ثقافة المقال

العقل النقدي وما يفعله بصاحبه

أسعد العزوني

قصّر شاعرنا الكبير المتنبي علينا الطريق عند الحديث عن العقل النقدي وما يفعله بصاحبه ،بقوله :”ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهXوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”،وفي هذا البيت وصف تام وكامل متكامل لأصحاب العقول النقدية ،ومن لديهم عقول لكنهم حظروا على أنفسهم إستخدامها ،ولهذا يقال على سبيل النكتة أن العقل العربي أغلى سعرا من العقل الياباني والصيني وحتى الأمريكي،وعندما سئل عن السبب قيل:ان العقل العربي ما يزال على حاله ولم يتم إستخدامه ،وهذه مقاربة تغني الحالة جدا.
ومع ذلك لا بد من الإتيان على دور العقل النقدي وما يفعله بصاحبه ،وأعني بذلك ما هي مزايا هذا العقل ،وما مصير صاحبه الذي يصرّ على تشغيله والإستفادة منه لمعرفة وسبر أغوار ما يجري حولنا ومعنا وفينا على حد سواء،وأولى ميزات وفوائد العقل النقدي المذهلة هي أنه محرك ومفلتر للمعلومة والموقف ،بسبب سرعة حركته وطبيعة برمجته .
من مميزات العقل النقدي أيضا انه يحمي صاحبه من الإنزلاق في حالة الغباء والتقليد،ويجنبه الركود الفكري ويعطل ديناميكيته الفكرية ويصبح رقما ليس إلا في قائمة مخلوقات الله ،مع ان الله سبحانه وتعالى حضّنا كثيرا في كتابه العزير على تشغيل العقل والتفكر في ملكوت السموات والأرض ،ولكننا ضيعنا الطريق القويم فضعنا.
صاحب العقل النقدي رغم الشقاء الذي ينصب عليه صبا في الأنظمة الشمولية والعميقة ،يمتاز بالأفضلية عن غيره صاحب العقل البليد الذي لا يجرؤ صاحبه على تشغيله ولو بالسر خشية إنكاشاف أمره ،ويأتي تميز صاحب العقل النقدي عن غيره لإختلافه عن الآخرين في النظر للأمور ومآلاتها ،كما انه يحفز أصدقاء صاحب العقل النقدي المؤمنين بقدراته على التحليل والتوصل للحلول المناسبة بتشغيل عقله النقدي ،ويجعلهم يحذون حذوه بعد أن يتطهروا من الأنانية والمصلحة الضيقة ومن الخوف أيضا.
ومع كل ذلك وعند رجوعنا لما قاله شاعرنا المتنبي في هذا المجال ،فإن صاحب العقل النقدي فعلا يشقى وهو في النعيم،لأنه يصبح أولا محط حسد وغيرة دائرته الضيقة الضعيفة والجبانة، التي تقوم بالسعي لتدبير المكائد ضده خاصة أولئك الذين يرتبوطون بحالة أو بأخرى من النظام الشمولي،كما انه يصبح هدفا دائما لأركان النظام الشمولي الذي يعيش فيه ،وتتحول حياته إلى جحيم.
يزيد العقل النقدي في النظم الشمولية التي تحجر على العقول كافة من هموم صاحبه ،لأنه يرى مجتمعه يغرق وهو قادر على إنقاذه لكنه ممنوع من التحرك، وحتى لا يسمح له إبداء الرأي في حال كان خارج القضبان،وينتهي به الأمر منعزلا ،وربما كان العزل إختياريا لأنه يفرض على نفسه العزلة في حال لم تودعه السلطات السجن ،ولسان حاله يقول”إني أرى ما لا ترون”.
معاناة اخرى خطيرة يعاني منها صاحب العقل النقدي وهي ان مكسبه المادي قليل بسبب التضييقات التي تفرض عليه ،ولأن أحدا من أرباب العمل لا يجرؤ على توظيفه أو تحمل تبعات وجوده معه ،ورغم ذلك أقول ان صاحب العقل النقدي قنديل مضيء في صحراء العتمة والتخلف.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق