قراءات ودراسات

الصراع والحروب في تاريخ الإنسان!

بقلم: د.السيد نجم

*ملامح طقوس الحرب في تاريخ الإنسان: تعامل الإنسان مع فكرة الصراع والحرب وصنع تاريخه, فكانت له طقوسه قبل وأثناء وبعد تلك الحروب. على مر التاريخ حاول الإنسان التعبير عن تلك الحروب والتعامل معها حتى قبل أن يعرف الكلمة المكتوبة. وهو ما تجلى في فنون الكلمة من أساطير وملاحم وفنون الحركة من رقص وإيماء وكذلك بفنون الموسيقى والإيقاع. مازالت جدران الكهف الشهير “التاميرا” باستراليا يحفظ لنا أول ما سجله الإنسان: ذلك الثور المقوس الظهر والبطن، أقوى ثور رسمه الإنسان حتى الآن. كما كانت منحوتات الآشوريين لأسود قوية في مرحلة أكثر تقدما. وان حلت مصارعة الثيران محل مصارعة الأسود في مرحلة متقدمة والى الآن, إلا أن قبائل (ماساي) الإفريقية تجعل من قتل الأسد احتفالية لها طقوسها المتميزة, مثلما أصبح (المتادور) في أسبانيا الآن رمزا لكل البشر يذكرهم بأجدادهم أيام مصارعة الأسود وحروبه الصغيرة.

 

في التراث الشعبي لأمم الحضارات القديمة, تجنح المثولوجيا الهندية (البراهما) إلى مزاج حربي حاد، حيث يمجد الحرب ويزكى الصراع من أجل انتصار الإنسان والحياة في نهاية الأمر. أما الميثولوجيا الصينية فتجنح في معظمها إلى إزكاء السلم, ربما بتأثير التعاليم البوذية  المضادة لمفهوم الحرب. كان “كونفوشيوس” يقول:

(الجنرال العظيم حقا هو الذي يكره الغزو وليس حقودا انفعاليا)

لقد جرت العادة في كل الحضارات المعروفة على توافر بعض الطقوس المشتركة, كأن يتم تقديم القرابين الكثيرة قبل وبعد المعارك وبعد الانتصار. المدهش أن بعض القبائل والأمم القديمة تقدم القرابين من الأسرى وجزء من الأسلاب التي يحصلون عليها، وغالبا ما يتم ذلك وسط فرحة وتهليل أفراد الشعب  وتحت أغطية أبخرة البخور وشذى العطور داخل المعابد أو خارجها وفى حضور رجال الدين والقادة.

الطريف أن بعض الأمم المتقدمة مازالت تحتفظ وتمارس طقوسها القديمة وبقدر مدهش من التفاصيل. فقد عرف عن اليابان أن يطلب القادة أثناء الحرب العالمية الثانية من الطيارين الشبان الذين يتقدمون تطوعا للمشاركة في الغارات الانتحارية المعروفة باسم (غارات الكاميكازى) بالحضور عشية الرحيل في محفل جنائزي.

كانوا يلبسون اللون الأبيض الذي هو لون الحداد ويتنازلون رمزيا عن كل ما يملكون على الأرض. وفى اليوم التالي وعلى أرض المطار يتسلمون صندوقا أبيض اللون يمثل المرمدة التي  تعد لحفظ الرماد (رماد الموتى بعد حرقهم على حسب تقاليدهم في حرق الموتى) بعدها يصعدون الطائرة لتنفيذ تلك المهمة الانتحارية!

في دراسة انثربولوجية لقبيلة “شاكو” الهندية بقلب أمريكا الجنوبية, رصد العلماء ما يمكن أن نعتبره جملة من الطقوس التي يتبعها طرف ما قبل وأثناء وبعد المعارك في العديد من المناطق بالعالم القديم. إن قوام حياة القبيلة يعتمد على الحروب سواء بالإغارة على الجيران أو ردا على غارات القبائل المتجاورة.

قبل الهجوم, ترسل القبائل بعض الشباب لجمع المعلومات ودراسة نقاط الضعف والقوة عند القبيلة الأخرى. وهو ما يمكن أن نطلق عليه الان بفنون الاستطلاع الحربي. ثم يتم اتخاذ قرار الحرب وتحدد الخطة، حيث يقسم الشباب إلى مجموعات صغيرة بقيادة أحدهم. وتبدأ عملية الإخفاء والتمويه.

وفى ليلة اليوم الأول لبداية الحرب يمضونها في الرقص والغناء والموسيقى الحماسية على آلاتهم الإيقاعية. أهم ما يهتمون به هو دهان أجسادهم ووجوههم باللون الأحمر (لون الدم). وفى تلك الليلة أيضا لا تبخل السيدات بجهدهن في طهي أشهى الأطعمة, وتقديم الشراب و كأنها ليلة عرس!

أثناء المعارك يتقدم قادة المجموعات ولا تنتهي المعركة إلا بالموت أو الانتصار. كما لحظ العلماء أن الرايات تلعب دورا هاما في المعارك وأن اللون الأبيض هو لون الانتصار. الطريف أن تلك القبائل لا تعرف فكرة الاحتلال ويكتفون بالغنائم وجمع الأسرى، وهم من  يكلفون بانجاز الإعمال الشاقة فيما بعد.

لعل توزيع الغنائم من أكثر الطقوس شيوعا في الحروب القديمة. بينما عرفت بعض القبائل والحضارات القديمة أن معيار تقسيم الغنائم على المحاربين هو عدد الأسرى أو عدد الأيدي المقطوعة من الأعداء! عملت بعض الأمم الأخرى أكثر رقيا على الاستفادة من من هؤلاء الأسرى كقوة اقتصادية.

بمضي الوقت تعدلت فكرة توزيع الغنائم على المحاربين. ففي الحروب العربية بعد الإسلام .. أمر الخليفة عمر بن الخطاب كبح جماح الجنود لأن واجب الجهاد كان يناديهم في كل مكان. رفض تقسيم الأراضي بينهم, ومنعهم من احتراف الزراعة حتى لا يميلون إلى الرخاء و التقاعد عن الحرب. انتهت فكرة توزيع الغنائم الآن, وأصبحت الأنواط والنياشين المرشوقة على الصدور بدلا عنها!

يبقى النظر إلى الجانب الأخر، ترى ما هى طقوس المنهزم؟ إن الإحساس بالخزي والقهر و الإحباط يجعل الجيوش والشعوب المنهزمة على حالين.. الاستكانة أو الانتفاضة. وما بين الحالتين  تنجلي معادن الأمم وتعمل القرائح. فما كانت خدعة حصان طروادة إلا شاهدا عمليا على مر التاريخ.

وتسجل صفحات التاريخ كيف كانت نهاية القادة الأقوياء بعد الهزيمة. قديما كانت بعض القبائل تحفر المقابر الجماعية لدفن أنفسهم بعد الإحساس بقلة الحيلة. ويروى “هانز لينج” الذي عمل في خدمة “هتلر” عن اللحظات الأخيرة قائلا: (كان سيدي قد قتل صباح اليوم كلبه (بلوندى), قبلها استدعاني الفوهلر وقال: (لينج.. عندي أمر خاص لك. لقد قررت أنا وفراو (براون) أن نموت معا..)

وهكذا كانت البداية والنهاية والطقوس في زمن الحروب!!

*منذ أن عاش الإنسان في الكهوف وفوق فروع الأشجار، وحتى بعد أن عرف الاستقرار والركون إلى ضفاف الأنهار، وبعد بناء الحضارات الكبيرة والمعقدة، والتاريخ البشرى مليء بالصراع. ذاك الصراع الذي تبدى في الصراع بين الإنسان والطبيعة ثم بينه في جماعة وقبائل وعشائر ثم دول وأمم مع بعضهم البعض. هي الحرب إذن، ولا حيلة إلا بمواجهتها ومحاولة التعرف عليها، وليس أجدى من متابعة العدوان الذي هو بداية الصراع ثم الحروب.

*العدوان..

هو ظاهرة التعبير عن الصراع، الصراع الداخلي (داخل المرء) أو الصراع الخارجي (بين الأفراد أو بين الجماعات والشعوب) وهو ما يعبر عن نفسه بالعنف على شكل مشاجرات بين الأفراد أو الحروب بين الدول. أما الصراع الداخلي فيعبر عن نفسه بالأزمات النفسية التي تصل إلى حد الانتحار.

وقد أشار القرآن الكريم إلى فكرة العدوان، صوره ودوافعه:

(فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو, ولكم في الأرض مستقر ومتاعا إلى حين) سورة البقرة آية 36

(قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو..) سورة طه آية 123

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك , قال إني أعلم ما لا تعلمون) سورة البقرة آية30 .

أما صور العدوان في القرآن الكريم فهي:

العدوان اللفظي، بالسب: (أن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديكم وألسنتهم وودا لو تكفرون) سورة الممتحنة آية 2

العدوان بالتهكم والسخرية: (زين الذين كفروا الحياة الدنيا، ويسخرون من الذين آمنوا) سورة البقرة آية 212.

العدوان بالشماتة: (إن القوم استضعفوا وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء) سورة الأعراف آية 150.

العدوان بالغيرة (المضمرة): (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة أن أبانا لفي ضلال مبين) سورة يوسف آية 8.

وهناك صور أخرى من العدوان: بالبغضاء والكراهية, مع العدوان على النفس، وهو إما ظاهرا أو مضمرا. والمضمر يتطابق مع مفهوم (العدائية) أو الرغبة في العدوان والإيذاء البدني أو النفسي (وهو ما قال به زيلمان أيضا).

إلا أن “العدوان” مشحون بعاملين يزكيان السلوك العدواني: العامل السيكولوجي أو النفسي الانفعالي والعامل الأيديولوجي الذي يعطى للعدوان مبرراته. العامل الأول يوجد في الأفراد كما في الشعوب, فقد عرف عن ميثولوجيا الصين الميل إلى (السلم) على العكس من  الهند الميل إلى العنف.  أما العامل الثاني (الأيديولوجي) فهو الذي يفسر مقولة في تعريف الحرب: (إن الصراع وحده لا يكفى لإشعال الحروب، لأنه –أي الصراع- تابع لإرادة وإدارة سياسية تسبقه, أي أن الحرب تلي فكرة الحرب. كما أن هذا العامل هو ما يتجلى أثناء الحروب بما يعرف ب (العقيدة القتالية) أو (الشعار).

وقد وجد الباحثون صعوبة في تعريف واحد (العدوان).. ربما بسبب هدف العدوان, فمنه المبرر المشروع، بل وتحث عليه الأديان السماوية، وهو صورة المقاومة، ومنه الكريه الذي يهدف إلى اذاء الآخر. من تلك التعريفات:

التعريف اللغوي.. مادة (عدا) في المعجم الوسيط: عدا.. عدوانا (بفتح العين والدال) جرى. وعدا عدوانا (بضم العين وفتح الواو) تجاوز الحد. وهو ما يعنى أن الحد الفاصل بين العدوان كتقدم والعدوان كاعتداء هو تجاوز الحد (أي أنه فرق كمي).

أما في الإنجليزية في معجم “ويبستر” webaster,s تعنى الإعداد للهجوم, والاعتداء على إحدى البلدان, وهى بذلك أقرب للمفهوم العام.

التعريف النفسي، يعد السلوك عدوانيا (إذا كانت نوايا المعتدى تبطن شرا وتقصده، إذا كان السلوك هجوميا (جسمي أو نفسي) إذا كانت النتيجة مؤلمة على الآخر.)

تعريف (انجلش انجلش).. العدوان هو أفعال عدوانية نحو الآخرين, وما يشتمل عليها من عداء معنوي نحوهم, وهو أيضا محاولة لتخريب ممتلكات الغير.

تعريف (هيلموث).. انه ضرر أو محاولة أضرار الآخر, أو أنه سلوك قتال موجه من إنسان ضد الآخرين.

تعريف (بارون).. انه أي شكل من أشكال السلوك يوجه مباشرة, بهدف إلحاق الأذى والضرر بالكائنات الحية.

وكم بات المصطلح تائها حتى أطلق بعموم الكلم على (المقاومة) أو العدوان من أجل الجماعة ولصالح أفراد وجماعات تحت وطأة ظلم الاحتلال ب (الإرهاب), بينما الهدف هو تخليص الجماعة من ظلم ما.

*ما الإرهاب؟

شاع مصطلح الإرهاب في الثلاثة عقود الأخيرة من القرن العشرين, وقد بدت ذروة تأثيره ووضوحه بعد عملية اقتحام طائرتان مدنيتان لبرجين شاهقين (ناطحات سحاب) بمدينة نيويورك الأمريكية في سبتمبر 2001م.

يمكن القول الآن أن “الإرهاب” أصبح شكلا من أشكال الحروب في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية, مع بعض الإضافات على أرض الواقع، حيث تلاحظ أن بعض الدول تمارس الإرهاب وليست جماعات صغيرة, كما أصبح الهدف منها ليس التأثير المؤقت المؤلم.. اقترب من مصطلح (الحرب) الصريحة. ولم يعد للإعلان عن جماعة ما أو هدف ما أو حتى لتحقيق ألم محدد ومحدود.. أتسع المفهوم الآن.

الإرهاب هو، استخدام متعمد للعنف أو التهديد بالعنف, من قبل جماعة ما أو دولة ما، من أجل تحقيق هدف/أهداف استراتيجية، أو حتى حالة من الرعب والتأثير المعنوي الذي يستتبع بمزيد من العنف.

الإرهاب هو، نوع من أنواع العنف المتعمد، تدفعه دوافع سياسية, موجه نحو أهداف غير حربية، تمارسه جماعات أو عملاء سريون لإحدى الدول. (وهو تعريف وزارة الخارجية الأمريكية – في العقد التسعيني من القرن العشرين).

الإرهاب هو.. القتل العمد المنظم الذي يهدد الأبرياء ويلحق بهم الأذى, بهدف خلق حالة من الذعر من شأنها أن تعمل على تحقيق غايات سياسية, لكن المشكلة أنه أحيانا ما توصف بعض العمليات من أجل التحرير بصفة العمليات الإرهابية، كما فعلت وسائل الإعلام الغربي مع العمليات الفدائية الفلسطينية، وكذلك اعتبرت حكومة “ريجان”، “الكونترا” في نيكاراجوا مقاتلين من أجل الحرية على العكس من الاتحاد السوفييتي (في حينه) وهو الأمر الذي يكشف البعد الأيديولوجي الكامن وراء مفاهيم وتعريفات وأشكال الإرهاب (تعريف الباحث الأمريكي “كوفيل” عام 1990م.)

*الحرب ذروة الصراع والعدوان

الحرب هي قانون أثبتته الأحداث والتاريخ على أنها أزليه، يعبر عنه صراع الجماعات. لكن الصراع وحده لا يكفى، انه تابع الإرادة وإدارة سياسية تسبقه، فالحرب تلي فكرة الحرب. وقد قدم البعض وصفا وتعريفا للحرب:

الحرب، هي البديل عن عدم وجود تشريع قانوني قوى قادر على حل النزعات بين الجماعات والدول، وبالتالي فالحرب مسعى (غير واع ربما) لفرض قوانين بعض الجماعات (الدول) على أخرى أو لفرض قوانين جديدة.

الحرب، هي النزوع إلى العنف النفسي، فالعنف أو الميل إلى السلوك العنيف كما هو في الأفراد، يوجد في الجماعات والأمم.

الحرب، هي العقد العنيف لتحويل بعض الدول والأمم إلى سوق تجارية لدول أخرى، أو لجعلها مصدرا لمواردها الخام.

الحروب، هي صوت مرتفع في مقابل عجز صوت الحكمة.

وتلقى (فكرة الحرب) اهتمام كل الأديان السماوية. ففي (اليهودية) إقرار بشريعة الحرب والقتال في أبشع صور التدمير والتخريب والهلاك والسبي.. كما جاء في سفر التثنية، الإصحاح العشرين، عدد 10وما بعده: (حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح, فان أجابتك إلى الصلح وفتحت لك, فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير, ويستعبد إلى يدك, فاضرب جميع ذكورها بحد السيف, وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة , كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك, وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب الهك…)

وتوجد فكرة الحرب في (المسيحية) ففي عهودها الأولى كانت رافضة لفكرة الحرب: (..من ضرب بالسيف سيهلك أو يجن…) ثم تبنى القديس “بولس” فكرة الدعوة إلى احتمال استخدام القوة (مع زيادة عدد المسيحيين، مع اضطهاد جنود الرومان لهم) ثم كان القديس (توما الاكوينى) صاحب فكرة (الحرب العادلة) وهى تلك الحرب التي يقررها الحاكم الدنيوي، والغرض منها هو الحق، وأن يسعى الجنود في معاركهم إلى فعل الخير. الآن تعلن الكنيسة أن عدالة الحرب تحددها عقول أصحاب الرأي الراجح بالمشورة، ويقررها الحاكم.

أما (الإسلام) فكان لفظ (الجهاد) بديلا للدلالة على الحرب. وفى بداية الرسالة كان التوجيه الإلهي إلى الرسول (صلعم) في مكة هو (وأصبر لحكم ربك بأعيننا..) سورة الطور آية 48. وفى المدينة تقرر الإذن بالقتال حين يطبق الأعداء: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير..) سورة الحج,آية 39. وفى السنة الثانية من الهجرة، فرض الله القتال وهو كره للمسلمين: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبو شيئا وهو شر لكم، والله أعلم وأنتم لا تعلمون) سورة البقرة آية 126.

إذن فالحرب هي أعلى صور العنف والصراع الشرس والمقاتلة والتعبير عن النزعات الشريرة والتعبير عن عجز القانون المنضبط الضابط والرغبة في فرض إرادة على إرادة أخرى..

*إلا أنه يلزم الإشارة إلى أن العمليات الحربية تتسم بالتالي: أنها ليست عمليات فردية, بل جماعية، كما أن الحرب قد تكون مشروعة أو غير ذلك حسب الأسباب والدوافع، وتعتبر الحرب بغيضة لو كانت هدفا في ذاتها، ثم أن الحرب تعبر عن الصراع بين البشر طوال تاريخ البشرية, وهدف الحرب هو تدمير الآخر أو قهر الآخر المعتدي. والحرب ليست مطلوبة دوما، كما أن وسيلة الحروب الأسلحة المادية, لإيقاع أكبر خسائر في الآخر. كما أن الإبداع المعبر عن الحرب يكسب الأدب خصوصية ومذاق خاص يرجع إلى خصوصية التجربة الحربية.

*التجربة الحربية جد معقدة, فهي منبه غير تقليدي، لا هي أحادية ولا هي بسيطة، كما أنها لا تكتسب دلالتها إلا بوجود دوافع داخلية، مثل دوافع القيم العامة للمجتمعات، ودوافع الانضباط والخضوع لأوامر الجماعة.

عادة درجة استجابة المرء، إما مباشرة أو غير مباشرة لحدوث اللذة أو الألم، فتكون جملة الانفعالات التي يعانيها المرء هي التي ستحدد اتجاهاته وسلوكه. وقد يلجأ إلى “الخيال”، تلك القوة السحرية الساحرة القادرة على إنجاز الفن أو الأدب بأشكاله المختلفة.

ما سبق لا يعنى أن (أدب الحرب) في جوهره وسيلة للخلاص الفردي، ولكن يعنى قدرة (الصفوة) من الناس الذين خاضوا التجربة (الحربية), وقد امتلكوا الخيال والقدرة على التعبير (بأى وسيلة كانت) يحفظون لنا خصوصية تلك التجربة بكل ظزاجتها وخصوصيتها، بحيث تصبح دوما نبراسا هاديا للعامة والخاصة، وللأجيال القادمة.

فاحتمال تجدد التجربة قائم ومستمر، ببقاء الإنسان على الأرض، واستمرار الصراع وعلى مستويات مختلفة، قد تصل إلى حد اشتعال الكرة الأرضية كلها، وهو ما عاشته البشرية لمرتين خلال خمسين سنة فقط من القرن الماضي.. وعبرت الحرب عن ذروة فظاعتها وقسوتها بإلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على جزيرة (هيروشيما) اليابانية عام1945م.

يأتي (أدب الحرب) في النهاية للتعبير عن هول التجربة ذاتها: يكفى القول بأن النفس البشرية جبلت على حب الحياة، بينما يخوض الفرد التجربة الحربية مدفوعا بأمر الجماعة (المجتمع) وبناء على رغبته، بل ويباركون موته. فالتجربة الحربية ليست ذاتية بالكامل، وتحمل بين طياتها التناقض، فالمقاتل يسعى لاثبات الوجود وتحقيق الأهداف السامية، بينما الواقع المعاش فظ وقاس. لكل ما سبق نحن في حاجة إلى رصد التجربة الحربية وتأملها.

فالصراع باق، والأفراد الموهوبون لتسجيل التجربة (المبدعون) فرصتنا كي تقف مؤشرات الزمن عند تلك اللحظات أو الأزمنة الخاصة لتصبح عونا ودعما، لتجارب جديدة في المستقبل! فضلا عن أهمية تلك الأعمال في تغطية الجانب النفسي والتربوي الضروري للأجيال الجديدة، حتى تصمد أمام تحدياتها الآتية يوما ما!!

وعلى النقيض، قد يصبح بني البشر يوما ما قادرون على كبح جماح غوائل أنفسهم، ويصبح للصراع شكلا بديلا عن (الحروب) إذا كانت الأعمال المرصودة عن التجربة الحربية أكثر إنسانية، وتسعى كي تصل رسالة الكاتب والمفكر الحقيقي للغرض الحقيقي من وراء رصد تلك التجربة القاسية، وأنها تجربة إنسانية يجب تأملها. إن (أدب التجربة الحربية) الحقيقي (الجيد) هو أدب إنساني، يرفع من قيمته وشأنه، ويزكى القيم العليا في النفوس، انه (أدب الدفاع عن الحياة). والمتأمل قد يجد أن أجود الأعمال الحربية (الإبداعية) هي التي دافعت عن الحياة، ولم تزك القتل من أجل القتل.

*تتعدد الأقوال ووجهات النظر في الحرب:

قال الناقد الإنجليزي “ستيفن سبندر”:

(لا شك أن الألم والشر ليسا من الأمور الجديدة، وان كانا يزيدان وضوحا في أثناء

الحرب، وربما زاد الألم في الحرب الحديثة)

وحيث إن خصوصية الحرب ترجح التعبير عن الأضداد: الموت مقابل الحياة، رهافة المشاعر مقابل شراسة وفظاظة المقاتلة، حتى قال (هيمنجواى) عن تلك التجربة:

(إن حياة المحارب مصارعة من أجل الأمعاء المفتوحة)

قال “مارتن فان كريفلد”..

(الحرب هي الشيء الوحيد الذي يتيح ويقتضي في نفس الوقت إظهار كل ملكات

الإنسان وتوظيفها)

قال “فوكوياما”..

(أن انتصار الليبرالية الديمقراطية الغربية لا يدعو للابتهاج.. لأن الزمن المقبل يدعو

للملل وهو زمن حزين، لأن (الصراع) من أجل إثبات الذات واستعداد المرء

للمخاطرة بحياته من أجل هدف مجرد، والصراع الأيديولوجي العالمي يدعو

إلى الجسارة كالإقدام، ويثير الخيال والمثالية …)

قالت باحثة أمريكية في شئون الحرب..

(الحرب لا تبدأ مع إعلان اندلاعها، وأنها تنتهي عند وقف إطلاق النار.. إذا ما عرفنا

أننا في وضع حرب عرفنا أنه مسموح لنا بالقتل والنهب والاغتصاب… أن دخول

المرء المعركة وهو على قناعة برفض الحرب سوف يكشف زيف مبرراتها وفشلها

… ومع ذلك تجديد معنى (المشاركة) في المعارك على الرغم من رفضها)

قال “هيجل”..

(تعتبر الرواية مجالا ملائما لوصف الصراع بين شاعرية القلب ونثرية العلاقات

الاجتماعية معلنا في الآن نفسه، وظيفتها الاجتماعية.)

قال “باختين”..

(جنس الرواية يتلازم مع التعددية اللغوية.. أي تقتضي تعدد وجهات النظر من مواقع اجتماعية مختلفة وهو لا يتم إلا في مناخ قسوة الحرية)

قال “فتحي غانم”..

(التجربة الحربية توازى الأحداث فى الرواية الجيدة)

قال “السيد نجم”..

(التجربة الحربية تعبر عن المفارقة في الحياة, فالنفس البشرية جبلت على حب الحياة

لكن الناس تريد بطلا!)

أما تعريف القانون الدولي للحرب:

(هي حالة عداء تنشأ بين دولتين أو أكثر, وتنتهي حالة السلام بينهما, وتستخدم فيها القوات المسلحة في نضال مسلح, تحاول فيه كل دولة إحراز النصر على الدولة الأخرى, ومن ثم فرض إرادتها عليها, وإملاء شروطها المختلفة من أجل السلام)

*الحرب هي الجهاد في الإسلام..

أما الإسلام فقد استخدم مصطلحا آخر هو “الجهاد” بدلا عن “الحرب”, وجعله فريضة على المكلف، فرض كفاية (من يقوم بها يكفى عن الأمة كلها). (الجهاد) من الجهد والمشقة في مقاتلة الأعداء. إلا أن الإسلام وضع ضوابطه وحدوده في مجال الجهاد.. كأن جعل الجهاد في مجالين لا ثالث لهما.

المجال الأول، وضحته الآية: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)  سورة البقرة أية، انه مجال الفرد والوطن للدفاع عن النفس والعرض والمال.

أما المجال الثاني، وضحته الآية: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم, ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين..) سورة البقرة آية 190

إذن لم يأذن الإسلام بالجهاد إلا دفعا للعدوان وحماية للدعوة الإسلامية. كما حدد الإسلام القواعد المنظمة للجهاد, وهى في مجملها: قتال الذين يبدؤون بالعدوان والمعتدين.. لا يجوز مقاتلة من لا يبدؤون بالعدوان, لأن الله تعالى حرم الظلم.. في الجهاد حرب مشروعة وغاية تنتهي إليها.. أثناء المقاتلة, إن جنحوا للسلم على المسلم أن يجنح لها, مع عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ المقعدين.. الإكراه ليس وسيلة للدعوة في الدخول إلى الدين.. كما نهى الرسول (صلعم) قتل الرهبان مثلما نهى قتل النساء والأطفال. وبذلك يكون الإسلام قد سبق كل المواثيق التي عرفتها البشرية وسعت إليها المجتمعات الحديثة في مجال التشريع والقانون الدولي.

………………………

أولا: المراجع (الترتيب حسب سنة النشر)

-الحرب في القصة العراقية –عمر محمد الطالب –دار الحرية للطباعة –بغداد 1983م

-الخيال- مفهوماته ووظائفه –عاطف جودة نصر –هيئة الكتاب المصرية 1984 م

-فقه السنة –السيد سابق –دار الريان للتراث 1987م

-تكنولوجيا السلوك الإنساني-ب.ف.سكينر-ترجمة:وجيه سمعان-سلسلة1000

كتاب- هيئة الكتاب عام 1988م.

-الإنسان بين الجوهر والمظهر-اريك فروم-ترجمة:سعد زهران –عالم المعرفة-الكويت

عام1994م

-الاتجاه القومي في الرواية –مصطفى عبد الغنى-عالم المعرفة 1994م

-الحرب: الفكرة-التجربة-الإبداع – السيد نجم – هيئة الكتاب 1995 م

-سيكولوجية التطرف والإرهاب-عزت سيد إسماعيل- حوليات آداب الكويت 1998م

-الكتابة والحرية –د.فوزي فهمي- هيئة الكتاب 1999م.

-عن الحرية –جون ستيوارت مل- ترجمة”عبد الكريم أحمد”- هيئة الكتاب 2000م.

-الإبداع والحرية –رمضان بسطويسى –هيئة قصور الثقافة 2002م

ثانيا: الدوريات

1-مجلة الفكر -عدد خاص –تونس –العدد3 ديسمبر 1977م

2-مجلة عالم الفكر- الكويت -العدد4 (المجلد العاشر) 1980م

3-مجلة الثقافة الأجنبية – عددان خاصان – العراق 1985م

4-مجلة عالم الفكر –الكويت – المجلد الرابع والعشرون  -يناير1996م

………………………..

الاسم/ السيد عبدالعزيز على نجم

عنوان/ 8 ب – ميدان سراي القبة- الزيتون- القاهرة- مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق