الموقع

الفصل 10

خجول متحفظ إلا أنه يحب التحدث مع النساء، يحدق مندهشاً فور مشاهدته امرأة جميلة، سواء في متجر أو شارع أو لو كانت بصحبة أي شخص، يفطن بعدها بثوان لسرحانه ويحاول أن يبدو طبيعياً، وأحياناً ينكر تشنجه وشدة انجذابه، لكنني العارفة لفكره ولشخصيته أنبهه مازحاً، يبتسم ويحاول أن يبدو طبيعياً، لكنه يجيب بضيق جليّ على ملامحه، ويعلق أحياناً بجملة قصيرة كأن يقول “إن الله جميل يحب الجمال، أو هل ترينني مسرعاً للإمساك بها؟” ولا يزيد حرفاً واحداً بعد ذلك، يمتعض بعدها ويلح على العودة للبيت إن كنا في السوق أو في زيارة لعائلة أخرى، يبقى صامتاً حتى نصل البيت، ينعزل بعدها في غرفة يعاقر القراءة أو سماع الموسيقى، لكن دون ثورة ولا ثرثرة، كبعض الرجال حين تنكشف عبوبهم، وأحياناً يقول مختصراً “ماالفائدة ؟” وأعترف أنني لا أعرف ماذا قصد من استفساره ذاك، وأبقى متجلدة.

 

ترى الراحة على وجهه والسعادة،ً منشرحاً ومنفتحاً في الجلسات المختلطة، حيث يكون رجال ونساء، ينجذب له كل من في الجلسة ويحبون حديثه ومداعباته، وحين تلدغني عقرب الغيرة، أخلط اللعبة فيتوقف عن الكلام كلياً أو ينطوي، ويستمر ذلك حتى بعد مغادرة الزائرين، وحتى نتناسى التصادم السابق، لا يهملني لكنه يطلب مني أن أجهز له كأساً من الشاي أو فنجاناً من القهوة. أو تبديل جوربيه، كثيراً ما ساءلت نفسي: من منا يحتاج إلى طبيب نفسي؟ أهو زكي المحجوب أم فهيمة المط ّ؟  لم يتغير زكي ولم يتبدل بمرور الأعوام، وحتى في أمريكا حيث العري والجمال المسفوح في كل مكان حد التبجح والمباهاة والمرض، فكرت أكثر من مرة بزيارة طبيب نفسي، لكنني لو قمت بزيارة طبيب كهذا وخاصة في أمريكا فسيخلقون لي ألف مشكلة، فيصفون الأدوية المهدئة لي، وربما يجعلونني أدمن على تعاطيها، فيثبت عليّ المرض، ويصبح سجلي الطبي مشاعاً معروفاً مكشوفاً لكل العالم بسبب نقمة الانكشاف والصراحة، وبرغم كبر عمري، يظن أهلي أنني أعيش حياة عامرة في متعة، إلا أن جوهر نفسيتي لم تتغير حتى بعد مرور عشرات السنين، مازلت أتوقً لحي المهاجرين في عمان وكما كان في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ولكن هيهات ما فات يعود!. . .، وكيف يمكنني أن أعود لمكان ولادتي وتربيتي ولم يبق أثر لأحد من أهلي هناك؟ حسرة ستبقى في القلب حتى يدق دقته الأخيرة، وأتساءل من حلّ في أماكن طفولتي يا ترى؟ ينتابني القلق والحيرة في أمريكا أحياناً، فألجأ إلى التقوقع والمزيد من التخفي بالملابس المتحفظة، ولباس الرأس الذي يغطي الشعر والأذنين والرقبة، قانعة أن الإسلام علاج عندما تكون في موقف صعب، قد أمازح أي شخص، ذكراً كان أم أنثى، مع أنني لا أثق بأحد في هذا العالم، مع انني لا أتقن المزاح، لا بل أكرهه، لكن شكوكي في النساء تبقى أكثر، وأخشاهن أكثر بكثير مما أخشى الرجال، هكذا كنت قبل زواجي من زكي، وتأصلت فيّ أكثر بعد زواجنا.

لا أنكر أن زكي كان أفضل طبيب نفساني لي، وحين أناكده أو يحاول ترضيتي أو نتجاذب بأسلوب منه، سرعان ما أتحرك بهمة ونشاط، وأشعر بتنمل ودغدغة لذيذة في قلبي وأعضائي وأنا أجهز له قهوته، أو البي له أي طلب، أزداد تعلقاً به حين يخاطبني قائلاً

“هل سأحظى بكاس من الشاي المعطر كرائحة عرق فهيمة، أوحلواً مثل ريقها” مع بسمة تتبع ذلك ونظرة خاصة، يصهر فهيمة ثم يعيد تشكيلها من جديد، يشفيها من كل همومها وأمراضها وعقدها لحظتها، ينسيها طفولتها غير السعيدة، فترى فيه الأب والشقيق والأم والسند والصديق والمنقذ، كانت تحس المزيد من السعادة كلما زاد اهتماماً بها.

ما زال في هذا الجسد والقلب والعقل الكثير من العطاء، أعرف وبلا نكران أنني لم أكن مثله الأعلى، وفي نفس الوقت لم يكن هو النموذج الذي رسمته لنفسي، لكن إحساسي أن كلا منا يهادن مشاعر الآخر انسجاماً مع تقاليدنا، نتقبل ما نجد أنفسنا مضطرين له أومرتبطين به وحسبما قسم لنا، ونتكيف على التعايش مع الحلول الوسط .

أدرك الآن أنه كان أكثر استعداداً مني للحياة وللتفاهم، كان يحب الأنوار الخافتة في غرفة النوم، كثيرات شكون بمرارة من إهمال أزواجهن لهن، أو ميكانيكية ما يفعلون،  قال لي وهو يزداد التصاقا، أريد أن تنفذ طاقتي حياً أو ميتاً بقربك، ولا أتمنى أن أكون حراً مع امرأة سواك أياً كان جمالها.

هل لو فهمت نفسية زكي كما تمنى لتغيرت طريقنا يا ترى؟ لم يكن جلفاً ولا قاسياً ولو لمرة واحدة، لكنه كان جاداً صارماً في معظم الأوقات، وكأنه يجلد نفسه، بل إنساناً يعرف مداه وحدوده، لم نختلف يوماً خلافاً يسبب قطع حبل الودّ بيننا، وخاصة بعد اجتياز السنة الأولى من زواجنا، أينا كان المفروض أن يتغير يا ترى؟

أنا أردنية الأصل والمنشأ والولادة، وهو يصر على قوله “أنا فلسطيني، وعربي وقومي” فأجيبه

– روح خلي عربك ينفعونكم، الأردن حماكم واحتواكم.

– سامحك الله يا فهيمة، إنها وحدة بين  الضفتين، أتفهمين؟؟..!! وأول نتيجة عادت على أسرتينا هي زواجي منك واقتراب أهالينا.

بصراحة وصدق أقولها لا أنا ولا شقيقي شريف استطعنا أن نفهم كل ما يقصد من أحاديثه أو ردوده في بعض الأوقات، كانت تبدو رموزاً أحياناً، زكي الفلسطيني العربي القومي، قلبه عامر بالإيمان والقوة وبالثقة بالنفس. لكنه ظل يعتب على جيران فلسطين، لأنهم علموا الفلسطينين الكسل والاتكالية، وحرموهم من إثبات شخصيتهم والتعبير عن حبهم لبلادهم وأرضهم، ومنعوهم من حمل السلاح ومقارعة الغزاة، صدّق الفلسطينيون أن العرب سيحاربون عنهم، أو سيعيدون لهم وطنهم، وظل يردد قائلاً

–  خذلنا الأشقاء والجيران والمسلمون، وغيروا فينا الكثير من الصفات الوطنية، كان الفلسطيني يعشق الأرض، فمنعوه من محاولات العودة لها، حولوه إلى كسول ينتظر التموين الشهري من وكالات الأمم المتحدة، ومع هذا ظل مصراً على مفاهيمه، فذاك الخذلان الذي يتحدث عنه واتحاد الضفتين أضرت بنا كزوجين كثيراً، وسبب هزات ومشاعر متناقضة في طريق حياتنا، شاهدت نساء أردنيات سعيدات مع أزواج من أصل فلسطيني، ونساء فلسطينيات أسعدن أردنيين، أما أنا الأردنية وزكي الفلسطيني ومن قبيلتي، حتى ومن نفس الفخذ في القبيلة، فلماذا لا نتوافق؟ مرت الأيام هدراً في حياتنا دون أن أرى يوماً واحداً طريقاً واضحة.

هل المرأة الأردنية من طينة مختلفة عن طينة المرأة العربية؟ أو هل وصل الحد بالفلسطيني أن يصبح إنساناً خطيراً إو غريباً أو منبوذاً؟

كان إخواني يزورون عماتهم المتزوجات في فلسطين قبل البلاء الذي حلّ بفلسطين والفلسطينيين، وعندما يعودون إلى عمان لا تنقطع إطراءاتهم في حكاياتهم عن فلسطين وطيبة أهلها وكرمهم، ويطيلون في الكلام عن ترحيبهم بالضيف والقريب والغريب، وعن المزارع والفواكه والسهول والأنهار، وعن القدس والمسجد الأقصى وسور القدس وشوارعها الأثرية ومبانيها القديمة والتاريخية، وعن بحر يافا وحيفا وعكا وكثرة السفن التي ترد إليها، ويتحدثون عن  كثرة الأعمال والوظائف هناك لكل وافد عندهم وخاصة  من شرق الأردن.. أحبك يا عمان.

تتصل بي إحدى بناتي المتزوجات، تبلغني أنها ستزورني بعد صلاة الظهر، لكنني لا أحس برغبة في النهوض من السرير يومها، أنني بحاجة إلى طبيب يعيد لي نشاطي، ويغرس فيّ ثقتي بنفسي ثانية، وليته يتمكن أن يجعلني أحس بالطمأنينة، لا يهمني الناس ولا شكاواهم، وحتى أقرب الناس إلىّ  لم أعد أطيق الاستماع لمشاكلهم وتفاصيلها، أحس بضيق في التنفس، تزيد ضربات قلبي، في الحقيقة إنني بحاجة إلى أكثر من طبيب، وخز وقلق وصداع وتشنج ثم ارتخاء وميل للضعف والاستسلام وضعف في الشهية، يختلف الأمر كله عن أيام صباي، حيث إننا هنا في ظل في مدنية متفوقة تكنولوجياً، لا وقت لأحد في أمريكا للاستماع أو للتعاطف مع أي فرد آخر، حتى لو كان أقرب الناس إليه، أسمع دويّ الرعد خارج الغرفة، بل الدار كلها تهتز، والساعة تقارب العاشرة صباحاً، يزيد الرعد من قلقي، أطللت من خلف الستارة فرأيت طيرين يحاولان الانضمام لبعضهما على غصن شجرة منخفض يلاصق جدار منزلي، الريح تعبث بريشهما، يضطربان، ينظران يمنة ويسرة قلقين من قوة الريح واكفهرار الغيوم، يحلق أحدهما فتدفعه الريح والمطر، لم يترك رفيقه، بل يرفرف بصعوبة يصارع الريح جاهداً ليعود للهبوط حيث كان، يقترب من أنثاه ربما ويلتصق بها، هكذا خطر ببالي وأنا أراقب هذا المشهد المؤثر، الطبيعة فينا ونموذج لنا، لكننا كبشر ننشغل عن جمالياتها، وقد يتمادى البعض للعمل على التخريب، في طفولتي كنت أسارع للاندساس في حضن أمي حين أسمع الرعد أو أرى البرق، كنت أخشاهما وأضطرب، لا أقبل مفارقة حضن أمي لساعة أو أكثر خشية حدوثه ثانية وبصورة مفاجئة، وكثيراً ماكنت أغفو هناك وأنا هادئة صامتة أنعم بالدفء والحنان، ينظر لي التلفاز بعينه الواسعة، أحس أنه يكتشف ما أنا فيه وأنه يحس بأفكاري التي في أعماقي وفي وحشة وتبلد، يتأثر هو الآخر بالرعد والبرق، فترمش عينه وتنتفض الصور أو تضطرب، لكنه لايعلم أنني الأكثر تأثراً، ليته يحتويني في جوفه، يدعوني لمداعبته وتلمس الأزرار التي تحييه وتميته عن بعد، دون حاجة للنهوض قربه أوتلمسه، في يدي أستطيع أن أوجهه كيفما أشاء، وقرب السرير. تقول المذيعة في غنج “نتوقع هطول أمطار غزيرة هذا اليوم حسبما أفاد المتنبئ الجوي، ونحذر من حدوث فيضانات”، ليت ابنتي تلغي موعد حضورها، حتى أبادر أنا نفسي بالخروج من البيت هارباً لزيارتها أو لأحد الأسواق الكبيرة، أنكمش وأغمر نفسي أكثر وأكثر تحت أغطيتي الأرستقراطية فوق سريري المريح، أنزلق للأسفل قليلاً كي أتأكد أن الغطاء لا يسمح لأي قرصة برد تصل جسدي المقدس، ما زال ناعماً غنياً شاباً هذا الجسد، يتحرق صارخاً حزيناً إلى لمساته الحانية، وذلك الشاب الأحمر بهيّ الطلعة كان ضعيفاً، أحببته، أحببته الكلب، أحببته في أعماقي، وتلمست علامات حبه لي في أكثر من موقف، ليس بالكلمات بل بتحركات وتعابير تفهمها النسوة، كان يبدي تقرباً مني، ويزيدني إعجاباً بنظراته المستجدية، لكنه ضعيف الإرادة، متردداً أو بطيء التجاوب، حذره مملّ بل نغص عليّ حياتي، وربما لم ترغب والدته أو بعض أهله أن يتقرب مني.

يزداد جو الغرفة قتامة، ومع أنني متراخ وأحس بآلام خفيفة في كل مكان، وبحرارة تشع من رأسي وبرودة في أمعائي، تتسرب إلى أنفي رائحة عرق خاصة، تخدرني تلك الرائحة المخنوقة، أحب الاستحمام كل مساء، هكذا أرادني ثم عودني، يزداد ظلام الغرفة بسبب تكاثف الغيوم الداكنه، لم أعد أرى أي شظية من السماء، وكأن الطبيعة تطبق على بيتي وروحي، رحماك يا رب!، وسّع عليّ أنافسي، أعطني المزيد من هبات هواء ناعمة  نقية، يتقدم الوقت بسرعة نهار اليوم الوحيد الذي لا أعمل فيه، أكره الظلام عندما أكون متيقظة ووحيدة، وأرحب به حين أكون في جنته وتعزف أصابعه على أوتاري، زكي وشفتاه تحقنان التخدير في كياني كله، وحين أحس ببشرته تندمج في جسدي، ما أسرع ما كنت أدرك الاتجاه الذي يريد، ما إن يحرك أصابعه قرب جسدي أو صدري أو إحدى خديّ حتى التف وأدور وكأنني على عجلات كروية حسنة التزييت، أو كأن تلك الأصابع تتلمس جهازاً يوجهني كيفما شاء، تماماً كأنه يحمل الريموت الذي يحركني، كتحكمي في جهاز التلفاز الكبير هذا الذي يحملق فيّ بعينه الوقحة، والتي تشبه بركة تختلط فيها سوائل غريبة وعميقة، كأنها لجة بحر عميق الغور تريد أن تبتلعني، تمتد يدي لزر النور القوي في الغرفة تشعله، لتضعف حملقة تلك الشاشة الهائجة، أدقق النظر في النوافذ لعلي أرى ما سيجري خارج الغرفة، إلا أن الستائر السميكة الجميلة الثمينة تحول دون رؤية خيوط المطر، أتمنى لحظتها أن تهمي أصابعه مطراعلى الأرض الجافةً يبللني أو يغرقني، أو يمدد أسلاكاً وحرائق على جسدي الذي ما زال على فتوته برغم كبر سني، يدعي الكثيرون أن الإنسان حين يبلغ الستين أو السبعين أوحتى  الثمانين تقل حاجاته الطبيعية، وأنا أتكلم عن المرأة بصفة خاصة، وأنفي ذلك قطعاً، وأقول إن هذا زيف، أو إنه مجرد تلفيق وإحباط هادف، جسدي متألم غائب حاضر، وزكي بعيد قريب، هكذا أنا، كلانا في أعماق بحر واسع من العذاب، أريده ملتصقاً في جناني أو تحت ملابسي الداخلية، بؤساً لكل امرأة عنيدة كالبغل العجوز، إنني عجوز بعدد السنين، لكنني لست عجوزاً، يعمر زوايا هذا الجسد أرق وشرق، لا يرفس البغل المدرب حين يشيخ ولا يشكو، يعذب نفسه أو يعذبه الآخرون فيبقى صامتاً، يتحمل الجلد والتحدي والأذى، الأطباء والعيادات مقفلة كلها هذا اليوم، في عطلة نهاية الأسبوع، يوم راحة مقدس في هذه الأمريكا، لا أعرف شرب الكحول ولم أجربه يوماً ما، وكثيراً مااختلفت مع الكثيرين حول هذا الموضوع، فكيف سأمضي ساعات هذا النهار الكابوس البارد الممطر، لا شك أن ابني وزوجته يتهامسان هذه اللحظات، وربما ضدي أو لمخالفة مخططاتي، ربما لا ينتقدني بلسانه، آه أدرك الآن مدى الحسرة التي كنت أسببها لحماتي والدة زكي، لكن زوجة ابني تحس بالحرية في الكلام مع صمته، لا أريد الاعتراف بأنها أشد ذكاء مني بل وأكثر تفنناً في الحفاظ على رجلها، تضمه وتسمعه كلاماً يرضيه، وأي حركة أو همسة هي له، تفتته ثم تعيد تشكيله من جديد، روح جديدة حطت عليه من سماء لا نعرفها، استطاعت أن تنسيه ماضيه ومرابع صباه، قصة حلم كابوسي تتحقق بأسرع مما يتصوره أي عقل، ما إن قابلها للمرة الأولى في عمان، حتى غاب، انصهر وذاب وتبخر، أصبح خفيفاً تحركه أنفاسها في أي اتجاه، تلهمه أو تهوي به إلى أي مكان قريب كان أم بعيد، ليلاً كان أو نهاراً، حتى إن أثر السهر يبدو جلياً على عينيه ووجهه الجميل الجذاب، كيف لم يكن لديّ جزء ولو بسيط من مثل تلك المعرفة؟ أسئلة كثيرة تتوارد إلى ذهني هذه اللحظة تزيد الأشواك  في مضجعي، أحس برجفات متوالية من البرد، كأنه برد قطبي مع أنني ما زلت تحت أغطيتي الثقيلة المخملية الملمس، والتدفئة المركزية قوية في منزلي، تتحرك يداي لأتأكد ثانية أن الغطاء يغمرني، أشعر بحكة حول عنقي، تلامس أصابعي أكتافي وصدري وأتحسس شفتي، الويل لي، يزيد اشتعال الحرارة في كل مكان، هل هو المتباعد قاصداً وبسيطاً حدّ السذاجة أم أنا المغرورة؟ أتذكر حين كنت أحس أنني ابنة مدينة عمان، ولدينا الكثير من الطعام والملابس، وأحصل على نقود من والدتي أو إخوتي، ولم أكن أدري كيف أنفقها أو أتصرف بها، كنت أشتري بعض الذهب، وأذهب لدور السينما مع نساء من أهلي أو بنات أخريات وكثيرات، لم يصدف أن حضرت فيلماً سينمائياً وحدي أو مع شاب قريب أو أخ أو صديق، ورب قفزة للأمام كانت ستكلفني حياتي أو مستقبلي كامرأة متماسكة الشخصية، تحظى بتقدير العدد الكبير من الأهل والأقارب، مع أنني أعتقد لو أتيح لي أن أعرف أنوثتي وقدراتي لتجلت هذه الكنوز الفياضة والأشواق المتفجرة، والتي أحس بها هذا اليوم، يكبرني بأعوام ستة أوسبع، مخزون الحرارة والشد والجذب في أعماقي لم تتناقص بمرور الأيام ، حتى مع العزلة والحرمان العاطفي الذي أفرضه على نفسي، إلا أنني أسعد على ذكريات ماضي سنواتنا معاً.

أحس بجفاف في الحلق، آمل ألا يكون بداية إنفلونزا، أكره كل الفيروسات ومن ضمنها فيروس الحب، يقولون أنها تقتل الكثير من كبار السن، وقالوا أن بعض الشباب لم يسلموا من الموت منه، لكن طبيبتي طمأنتني أنني سوف لن أكون ضحية هذا المرض، أقنعتني أن آخذ طعماً لفيروس الإنفلونزا، سبحان الله إنها المرة الأولى في حياتي أقبل تطعيماً ضد أي مرض، لم أكن أصدق ذلك من قبل، أمريكا؟ ربما لأنه فيروس أمريكا!  أتغير أمريكا المفاهيم، إذا كانت تقلب العروش، فكيف لا تقلب العقول وأحياناً تقلب الدول عاليها سافلها، لا يهمني الآن إلا أن أقرر ماالذي أشربه، خوفاً من فيروسات أمراض أمريكا وبلاويها، إذا وقع ضعيف أو مريض في أمريكا سيكون كشاة بين ذئاب جائعة لا تعرف رحمة، إن كان لديك المال فالكل يريد أن ينهش أكبر قضمة منك، وإن كنت فقيراً أو ضعيفاً فلن يسمع أحد شكاواك، أحب القهوة، برغم أنها ترفع ضغطي فوق ما هو مرتفع عادة، كان زكي يحب القهوة، لكنه حذر وخواف، معدته ضعيفة، يعشق أرومتها، أبقى معظم النهار بلباس النوم أو ما خف من الملابس وأعري أكبر جزء من جسدي حين أكون في منزلي، لم أكن كذلك في عمان، قال لي انظري،انظري! الأطفال في فلسطين يقذفون الدبابات بالحجارة، أنا في أمريكا بعيدة، صرخت فطفرت من عينيّ دمعة حين أطلق الجندي الإسرائيلي الرصاص القاتل على الأطفال، رفع طفل أصابع يديه بإشارة نصر، وأشار لصديقة أن تقدموا زحفاً واقتربوا، ربما ليكونوا أقرب إلى الجنود كي يصيبوا أحدهم بحجر، يحاول طفل منطرح على الأرض اللحاق بزملائه، لكنه أصيب بطلقة أو أكثر، مع ذلك يرفع رأسه ويمد إصبعيه منفرجين علامة النصر، قبل ظهور التلفاز والكاميرات بعيدة المدى لم يكن ممكناً أن نشاهد أحداثاً حية كهذه

قبل سنوات عرضوا على التلفاز في أمريكا صفوفاً من شباب عربي من جيش مهزوم، سموه “ذل الهزيمة” جنوده حفاة يستجدون عدوهم من أجل شربة ماء، سقط أحدهم عطشاً أو جوعاً، أو لخزيه من سمعة بلده ومن عجزه عن احتمال ما آل إليه، عينا أحدهم تنطق قائلة، ألم يكن من الأفضل الموت في معركة ولوخاسرة على أن أقع في يد عدوي، أتوقف عن مشاهدة مناظر التلفاز، سعياً للحصول على فنجان من القهوة، القهوة الأمريكية المغرية، تجعلك تتوقع المزيد، وبعدها تتراقص أعصابك، وتتهيج مشاعرك، أشربها مرة، لكنني حين أتذوق الجرعة الأولى لا أستطيع أن أوقف نفسي عن ابتلاع الكعك أو الحلوى الأمريكية، ليتني أستطيع أن أبعث بثمن هذه العبوة من الحلوى لعائلة فلسطينية جائعة ممن هم تحت نير الاحتلال والحصار، دسم ودهون وكوليسترول وسكريات يصاحبها قهوة تثير الأعصاب، وفي المساء أفضل فنجاناً من الشاي، لا يكلف تجهيزه جهداً كبيراً، دقيقة بعد وضع كيس ليبتون أمريكي أصلي في الماء المغلي فيصبح شاياً، ثم لا يترك في الإناء أو الفنجان حثالة، وربما أسلق بيضة آكل بياضها فقط، أو أعيد ذكريات عمان، أغمس لقيمات من الخبز المصنوع على الطريقة العمانية في زيت الزيتون والزعتر، والشاي، أسرع لتغطية أكتافي وصدري الذي ينكشف معظمه بسبب فتحة القميص الواسعة المنخفضة. ترمش شاشة التلفاز، لا بل تنقطع الكهرباء لثانية، برق يهز الأرض وبيتي وكياني، يا إلهي أين المفرّ، لكنني أطمئن نفسي، البيت من خشب، ولا فرصة لهبوطه على راسي، إحساسي بالبرد جعلني أضم يدي فوق صدري، آه يا زكي، كان يمسك بي من الخلف، ويشبك كلتا يديه على صدري يده اليسرى تمسك بالأيمن ويده اليمنى تداعب الأيسر، أتراخي، وأدعي الضيق، لذيذ، كل النساء يعرفن معنى ما أقول، أريد الجلوس، أرتخي وأتكئ على صدره، يدفعنا إلى كنبة أو طرف سرير.

ستحضر ابنتي بعد قليل، إن وفت بوعدها، اولادنا وأحفادنا يشعروننا بالضعف أحياناً، أهي طبيعة الناس هذه الأيام، سواء كانوا أولاداً أو كن بنات، إما أن يخلفوا وعودهم، أو يشعروننا بأنهم يشفقون علينا، أنا قوية، أنا أعمل وأجني، اعتدت على الحرية بمفهومي أنا ابنة عمان، في المهاجرين كنا عالة وعلة على أهلنا وكبارهم، زكي، عذبته وأشقيته، أشقاني بصبره وباحتماله، لماذا لم يعنفني بقوة، لماذا لم يقسُ عليّ؟ حضر زكي في غير أوانه، سابق لعصره، حرية ومساواة ولين وتراخي، ترتخي مفاصلي لا أقوى على النهوض لتحضير فنجان القهوة، صدري، ضيق في صدري وعذاب، حلاوة الذكريات عذاب، يداه أنامله، مجنون، نعم إنه مجنون، بل لم أسمع برجل كمثله، ناعم سلس لكن له أسلوبه الخاص في القسوة والعقاب، أنا بريء يا سيدي، أحب تلك الحياة، حلو هذا الارتخاء، والقهوة ستكون لذيذة، سأستمتع بها، وسأحلم، يده تمتد لتخطف الكأس من يدي، اقترب من شفتي، قال أنا قبلك، رشفة على عجل بعدها تشربين، أشرب أنا وحرارتها مرتفعة، ماذا يقصد الأمريكان حين يعرضون صور أطفال فلسطين وهم يقذفون جنود الاحتلال بحجارة صغيرة، لا تضر دبابة، ولا تقلع عيناً؟ أعجب وأعجز عن الإجابة، محير حقاً، أهو ضعف الغير، أم قوة السلاح والتكنولوجيا، أو قوة الصمود،، كلام سمعناه  على لسان جندي، يقول، ” في السلم والحرية يتمادى العربي ويكون أكثر المخلوقات أنانية وادعاءً، أما عند الضيق فيصبح ضعيفاً جباناً، أو حتى وقت الشدة يدعي الضعف حفاظاً على حياته ونعمته ومتعه” طرطشت القهوة على ملابسي، تخلصي من هواجسك يا فهيمة! يا بهيمة!، ستحضر ابنتي بعد قليل، هل نشاهد فيلماً على المحطة الفضائية، أم أغاني سوفت روك، قد تطلب ابنتي مشاهدة أغاني هارد روك، لكن من المؤكد أن كلينا لا نريد مشاهدة الأخبار لا المحلية منها ولا الدولية، أعرف أنها ستثرثر كثيراً قبل أن تهدأ وتسألني عما يلزمني، كعادتها حين تخلف وعدها أو تتأخر عن وعد، أولادنا همهم أنفسهم أولاً، حتى لو وافق أحدهم على مرافقتي للخروج للأسواق أو لحديقة عامة، أسرع مغيظاً بمسح القهوة عن قميصي ناصع البياض، لا ينفع المسح، لا بد من خلعه لغسله مستعجلاً، ولماذا أنتظر وصول ابنتي؟ أفتح النافذة قليلاً، فيعبر هواء منعش، يبترد جسدي كله، أشدّ حمالة صدري وأطيل في تعديلها، والتدقيق لشكلي في المرآة، وجدت أن جزءأ من الثدي الأيسر تمرد، وكاد ينفلت من عقاله، كيف تحرك أو خرج ويداه ليستا هنا، تدخل ابنتي وهي تعتذر عن تأخرها، لم أعد لتلمس فنجان القهوة، أحسّ برجفة برد من جديد، بعدها أرتشف أول جرعة من الشاي الذي طلبته ابنتي وأعدته، وهي تعيد ستارة النافذة لإسدالها بشيء من عصبية وربما بقسوة، تواصل كلامها وكأنها تريد أن تقول كل ما تريد في جملة واحدة، متسرعة ملهوفة متوترة، أوهي تتظاهر بذلك،  ثم تقول

– مررنا قريباً من بيرجر كنج، فأصر عفريتنا الصغير على أن أشتري له ساندويش، حاولت إطعامه في البيت قبل مغادرتي، ادعى أنه غير جائع، قلت له ونحن في الطريق إليك، سنأكل عند تيتا، تيتا فلديها الكثير من الأكل والحلوى، لكنه أصرّ على وجبة أطفال من مطعم بيرجر كنج أو ماكدونالد. ماما ما رأيك أن تشاركينا في ساندويتش؟ لقد حسبت حسابك، وأتيت لك بواحدة، تواصل ابنتي أسئلتها واعتذاراتها، وإظهار مسئوليتها عني وعن مراعاة مشاعري، قلت لها طفلك، طفلاك، أطعميهما،تقوم ابنتي إلى المجلى تتفقد الصحون، تجد كل شيء نظيفاً في جلاية الأطباق الكهربائية، وما عليها إلا أن تتناول أي طبق أو ملعقة أو شوكة.

– ليس من حقي أن أعاتبك يا ابنتي عن سبب تأخرك، فربما اختلفت مع زوجك، أو أساء لك أو عطلك عن الخروج قبل مغادرتك، الحياة قاسية يا ابنتي، احتملي واصبري، تنظر ابنتي لي باستغراب، اتسعت حدقتا عينيها مستغربة من كلامي، ظهر بياضهما الصافي الجميل، تقول ابنتي ،أراك تتحدثين بأسلوب لم أسمعه منك من قبل يا أمي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق