعراضُ الفرسان، الدوّامة،
وما تدعوه دوّامة خيول، يناديني
مثلما ينادي لهب شمعة، عربة، وعل،
بجعة، وحصان، وحصان في المؤخّرة
يدور ويدور، ولكنه ساكنٌ سكوناً مطبقاً،
ساكن، ومع ذلك يركض في الفضاء
بأجراس صغيرة وأنابيب أرغن،
الهواءُ لا يحرّك ذيل الحصان
الكلُّ ذهبيّ وأبيض، ولكنه خطر،
خطر السقوط أثناء الطيران،
سقوطي، وينساني أبي
الإفلاتُ في مكان آخر
ليس ما عرفته
وحيدة فجأة
لا مزيدَ من الغيوم في شعري، لا مزيد من الريح
ضائعة أنا، لا مزيد من ذلك الخوف الممتع
من الطيران بيدين مضمومتين
عُرفُ الحصان ينزلق الآن من قبضتي
وأنا طفلة في تنور فضاء
تستعيد ببطء سكونَ شكلٍ،
شكلِ البدايات
شكلِ كوني وحيدة بلا أجنحة.

■ ■ ■

هدم الجدار
مهمة زمن: أن تقيس نفسها على خلفية الجدار،
تهدمه، تفكّ عوارضه الصلبة،
تلطّف حدته، انتبه لنفاد صبرك:
تنهدٌ يعود مثل عاصفة

غروب شمس يطلّ من
وراء تل باتوفي، ضوء يفيض نازفاً
في قلبك لا بد أن هناك رمادا:
دم ما ظلّ هناك

الحياة: تجيء مع أجنحة وورود برّية
إضمامة للمزهرية، وابتسامات،
أو صمت حجري. ثم الجدار.

■ ■ ■

فصل
حين يتكشف أخيراً
من كنته، من أنا
مكان استراحتي الأخير
من أنتَ، ماذا كنتَ
وجهتك التالية
المسار الذي نتّخذه
الهواء الذي نطيقه
وحيث يُعلن
عن مكان الكنز،
الصيغة القزحية
التي تفسّر لنا العالم
تفسيراً جلياً

إلا أن الفصل
لم يُكتب آنذاك.. أبداً.

■ ■ ■

الكلمة
كلمات منتظرة
أسطورية بذاتها
تَعدُ بمعانٍ ممكنة
ماكرة
هوائية
غاضبة
هادية
خطأ طفيف
يجعلها زخرفية
تمحونا دقّتها الموصوفة.

■ ■ ■

طالع
سنواتٌ، لتستمتعي بالخطأ
وتصحيحه على حد سواء
لتكوني قادرة على الكلام والمشي بحرية
وأن تظهري بلا تشويه
وتدخلي كنائس أو لا تدخلي
وتقرئي، وتسمعي موسيقى من التي أحبها
أن تكوني في الليل كائناً، كما في ضوء النهار
أن لا تكوني تزوّجت في صفقة
مهرها رؤوس ماعز
أن لا تحتملي كونك محكومة بأقرباء
أو بعقوبة قانونية
أن لا يكون عليك أن تسيري بانتظام مرة أخرى
أو تتسامحي أبداً مع كلماتٍ
تزرع خيوطاً حديدية
في مجرى الدم
أن تكتشفي فيك
كائناً آخر غير مرئي
فوق جسر نظرتك
أن تكوني إنسانة وامرأة
لا أكثر ولا أقل.

■ ■ ■

قصيدة/ فراشة
في منتصف الفضاءِ كانت القصيدة
رقيقة، غامضة،
وغامضٌ كذلك
كان وصول الفراشة الليلية
لا هي فاتنة ولا منذرة بسوء
ضائعة بين صفحات الأوراق المطوية
وتبدّدَ معها
شريطُ الكلمات المحلول المهلهل
هل سيرجع أي منهما يوماً؟
ربما أحياناً خلال الليل
حين لا أعود راغباً في كتابة
أي شيء منذر بالسوء
أكثر مما تنذر فراشة مختبئة
تفادياً للضوء
كما تفعل كلّ الأفراح.

■ ■ ■

متاعب بطيئة
لو أن قصيدة هذا المساء
معدنية، حجرٌ
ساقط نحو مغناطيس
في سماءٍ بالغة العمق

لو أنها ثمرة فاكهة مرغوبة
تخفف جوع أحدهم
وينضج كلٌّ من الجوع والقصيدة
في الوقت المناسب

لو أن أجنحة الطائر
هي ما يجعله يعيش
لو أن الجناح
هو ما يحمل الطائر،
لو على مقربة هناك بحرٌ
وصراخ النوارس في الغسق
يضرب الساعة المنتظرة

لو أن سرخسيات الحاضر،
ليس النوع الذي يحتفظ به الزمن كمتحجرات،
يمكن أن تحفظها كلماتي خضراء
لو أن كل شيء طبيعي.. ورحيم..

ولكن حتى لو أن الأمر كذلك،
هذه المسارات الغامضة
تتبدّد من دون معنى واضح
ونصبح بداةً
بلا عظمة من أجل عبورنا
بلا هدف داخل القصيدة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق