الموقع

الدولة القطرية وإسرائيل والنهضة

بقلم: أحمد  خفاجي *

في  البداية  أريد  أن  ألفت  الانتباه  إلي  أن  العقائد  والأفكار  تؤدي  إلي  عقائد  أخري  مترتبة  عليها ومرتبطة  بها , الإيمان  بأن  الله سبحانه وتعالي  إله  حق وأنه الخالق  والعادل يؤدي  بنا  حتما  إلي  الإيمان بالبعث  وبالحساب  وبوجود الجنة  والنار.


عندما  جاءت الصهيونية  إلي  فلسطين  المحتلة  رفضها العرب بشكل  مطلق  بوصفها عدوان  علي  الأرض  العربية واعتداء  علي  الأمة  العربية، ومع  تطور  الأحداث  ومرور  السنوات حققت  إسرائيل  اختراقات  متتالية  في  جدار  الرفض  العربي  لوجودها، وإذا  أردنا  أن  نرسم  علاقة  بيانيه للتطبيع   والاعتراف  والتعامل  مع  إسرائيل  فقد يأتي  الرسم  البياني  خطاً متصاعداً، منذ  أن  قال  رئيس وزراء المملكة  المصرية  أنا  رئيس  وزراء  مصر  ولست رئيسا  لوزراء  فلسطين،  مرورا  بمقترحات  الرئيس  التونسي  بورقيبة  وأفكار  توفيق  الحكيم  بعد  النكسة  كما  وثق  الأستاذ  هيكل، واستدعاء  سلاح  الجو  الإسرائيلي  لمنع  التدخل  السوري  لوقف  مذابح  الفلسطينيين  في  الأردن  أثناء  أيلول  الأسود  إلي  زيارة  السادات  للقدس  ثم  أوسلو وفتح  مكاتب  للكيان  الصهيوني في  دول  عربيه، وعلاقات  أكراد  العراق  بإسرائيل  ثم  سقوط  النظام  العربي  الرسمي  منحازا  إلي  إسرائيل  ضد  المقاومة  في  جنوب  لبنان  وفي  قطاع  غزه وإصرارهم  جميعا  علي  عدم  الاعتراف  بتحرير  غزه  والتشبث  بالقيادات  الفلسطينية  التابعة  للكيان  الصهيوني  في  الضفة  الغربية.

قد  نعتبر  كل  من  مد  يده  للتعاون  مع  إسرائيل  خائنا ونحن  نعرف  أن  للخيانة  ثمن  يتلقاه  الخائن ليقدم  خدماته  للعدو  ولكننا  أثناء  البحث  عن  مقابل  التعاون  مع  الصهيونية علي  مستوي  الدولة نلحظ  تبريرا  واحدا  لا  يتورعون  عن  إعلانه  وهو  حماية مصالح  دولهم   أو  عروشهم ( إن  أردنا  أن  نكون  أكثر  دقه)  ولا نجد ثمنا  دفعته  الصهيونية  نظيرا  للخدمات  العربية  المجانية .ومهما  كانت  الطريقة  التي  وصل  بها  الحكام  العرب  إلي  كراسي  الحكم  في  الدول  القطرية فإن هناك  ارتباطا  عضويا  وتاريخيا  بين  الدكتاتورية  العربية  والدولة  القطرية، لقد ابتلانا القدر  بهما  معا  في  نفس  التوقيت، وهناك  ارتباط  أخر  بين  كل  المتحمسين  للدولة  القطرية  إيمانا  بها  أو  نفاقا  لمؤسستها  الحاكمة  وبين  كل  أفكار  الانسحاب  من  الصراع  العربي  الصهيوني  وترك الفلسطينيين وحدهم  فريسة  للصهيونية، ومن  أكثر  الأمثلة توضيحا  لذلك  الإعلامي  المصري  عمرو  أديب إذ  يُعلق  ذات  مره  علي  الخلاف  بين  فتح  وحماس وفشل  محاولات  التأليف  بين حركة  مقاومه  وحركة  تسليم  بقوله  الآن  نضرب  سلام  للخواجة  الإسرائيلي ويوافقه  في  ذلك  إعلامي  مصري  أخر  يجلس  معه  في  نفس  الحوار  يُدعي  خيري  رمضان  علي  ما أظن (معذرة  بعض  الأسماء  لا  أستطيع  أن  أتذكرها  طويلا ) لذا  لم  يكن مستغربا عندي  أن  يكون  الأستاذ  عمرو  أديب  نجم  الفتنه  بين  مصر  والجزائر  ومحركها  الأول  أثناء  تصفيات  الـتأهل  لكأس  العالم 2010، ولم  يكن  غريبا أن  تأتينا  تصريحات  صهيونيه  تؤكد  وجود لوبي  صهيوني  قوي  في  دوائر  المال  والإعلام  في  مصر، لا  أتهم  أحدا  ولكنني  أحاول  الربط  بين  أحداث وأخبار  تربطها  علاقة  وتأتي  إلينا في  نفس  السياق.

يستطيع  كل  باحث أن  يجد  علاقة  بين التعصب  للدولة  القطرية والاستعداد  للتنازل  للصهيونية في  كل  الدول  العربية باستثناء  سوريا، وأتنبأ  أن  زمرة  النظام  السوري  المقاطع  لإسرائيل  ستتطبع  وتتاجر  مع  الكيان  الصهيوني  عند تغير  موقف النظام  السوري  مثلما  فعل  زملائهم  في  مصر  من  أعضاء  الإتحاد  الاشتراكي واللذين  انقلبوا  علي  المبادئ  الناصرية  عندما  انقلب  عليها  السادات، إنها  طبيعة  الديكتاتوريات  القطرية  العربية.

رغم  خطورة  إسرائيل  علي  الدول  القطرية  العربية وهي  خطورة  تأتي  بالأساس  من  الطريقة  التي  تنظر  بها  الصهيونية  إلينا إذ  تضعنا  جميعا، من  يتعاونون معها  ومن  يقاومونها  في سلة  واحده  وهي  سلة  العرب  والمسلمين، إلا  أن  التفكير  القطري  العربي  القاصر، المنقطع  عن  التاريخ والمتطلع  للارتباط  بالرأسمالية العالمية  لجني  أرباح السمسرة  السريعة  من  التوكيلات التجارية  لا  يري  خطورة لإسرائيل  علي  دولته  القطرية  وحيث  أنه  مفرغ  من  القناعات  العروبة ومنسلخ  من  الثوابت  الإسلامية فإنه  لا  يري  غضاضة  في  التعامل  مع  إسرائيل  بل  ودعمها  وتمني  زوال  المقاومة  العربية  التي  تعكر  عليه  صفو شهر  العسل  التجاري  المعتمد  علي  الانفتاح  الاستهلاكي  في  العالم  العربي.

من هنا  نستطيع  أن  نقرر  أن  رسوخ  فكرة  الدولة  القطرية  العربية  والتعصب  للعلم  القطري  يؤدي  حتما إلي  القبول  بإسرائيل  والتعاون  معها وما  يؤكد  ذلك  أن  كل  من  يؤمن  بالوحدة  العربية  أو  يدعو للفكرة  الإسلامية  وما  يترتب  عليها  من  التبشير  بالأمة  الإسلامية  الواحدة يقف في  خندق  المواجهة مع  الصهيونية  كلُ ُ بوسائله  المختلفة، تماما  مثلما  كان  الإيمان  بالشيوعية دافعا  للشيوعيين  العرب إلي  محاولة  القبول  بإسرائيل ومن  هنا  جاءت  مقولتهم،  إذا  وصل  راكاح  ألقينا  السلاح.

وما  يؤكد  الفكرة  التي  أطرحها  عن  الدولة  القطرية  أيضا هو  هذا  الارتباط  بين  فكرة  مقاومة  الصهيونية  وفكرة  دعم الإنتاج الزراعي  والصناعي  ويطرحها كل  من  يؤيدون  المقاومة  في  العالم  العربي،  و تأتي  نقيضا للقبول  بالعولمة وفتح  الأسواق  العربية  للمنتجات  العالمية  والتي  ضربت  الصناعات  المحلية  في  مقتل ويتبناها  كل  من  يقبلون  بإسرائيل ويتعصبون  للدولة  القطرية.

من  هنا  يصبح  التأكيد  علي  وحدة الأمة  العربية  سلاحا  مهما  في  مقاومة  الصهيونية  ويصبح  من المهام  الأساسية  للمثقف  العربي  الواعي  الدفاع  عن  فكرة الأمة  الواحدة ويصبح  الجدل  حول  الوحدة أولا  أم  الاشتراكية أولا، جدلا سخيفا  يمارسه  المنقطعون  عن  واقع  أمتهم.

علينا  ألا  نكتفي  بالمطالبة  بالوحدة  بل  نفرض  نظريتها  علي  الساحة  ونبادر بممارستها واتخاذها  مقياسا نتصرف  علي  أساسه، وخاصة  بعد  أن  أصاب  دعاتها حالة من  حالات  الخجل، ألزمتهم  الصمت، وأصبح من يدعون  للوحدة بين  البلدان  العربية خشبيون  من  عصور  سابقه، الوحدة  ضرورة  من  ضرورات  الصراع  مع  الصهيونية، والصراع  مع  الصهيونية  ضرورة  من ضرورات  تحقيق  الوحدة والعمل  من  أجل  الوحدة ومقاومة  الصهيونية أدوات  أساسيه  من  أجل  تحقيق  النهضة،  وأكاد  أن  أجزم  أنه  لن  يستطيع  قطر  عربي  واحد  تحقيق  تنميه  حقيقية وتقدم  تقني حقيقي بدون  تقبل فكرة  الوحدة  العربية  وفكرة  حتمية  الصراع  مع  الصهيونية، وأقصي  ما  تستطيع  الحكومات  العربية  تحقيقه بدون  تقبل الفكرتين،  هو  تنمية  وهميه  علي  غرار  نموذج  إمارة  دبي، وهي  تنمية  لا  تسمن  ولا  تغني  من  جوع،  بل  إنها خطر  أخر  نستقدمه  بأنفسنا  إلي  بلادنا.

الكثيرون  في  العالم  العربي  لا  يقبلون  فكرة  الأمة  الواحدة  وهم  نافذون وأصحاب  قرار  في  العواصم  العربية  ويسيطرون  علي  مؤسسات  عربيه  كبري، لقد  قامت  قيامتهم  عندما  قال  الأستاذ  محمد  مهدي  عاكف  كلمة  طظ  الشهيرة  منسجما  تماما مع ما  يمليه  عليه إيمانه  بالأمة الإسلامية  الواحدة، رغم  أنه  قد  استدرج  لذلك  بخبث  مكشوف وكنت  أتمني  من  فضيلته ردا  أكثر  توضيحا  حتى  لا  يستغله  المغرضون، خاصة  ونحن  نعلم  يقينا  أنه يحب  مصر ويخلص  لها  بوصفها  جزء  من الأمة  الكبرى.  ومن  الجدير  بالملاحظة، أن  الحركة الإسلامية  الحديثة قد  انتهت  إلي  حركات  إسلاميه  قطريه  وأصبح  لأعضاء  الجماعة  الإسلامية  الواحدة  مواقف  متناقضة إذا  كانوا  من  بلدان  عربيه  مختلفة وقد  كان  ذلك  جليا  بعد  غزو  صدام  حسين  للكويت وهذا يعكس  خللا  جليا  في  المنظومة  الفكرية  للإسلاميين  العرب،  نحن  في  حاجة  إلي  فكر  إسلامي  أممي ذا  ثوابت  لا  تراعي  التزامات  التوافق  السياسي  الضيق  في  الأقطار  العربية  المختلفة، حيث  أن  الالتزام  بالثوابت  الإسلامية يمنح  هذه  الحركات  مكاسب  حقيقية  لا  تحصل  عليها  بالتلون  السياسي  لمسايرة  مواقف  قطريه أو  لمحاولة  التعايش  مع  الحالة  القطرية، هذا الفكر  الإسلامي  الذي  نرنو  إليه يؤسس لموقف  محدد  من  قضايا  العالم  العربي  إجمالا  وموقفا واضحا من  العالم  ويشرح  طرق  التعاطي معه ويمهد لعودة  العرب  من  جديد  كقوة  عالميه مثلها مثل  الأمة  الصينية أو الأمة  الهندية  .

*كاتب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق