ثقافة النثر والقصيد

صرخة الحق

ثلاث قصائد مِن شعر الدكتور زاهي العطروز

الشاعر الدكتور: زاهي مفلح الخليل العطروز

القصيدة الأولى:
(صرخة الحق)

أعاذلتي رويدكِ فاسمعينا

ولو أنصفتنا لم تعذلينا

ألوْما أن أصوغ علا القوافي

تدوّي في عقول المفسدينا؟!

وتهتك ستر من غصبوا حقوقي

من (الوسطاء) و (المتزلفينا)

ولو كانت وساطتهم لحقٍ

لكانوا من أجل المصلحينا

ولو كانت وساطتهم لحقٍ

لكانوا من خيار العالمينا

ولو كانت وساطتهم لحقٍ

لكنتُ لفعلهم أحني الجبينا

أعاذلتي فخلي العذل حيناً

وإلا فافعلي ما تشتهينا

لئن كان الملام سبيل نصح

فإن البكم أهدى الناصحينا

علام العذل منكِ وكنتِ قدماً

على صمت القوافي تصرخينا؟:

إلام الصمت يا زاهي أجبني

وهل جوزيت عن صبر وضينا؟!

ولم أر في عيوب الناس شيئاً

كصمت ذوي الحقوق الصامتينا

وهل أجدى عليكَ الصبر شيئاً

من الأشياء غثاً أو سمينا؟!

أصمتاً يا ابن بجدتها وصبراً

وحقك ضائع في الضائعينا؟!

إلامَ وأنتَ في غرر القوافي

سموت على الفحول الخالدينا

وأنتَ الوارث الكندي حقّاً

ولو عاصرته كنتَ القرينا

أحين شرعتُ أصرخ بالقوافي

صواعق توقظ الموتى يقينا؟!

وأسلكهن من سلبوا حقوقي

فأجعلهم حديث الساخرينا؟!

رجعتِ إلى الملام فلستُ أدري

أعقلاً ضم رأسُكِ أم عجينا

فخلي اللوم عني أو اجعليه

على طول المدى زاد السنينا

وقدماً قلتُ في (الترفيع) قولاً

وإنّي قائل في آخرينا

و(للبعثات) في شعري مجال

له (رائية) تجلو الدفينا

وإني انتقي (الإِشراف) نحواً

وأضرب ما به مثلاً مبينا

فقد صارعتهم دهراً بحقي

وقد ظلوا لحقي منكرينا

وقد بُلّغته بعلى القوافي

إلى أن صرت في (المتقاعدينا)

أقولُ وما خيال الشعر يملي

وأوردها حقائق لا ظنونا

ترى أسساً لدى (الإِشراف) تترى

تبدل جلدها حينا فحينا

يحكون النسيج بها لتأتي

موافقة جسوم (الواصلينا)

فطوراً يُجعل (الدبلوم) شرطاً

على مَن في الوظيفة راغبينا

فإن كانوا لمسؤول صحوناً

فلا دبلوم يلزم ذي الصحونا

وليس عليهمُ أبداً شروط

من الخبرات (أو ما يحزنونا)

ولا عن مِكْنة أو عن سلوكٍ

ولا عن أي شيء يُسألونا

قرارات هناك وتوصيات

تريك بها هواجس نائمينا

تُبين مساخراً متناقضات

وأن وراءها متناقضينا

وتنبئ عن ملاعب متقنات

لأشهر أو لأمهر لاعبينا

ولما طُبّقت في العلم أبدت

عجائب من (كماة) المشرفينا؟!

فإنْ طالبتهم ترتيب همز

إلى ياء تراهم جاهلينا

ولا يدرون ما إملاء (لكنْ)

ولا ضبط القراءة يحسنونا

وإن ساءلتهم إعراب: (جئنا

أبا زيد) تراهم يسخطونا

فتحمرّ العيون ويشتمونا

أبا زيد، وزيداً يلعنونا

ولا يدرون أحكام (المثنى)

ولا (جمع السلامة) يعرفونا

ولا يدرون نحتاً واشتقاقاً

ولا صرفاً ولا نحواً مبينا

وأن العُرب للمجهول تبنى

كنحو: (استُشْهدوا) و (يُعَمّرونا)

وإما تستمع منهم حديثاً

لقلت: أهؤلاء يوجّهونا؟!

وهل جلسوا لدرس العلم يوماً

أم الأخطاء هم يتعمدونا؟!

وهل دخلوا المعاهد قبل هذا

أهم جهلاء أم يتجاهلونا؟!

فإمّا خاطبوك صرخت فيهم:

ألا في الصمت منكم (نقّطونا)

أشدّ الناس في الدنيا بلاء

وآساهم وأبرحهم شجونا

ومن هو في المقابر وهو حيّ

أخو علم أقام بجاهلينا

وأي علاء بنيان يُرجّى

إذا خطته أيدي العابثينا؟!

هل انقلبت مقاييس البرايا

على عقب فصار الجيم سينا؟!

وهل أضحى الهباء البخس تبراً

وأمسى التبر –واحزناه- طينا؟!

بأي مشيئةٍ وبأي حقٍ

يصير الأجهلون المشرفينا؟!

وهل يهدي سواء الدرب أعمى

وهل يرجى عطاء الفاقدينا؟!

أيُذكر حامل (الدبلوم) فيكم

ويُنسى من يبزّ السابقينا؟!

وما في هذه (الدبلوم) إلا

خيالات الورى المتقوّلينا

فما فيها سوى (بفلوف) يهذي

بسيل لعاب كلبته سخينا

وما فيها سوى (سْكِنَرٍ) تلوّى

حمامته بدنيا الحائرينا

أيُجْهَل ويحكم (زاهي) لديكم

وإن يُجهل فماذا تعرفونا؟!

تمادوا في تجاهلكم وحسبي

به شرفاً وحسبي أن تكونا (م)

علوم الضاد من نحو وصرف

وأصوات وفقه شاهدينا

أيسعى ويحكم زاهي ملياً

ليُسلك في عداد المشرفينا؟!

وكان الحق أن يُسعى إليه

وفيه تنافسُ المتنافسونا

به تتسنمون ذرى المعالي

ويغدو نظمكم عقداً ثمينا

فيا ويل الألى غصبوا حقوقي

ويا لسواد ليل الغاصبينا

فأقسم بالذي خلق البرايا

لأتخذنْ هجاءهمُ قرينا

وأقسم بالذي علم الخبايا

لأتخذنّه شرعا ودينا

سأسلك كل من سلبوا حقوقي

بشهب تترك المولى قطينا

القصيدة الثانية:

(إِلامَ؟!)

أهيجَ الشِّعرُ فانتفض اليراعُ

وخاض عبابَ لجّتهِ الشراعُ

لدُنْ أيقنتُ أن الصمتَ عجزٌ

يَشينُ وأنّه مرعىً جُذاعُ

وأن نمير منهله أجاج

وأن نديّ منبته جُزاع

ومَن عاذوا به عاذوا بوهمٍ

وهل للمرء بالوهم انتفاعُ؟!

مضى يطوي الغياهبَ حالكاتٍ

له بكتائب الموج اصطراعُ

يجوز جَنادلاً ويحطُّ أخرى

به معها انخفاضٌ وارتفاعُ

ويمضي والقلوع مشرعاتٌ

لها في كل ما يَثني اندفاعُ

بقلبٍ لا يُساورهُ وَجِببٌ

ونفسٍ لا يخامِرُها شَعاعُ

وإيمانٍ بأنّ الموتَ حقُّ

فإنْ وافَى فليس له دِفاعُ

فما لِخُوَيْنِعٍ منه نَجاءٌ

ولا بُرْجاسُ أسهُمِهِ الشُّجاعُ

وقد آليتُ أصرخُ بالقوافي

إلى أن لا يظلّ بها هُزاعُ

وقد آليتُ أقذِفُها سهاماً

ليُهتكَ عن ذوي النهْب القناعُ

وأكشِفُ عن سَرائرِهِمْ فتبدو

ويُجلى عن دخائلها الخداعُ

وقد آليتُ أبلغها إلى مَنْ

به تندك للظلم القلاعُ

يسومهمُ بما ساموا سواهم

ولا يبقى بمنجاةٍ كتاعُ

فيحشى في مناخرهم رغام

ويلقى في مشافرهم صقاعُ

به بنيان من ظلموا سيهوي

كما تهوي لدى الهطل القشاعُ

فإنْ أُقتل ففي القتلى عزاءٌ

وإن أسْجَنْ ففي السجن اتساعُ

بُلينا -ويحَ ما نلقى- برهطٍ

لهم في كل داهية كُراعُ

فمن يبغي بمعنى الشر لفظاً

فهم والشر في الدنيا بَعاعُ

وإن السوء في المنطوق وتر

وهم للسوء والبلوى شفاعُ

كرامٌ مُسرفون لدى المخازي

وفي الخُلُق الكريمِ همُ الجِشاعُ

أياديهمْ تطولُ لقُبحِ فِعلٍ

وفي الحسنى تملّكُها القُفاعُ

وأرجُلُهم إلى الفحشاءِ تسعى

وفي الخيرات يَعروها الظُّلاعُ

بهم هن كل مَكرُمَةٍ قُعودٌ

ونحو الشر والبلوى هُراعُ

فإمّا كان للشيطان شِبْرٌ

بفعل النُّكر كان لهم ذِراعُ

هم الأوباء تفتك بالبرايا

وهم في هذه الدنيا الكُلاعُ

ولو نظروا جنان الخلد أقوت

كأن ربوعها أبداً ملاعُ

حقوق الكادحين لهم مَراعٍ

لهم فيها وُرودٌ وانتجاعُ

لقد رثتْ ضمائرُهُمْ فماتتْ

كما قد رثَّ للزمن المتاعُ

هم النّهِمونَ لا شبعاً لديهم

وخلقُ الله بينهم القِصاعُ

فكم من كاسِبٍ قتلوه غيظاً

وطفلٍ في اللفائف قد أجاعوا

وقد أكلوا حقوق الناس سُحْتاً

كما أخنى على الشَّعر القُراعُ

تناسَوا أن ظُلمهمُ عليهم

وأنّ الحق ليس له انصداعُ

أضاعوا كل ذي أدبٍ وعلمٍ

فأي الخير إلا قد أضاعوا؟!

وراشوا كل نائبةٍ وصرف

فأي الشر إلا قد أشاعوا؟!

فقل لذوي المفاسد حيث كانوا:

أما منكم إلى الحق انصياع

قد اسطعتم لقوت الشهب نهباً

فهل دفعُ المنية مُستطاعُ؟

وبين الله والمظلوم حبل

متينٌ لا يُرام له انقطاعُ

فإنْ عشتمْ فزادُكمُ الخطايا

وإن متُّم فلعنُكمُ الوَداعُ

إليك مليكنا أزجي القوافي

وآمُلُ أن يكون لها استماعُ

بباب حماك قد أنزلت رحلي

وخير جوار ملتجئ بُزاعُ

أسيدنا، إلامَ نظلّ نُشرى

بحانات المفاسد أو نُباعُ؟!

إلامَ يظل نيلُ الحق رَهناً

بذي جاهٍ، إذا أملى يُطاع؟!

إلامَ يظل من مثلي ينادي:

“أضاعوني وأي فتى أضاعوا”؟!

إلامَ تظل (دير أبي سعيد)

تناوشُها على الخَرَق القذاع؟!

إلامَ تظل ذي الخرقاء مني

يُمد لها بباب الهجو باع؟!

إلامَ أظل العنُ كل يوم

يمر ولي بساكنها اجتماع؟!

بكم قد أنعم المولى علينا

وبان لفجرِ مُرتقبٍ شُعاعُ

فديتكَ هل رأيتَ الدهر شيئاً

رعاه الليثُ تأكله الضباعُ؟!

وكيف نكون أغلى ما لديكم

أأغلى والحقوقُ له تُضاعُ؟!

بأي مشيئةٍ وبأي حقٍ

علا المُنْحَطُّ وانحَطّ اليَفاعُ؟!

بأي مشيئةٍ وبأي حقٍّ

تَقدّمَ ناكِصٌ وثوى الوَساعُ؟!

بأي مشيئةٍ وبأي حقٍّ

تعالتْ حفْنةٌ وهَوَتْ تلاعُ؟!

ويا وطني أيا جرحاً بقلبي

لما نلقى وفي جسدي صُداعُ

مِن الحيتان فيك ولستَ بحراً

فإنك مثلُنا بَلَمٌ مشاعُ؟!

أهم أهلُ البلاد ومَن سواهم

قطينٌ أو قَطيعٌ أو رعاعُ؟!

هل المولى على الناس اصطفاهم

وباقي الكادحين لهم تباع؟!

ألا خسئوا فإن لهم حساباً

بدنيا الخلق إن حُسِب القضاع

فدَعْهُمْ في حميم السُّحْتِ سَكْرى

فحامي طُهْرِكَ الأسدُ الجياعُ

وإنّ لِحقِّنا العلويّ طيفاً

يروع المفسدين ولا يراعُ

وإن لفجره لا بدّ شمساً

إذا بَرَزتْ لرهط النهب ماعوا

وقدماً خُطّ في سِفْر الليالي

على آمادِها فَصلٌ مُذاعُ:

سُموّ البيتِ رغم الهُوج حَتمٌ

إذا الأطنابُ قوّمَها السِّطاعُ

القصيدة الثالثة:

(أشجان من الماضي)

ألا لن يضيع الدهرَ حقٌ وصاحبهْ

على مسمع الأشهاد في الكون طالبهْ

حثيثاً فلا تثنيه عنه جنادل

وتمضي تشق الموج سعياً مراكبه

سأرسل في حقي القوافي شرودة

فما دون حقي حائل أنا راهبه

سأصرخ فيها عالياً يبلغ المدى

صداها وحقي الحق تعلو جوانبه

سأرسلها في العالمين مبينة

وأفضح بين الخلق من هو غاصبه

أخاطبكم بالشعر إذ لستُ مفحماً

وأهتف منكم بالضمير أخاطبه

بلينا برهط في الوزارة همهم

من المرء أن تحصى عليه مثالبه

كمن لا يرى في الورد والزهر عن عمى

سوى الشوك يدمي كف من قد يقاربه

وليس يرى فيها رواء ولا شذى

وطلا كدمع الدر إذ يجري ذائبه

بهذي اللمى العشواء يقضون بيننا

وكل امرئ يجري على ما يناسبه

وإن القضاء العدل في المرء يقتضي

كما عُد عيب أن تعد مناقبه

كأنيَ والترفيع من سوء نهجهم

عدوّان نلحو بعضنا ونحاربه

بسوءاتهم أضحى المعلم محبطاً

قرين هموم ما تزال تغالبه

بها قتلوا فيه العطاء وروحه

وأي عطاء دون روح تصاحبه؟!

أحالوا غواديه جهاماً وأصبحت

بهم مقفرات تائهات سحائبه

وهل تثمر الأفنان جُذت زهورها

ويشرق أفق غادرته كواكبه؟!

وكيف يلذ السير في الدرب سائر

عليها ودون الركب سُدّتْ مذاهبه

وكيف يرامُ الجود في الناس من فتى

أحيلت جزاء البذل رنقاً مشاربه

وقد يقتل الحيف العطاء لدى الفتى

ويقطع درّ الضرع إذ يقسو حالبه

وخير رفاق الدرب مَن لان جانبه

ومَن هو لم يسخط إذا زل صاحبه

ومن هو لم يهجر أخاه لهفوة

هفاها ولم يغلظ من الغيظ حاجبه

وأغبى الورى من أغضب الدهرَ شاعراً

ويعلم أن الشعر ماضٍ مضاربه

فكم من شقي ناله سهم شاعر

توالت به الآماد والخزي راكبه

وذا الحق لا ينفك يطلب حقه

مليّا ولا تُخشى لديه عواقبه

فوالله لن أنفك أهجو الألى بغوا

هجاء يحيل الخصم في الوحل (شاربه)

وأجعله في الناس يلعن عيشه

وتبرأ منه في الأنام أقاربه

فدع ذا وسلّ الهم عنك بحكمة

وأجدى جدا الأمثال ما الحكم ضاربه

ولم أر كالعلياء مهوى عزيمة

ولا مثلها للحزم خِلا يواكبه

ومن سار في درب المعالي بهمة

تسامت إلى الأعلين فيها مطالبه

ومن جازها سعيا إلى باذخ العلا

فأعلى ذراها الشم تمسي ركائبه

شاعر الجامعتين: الأردنية واليرموك

حصل على لقب شاعر الجامعة الأردنية للعام 1974م، ولقب شاعر جامعة اليرموك للعام 1988م.
وكان الفائز الأول في المسابقة الشعرية التي أطلقتها قناة (المستقلة) الفضائية على مستوى الوطن العربي، بعنوان (نداء المحبة)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق