ثقافة النثر والقصيد

هتاف المجد

ثلاث قصائد للشاعر الدكتور زاهي العطروز

الشاعر الدكتور: زاهي مفلح الخليل العطروز

– القصيدة الأولى:
(هتاف المجد)

أبى شرف الرجولة والإباءِ

سواك يخوض ملحمة الفداءِ

أبى ألا يقود الزحف إلا

كريم من كرام أوفياءِ

وفي رمضان هز الأرض صوت

وجاز صداه أفلاك السماءِ

ينادي بالجهاد فهب حالاً

صناديد العروبة في مضاء

يقودهم الحسين الخير فيهم

إلى الجولان خفاق اللواءِ

سليل الدوحة الفضلى ومَن هُمْ

لنصر العرب منعقد الرجاءِ

ويحمل مشعل التحرير فيهم

كريم الومض قدسي السناءِ

هزبر هاشمي في ليوث

إذا أجسادهم لبن الوفاءِ

على راحاتهم روح أبي

عروس النصر زفت للهناءِ

وخف الغر في بغداد سعياً

إلى الهيجا لتلبية النداءِ

أباة لو تساقينا المنايا

لكانت دلوهم أولى الدلاءِ

نشامى العرب للهيجاء هبوا

وبورك هؤلاء وهؤلاءِ

على الجولان، فوق رمال سينا

تعاقدت النفوس لافتداء

وفي وطن العروبة قام عرسٌ

وغنى البيت فيه مع الخباءِ

بكل مدينة منه وريف

تعانقت القلوب على الإخاءِ

هناك ملائك الرحمن صفت

إذ الأرواح تشرى في سخاءِ

ولما أبصر الأعلاج حقاً

صنيعتهم تساق إلى الفناءِ

وأن مصير ما قد علقوه

عليها بات وهماً لانقضاءِ

تدخل جمعهم وبغوا علينا

ألا سحقاً لجمع الأشقياءِ

وإذ ذاكم رأى الغر النشامى

وهل من ذي سماع مثل راء؟!

بأن الصبر أولى، والتمادي

بهذي الحرب مجلبة العِفاءِ

وإيماناً بأن الصبح آتٍ

لدن أدنى الشعاع من الذُكاءِ

وأن غداً لناظره قريب

فما آتي الأمور غدا بناءِ

فصاغوا العزم (للأقصى) هتافاً:

لموعدنا غدا فإلى اللقاءِ

وصبرا أيها الأهلون صبراً

سيمحو الليلَ فجرٌ ذو رواءِ

وبينا نرقب الآتي ونرجو

لقاءً بين صبح أو مساءِ

إذا بالليل قد أرخى سدولاً

كأن الشمس تشكو من عناءِ

فعند جناح مشرقنا تبدى

لنا صنم سداه من البلاءِ

شعوبي خبيث الأصل جبت

هواه ودينه سفك الدماءِ

تظاهر بالتدين في رداء

وأخفى الكيد في ذاك الرداءِ

فضلل كل مأفون سفيه

وظن الكيد يبقى في الخفاءِ

بلحية راهب ومسوح حبر

وتمويه المنافق والمرائي

وقد جهل الأحيمق جهل علم

بأن الليل ينبئ بالضياءِ

وكل طوية في المرء تبدو

مع الأيام بيّنة الجلاءِ

ولما أيقن الدجال حقاً

بأن ما من سبيل لانطلاءِ

وأنّ عمامة السوء استبانت

وأنْ لا خير في لبس العباءِ

بغى وطغى فكان القصد أرضي

يريد دمارها بعد البناءِ

طغى وبغى فكان القصد أهلي

يود صَغارنا بعد العلاءِ

أو الشيطان من أحفاد كسرى

مجوسيّ برغم الإدعاءِ

فلا يغررك أن أعفى وأحفى

ومسبحة تزيد على الرشاءِ

فإن تسأل له نسباً بكسرى

فهذا النعل من ذاك الوطاءِ

فقل للطامع المهووس يصغي

لما يملى عليه بلا مراءِ:

أتيتك ناصحا لا الهجو أبغي

ورُب نصيحة مثل الهجاءِ

أترسل صبية لقتال سعدٍ

بلا شرف لديك ولا حياءِ؟!

لقد غررت يا ملعون فيهم

بمعسول من الهذر الهراءِ

أتعطيهم صكوك جنان عدن

وهل عدن بمأوى الأشقياءِ؟!

وعدن منك يا إبليس فاعلم

كبعد الأرض من كبد السماءِ

ولست ولا الطغام بداخليها

فلن ترضى بغير الأتقياءِ

فأنتَ ومزدك وأبوك ماني

مقركُمُ غداً دار الشقاءِ

ألوف للوغى تترى ألوفاً

جعلتهمُ وقوداً لاصطلاءِ؟!

تزج بهم إلى سوق المنايا

وفيه تبيعهم بيع الإماءِ؟!

تلقّاها (المثنى) و (ابن عمرو)

كما تلقى الأسود قطيع شاءِ

بآساد يرون الموت مجداً

وكأس العز من طيب الجناءِ

وأن الروح للأوطان رهن

ومهر الأرض من زاكي الذماءِ

فمن لاقوهم أمسوا هباء

ومن أسروا فهم أهل النجاءِ

أرستم إن ذا القعقاع يشدو:

ألا اسمع أيها العاوي ورائي

فإما ترتض الإسلام شرعاً

وإلا ويل أمك من لقائي

فإنْ تك مسلماً فالصلح فاقبل

فهذا أمر خلاق السماءِ

أيا دار السلام سلمتِ دوماً

أيا حصن الليوث الأوفياءِ

فإنْ سارت قوافي الشعر مني

بمدح المكرمين الأصفياءِ

فلستُ لغيركم أشدو القوافي

فأنتم من به يسمو ثنائي

وإني إنْ سالتُ الله نصراً

فنصر الله إياكم دعائي

من الأردن جئناكم نلبي

نداء الهاشمي أبي الإباءِ

حسين باسمه الأمجاد تتلو

إلى الأجيال آيات الوفاءِ

وإذ نادى إلى اليرموك هبت

تلبي سبط خير الأنبياءِ

أأبناء العراق لكم سلاماً

به عهد المودة والإخاءِ

فلبيكم كما لبيتمونا

ولم يوهن شهامتكم تناءِ

ولبيكم وسعديكم وعهداً

ستمتزج الدماء مع الدماءِ

كما امتزجت على مر الليالي

بساحات الشهادة والفداءِ

فلا تأسوا لغدر (أبي رغال)

فأسد البيت حراس البناءِ

وإن دمشق يا أشبال سعد

بكم رفعت لواء الكبرياءِ

جزى الله الشدائد كل خير

فقد كشفت قناع الأدعياءِ

عسى ولعل أن يصحو السكارى

فعودة رشدهم أسمى رجائي

ففي أقصوصة الأثوار ذكرى

وما فعل الهزبر لدى اختلاءِ

ألا يا إخوة الإسلام فأصغوا

بإيران، ألا استمعوا ندائي

لصالح مَن تدور رحى ضروس

تراق بها دماء الأبرياءِ؟!

كفانا ما يراد بنا جميعاً

فعودوا للشريعة والقضاءِ

فذا الإسلام يرسلها أنيناً:

أما لجراح قلبي من دواءِ؟!

ففي إصلاح ذات البين منكم

ألا يا أمة الهادي شفائي

فإن تبغو الحروب فثم أرض

يدنسها رجال كالنساءِ

فذا الأقصى فإن حررتموه

فإني أرتدي حلل البهاءِ

القصيدة الثانية:
(رسالة إلى جنان الخلد)

يا حساماً حده ما كذبا

يا غريباً بين قومي الغُرَبا
لست منا يا سليمان فلم

ترتضِ الضيمَ، ولسنا عربا
يا سليمان قرأنا: العربي

يا سليمان وشِمنا العربي
فتكة الإعصار في غضبته

إن بغى باغ، وفي الخلق نبي
عَزّ بالعُرب الليالي والنهار

والثنايا والبراري والبحار
جبهة الأمجاد كانوا تاجها

ولهامات العلا إكليل غار
يا سليمان، وفخر العربي

في المعالي فوق فخر النسب
أنِفٌ حُرّ، ومن لم يك ذا

فلقيط، أو دعي أجنبي
ما انثنى النصل ولا الحد نبا

وله في صفحة الخلد نبا
مزّق الغمد الذي قيّده

وسيوف العرب أضحت خشبا؟
أمس كنا في الدنا خير الأمم

وغدونا عدما أو كالعدم
أي عيش لأناس ما لهم

بين خلق الله سيف أو قلم؟

لم نعد نعرف غير المطربين

أو نعد نحفظ غير اللاعبين
فغدونا في البرايا لعبة

ورباباً يعزف اللحن الحزين

كل قلب كان للقلب حبيبا

نابضا بالود خفقا ووجيبا
قطّعوه، مزقوا أشلاءه

وغدا في مسقط الرأس غريبا؟
ذاك سوريّ، وهذا أردني

وعراقي، وذاكم يمني؟
يا لشلو رقصت أفلاذه

فهي تهذي: موطني يا موطني؟
عبس الخطب لنا والهول طم

وغدونا عبثا بين الأمم
ومضينا في سبات دائم

غير نجم في سمانا المدلهم
حالكَ السحب تحدّى والأفول

مزق الظلماء واجتث الكبول
صارخا في الغيب: يا ليل استفق

فسناء الومض مني لن يزول
أي صوت اسمع الدنيا صداه

فأفاقت، غير أسماع الغُفاه
نامت الأعراب إلا مهجة

تتلظى فوق “وامعتصماه”
صيحة الرشاش يا شبل عمر

في العلا أعذب من لحن الوتر
وهو إذ يلق هامات العدى

يبهج السمع ويحلو في النظر
حطّم الرشاشَ رهطُ الخانعين

من عبيد الخائن المستخذئين
وانثنوا –تبّت يداهم- قيدوك

ثم قادوك أسيرا أو سجين؟
قل لسجانك: يا ظئر الظلام

يا رضيع الذل، أغمدت الحسام؟
وجزيت الليث قيدا أَوَ لمْ

يكن الأحرى به أسمى وسام؟
لِمَ لمْ يسجن يهودٌ من بغى

من ذوي عدوانهم لو من طغى
أم تراهم سجنوا ذبّاحَنا

في حمى المسجد، لا سوح الوغى؟
صعق المجد على وقع الخبر

مِن أثيمٍ؛ أن سليمان انتحر؟
لم يقلها في شهيد خالد

غيرُ سقط الناس أرذال البشر
أي نور ملأ الدنيا ضياء

أي عرس زُيّنت فيه السماء
رقص الأملاك فيه طربا

وازدهى الحور بأثواب البهاء
غير أعراس الذي بالنفس فادى

عزة الأمة فاختار الجهادا
في سبيل الله نهجاً خالصاً

وبأغلى ما له في الكون جادا
فهنيئا يا حفيد الأصفياء

يا سليل الأوفياء الأتقياء
يا فتى حمزة فاخلد هانئا

عند (ليث الله) خير الشهداء
ونعيم الأوفياء المخلصين

النشامى الأسخياء الباذلين (م)
ما لهم والنفس في سوح الفدا

فبه فليهنأوا في الخالدين
يا سليمان ستبقى في قصيدي

وحي أنغامي وإلهام نشيدي
سوف تبقى وميامين الحمى

درة الأطواق في أكرم جيدِ

القصيدة الثالثة:

(عودة النابغة)
أدار ميّةَ، أم أنساكها الأبدُ

أم هل جننت فغاب النصح والرشَدُ؟!
بل دار مية، لا مسّ يخالجني

بل دار مية ويحي ما الذي أجد؟!
قد بُدلت قسمات الدار وانطمست

منها الرسوم وكلب الحي والعمد
هذي الأثافي بياض الشمس تبهره

والنؤي يعجز عن تمساسه (أحُد)
يا دار ميّة ما أنسانيَ الأبد

يا دار ميّة ما أسلانيَ البُعد
يا دار ميّة ويحي ما الذي أجد

يا دار ميّة لا علياء ولا سند؟!
يا دار ميّة لا عليا ولا سند

لم يُخنِ دهر ولم يضطرها أحَد
ما نالها من صروف الدهر نازلة

ولا ألمّ له بنت ولا ولد
حاق البلاء بها من كل ناحية

ولم يكن لسواها في البلاء يد
تحكي براقش –بل أنكى- جنايتها

فكفها الهوج والأنواء والبَرد
تزاحم الشهب ليلا في تطاولها

أدار ميّة أم في مقلتي رمد؟!
على دخيلٍ من الأركان شامخة

كما تشامخ فوق اللجة الزبَد
وقفت بها صباحا كي أسائلها

فأخبرتني بأن القوم قد رقدوا
وفّر سؤالك في أيان صحوتهم

فما بها أمل يرجى ولا أمد
ومية -بُح صوت الدار إذ ذكرت-

وصعّدت زفرة سالت بها الكبد
وأرسلت حشرجات: مي، ي، واحزنا

أقوت حياة وظل الظل والجسد
ومية في دروب التيه حائرة

ولا وفيّ لها في الأرض أو بلد
أعطت ذخائرها للناس ثم مضت

غذاؤها الجوع والحرمان والنكد
وجردت نفسها من نفسها فقضت

كساؤها العري والخذلان والضمد
قاطعتها بسؤال كاد يعصف بي

فقلت أين بنوها الصيد، أم فقدوا ؟!
عهدي بآبائهم كانوا أسود شرى

وليس ينجب إلا الأغلبَ الأسد
قالت: أفي السمع وقر والحجا خبل؟!

ألم أقل لك إن القوم قد رقدوا؟!
هل يرقد الليث إلا والعرين حمى

وهل يزور جفون الأغلب السّد؟!
وهل يداعب أسْدَ الغاب طيف كرى؟!

ويرقد الفأر والصرصور والصُّرد؟!
ليسو بنيهم ولا من نسلهم نتجوا

فالخلف ينشأ صنواً للذي يلد
كأن آباءهم يا صاح قد عقموا

إذ اختشوا مثل ذي (الأشكال) أن يلدوا
لو عاد أسلافهم للعيش ثانية

وعاينوا من إلى أعدائهم سجدوا
وأبصروا حال من ظلما لهم نسبوا

لحرّقوا ثلثاهم والثلث قد وأدوا
وقلت كم هم، فقالت: إنهم كثر

مليار يعجز عنه الوصف والعدد
وقلت ماتوا، فقالت: ليت أكثرهم

لا عاش من لم يعش دنياه وهي غد
جاءوا الذي ورثوه عن أوائلهم

شروه بخسا ولم يُترك لهم سبد
يقضون عيشا أذل الذل يأنفه

عيشاً ويأباه غَير الخلق والوتد
هذا جنيّ الذي أيديهم بذرت

طوعاً وما بذرت أيديهم حصدوا
فَعَدّ عما ترى إذ نفسَها ظلمت

هبْها (المُعَيْديَّ)، تدريه ولا يفد
وانمِ القتود على جحش حشيته

(خيش)، فأنى لك العيرانة الأجُد؟!
كأنّ رحلي وشمس الصبح آفلة

كسوته كُحْكُحاً أزرى به الأوَد
فاستقبلته كلاب بثها كلِبٌ

وما بذا الجحش حول أو به حدد
فأرسلت أزرق الأنياب في دمه

تمتص طوراً وحينا فيه تبترد

شاعر الجامعتين: الأردنية واليرموك

– دكتوراه في اللغة والنحو / جامعة اليرموك.
– حصل على لقب شاعر الجامعة الأردنية للعام 1974م، ولقب شاعر جامعة اليرموك للعام 1988م.
– وكان الفائز الأول في المسابقة الشعرية التي أطلقتها قناة (المستقلة) الفضائية على مستوى الوطن العربي، بعنوان (نداء المحبة)

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق