ثقافة المقال

أسباب الاجتماع بين النبيين الكريمين موسى بن عمران كليم الله عليه السلام والخضر عليه السلام

الدكتور: سالم بن رزيق بن عوض*

روي البخاري ومسلم وغيرهما من حديث سعيد بن جُبير – رحمه الله – قال: ” قيل لابن عباس – رضي الله عنهما – أن نوفًا البكالي يزعم أن موسي الذي صاحب الخضر ليس هو موسي بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله حدثني أبي بن كعب عن النبي – قال: خطب موسي في بني إسرائيل يومًا حتى ذرفت العيون ووجلت القلوب، فلما انصرف تبعه رجل فقال: يا نبي الله، هل هناك أعلم منك في الأرض ؟ قال: لا فعتب الله عليه إذ لم يُرجِع العلم إليه، قال: بلي إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسي: أي ربي، وكيف لي به ؟!، قال: خذ حوتًا واجعله في مِكتًل ” .عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ ؟ قَالَ مُوسَى : لَا ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى : بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً ، وَقِيلَ لَهُ : إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ :﴿ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴾فَوَجَدَا خَضِرًا فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ )) موسى نبي مرسل ، ومادام نبياً مرسلاً فهو بالبديهة أعلم علماء الأرض ، فما كان من هذا النبي العظيم إلا أن قال : أنا أعلم علماء الأرض ، فأوحى الله إليه ما أوحى .﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾ ليس أعلم منك مطلقاً ، أعلم منك في علم الحقيقة ، وأنت أعلم منه في علم الشريعة ، ينبغي أن تقول : أنا في هذا العلم ، قد علمني ربي ، هذا ما ورد في بعض الأحاديث أن الله عز وجل أراد أن يُعلمه ، وأن يُعَلمه أن في الأرض عبداً صالحاً آتاه الله رحمة من لدنه ، وعلمه من لدنه علما هو أعلم منك .فما كان من هذا النبي العظيم إلا أن سأل الله عز وجل : يا رب ، كيف ألتقي به حتى أتعلم منه ؟ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً ، وَقِيلَ لَهُ : إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ .وظاهر الآيات تدل أن نبي الله موسى عليه السلام مصمم على أن ينفق من عمره الزمن الطويل ليحضى بمقابلة العبد الصالح ، قال الله تعالى : ( وإذ قال موسى لفتاه لا برح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ) ، ويرحل نبي الله موسى عليه السلام مع فتاه في طلب مجمع البحرين ، فإذا وجداه فثم العبد الصالح الخضر عليه السلام .وقد جعل الله لهما أمارة أو علامة اجتماعهما هي فقدان الحوت ، فمتى ما فقد الحوت فثم هناك العبد الصالح الخضر عليه السلام . والسؤال الذي يكاد يسأل في هذه اللحظة ، هل الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين عصمهم الله تعالى ، يقعون في الذنوب والمعاصي ؟ و ما الحكمة في هذا الأمر ؟ والإجابة على هذا السؤال وعلى غيره في نفس موضوعه ، من عدة جوانب :

أولا : الأنبياء والرسل عليهم السلام جميعاً بشر ، وهو إثبات لبشرية هؤلاء ، ومهما بلغوا في قمم الكمالات إلا أن بشريتهم ظاهرة وبينه ، وواضحة ، فهي لا تنفك عنهم ، ولا تغيب عنهم كذلك ، قال الله تعالى : ( قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) سورة الكهف (110) .

ثانياً : القدوة والأسوة بهم ، فالله تبارك وتعالى أراد لهم أن يكونوا أسوة للناس ، للبشر على إختلاف اللسان والألوان ، والزمان والمكان ، فالبداية الأولى من نبي الله تعالى آدم عليه السلام أبو البشر ، ووقعه في الخطيئة ، ثم التوبة والعودة إلى الله تعالى قال الله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) سورة طه (115) ، وقال الله تعالى : ( فوسوف إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) ، فأكلا منها فبدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) سورة طه (122) . وكذلك سائر الأنبياء والرسل عليهم السلام ، الذين قدر الله تعالى ، الخطأ والنسيان ، فالبشر يتعلمون منهم ، ويرسمون للناس مساحات واسعة للعودة إلى الله تعالى ، والرجوع إليه ، والصواب مطلب ، وعلى البشر أن يشقوا طريقهم في البحث عنه ، وقد يقعون في الخطأ في الذهول لكن عليهم العودة الصادقة إلى وهذا هدي وسنة الله تعالى في أنبيائه ورسله عليهم السلام .

ثالثاً: المتتبع للأقوال والأفعال التي صدرت من الأنبياء والرسل عليهم السلام لا تخرج من دائرة الإجتهاد منهم ، فقد وهبهم الله تعالى ، الكمال في العقول ، والكمال في النفوس ، والكمال في الأجساد ، والكمال في التربية والأخلاق العالية النبوية ، لذا عندما لا يأتي توجيه من السماء في النبي يتصرف بما يراه هو ، وما تقتضي المصلحة ، فهو يجتهد في ذلك ، والسماء قد توافق على ذلك ، وقد ترى أن ذلك خطأ منه ، فينزل الملك بالأصلح والأنفع ، والأمر الفصل ، والحق من عند الحق عز وجل .وهذا ما حصل لنبي الله الخليل عليه السلام عندما استغفر لأبيه ، حتى نهاه الله تعالى عن ذلك ، قال الله تعالى : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه ، إن إبراهيم لأواه حليم ) سورة التوبة (114) .كذلك ما حصل لنبيه ورسوله نوح عليه السلام عندما سأل عن ابنه في قوله تعالى : (ونادى نوح ربه ، فقال رب إن ابني من اهلي وإن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين ،قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ، فلا تسألني ما ليس لك به علم ، إني أعظك أن تكون من الجاهلين ، قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) سورة هود (47) . ولذا فإن ما فعله نبي الله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام لا يخلو من كونه كما ذكر الدكتور مصطفى مسلم في كتابه مباحث في التفسير الموضوعي (1) :

أولاً : نسي عليه السلام أن يرد الأمر إلى الله عز وجل ، وقد وقع موسى عليه السلام في هذا الأمر في تكسير الألواح ، كذلك عندما جر نبياً مثله هارون عليه السلام بلحيته ، وعندما عاتب نبي الخضر في المرة الأولى .

ثانياً : ظن نبي الله موسى عليه السلام أنه أعلم الناس في دينه ، وفي الأرض ، وهذا الظن من نبي الله عليه السلام أمر فطري طبيعي ، فكل نبي هو أعلم اهل زمانه بدينه ، بالأوامر والنواهي ، بالله تعالى ، هو الأعلم ، والأحكم ، والأفهم ، والأقرب إلى الله تعالى من سائر قومه وأتباعه .

الدكتور / سالم بن رزيق بن عوض ــ جدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أسباب الاجتماع بين النبيين الكريمين موسى بن عمران كليم الله عليه السلام والخضر عليه السلام”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كل الشكر والتقدير والاحترام لفريق النجاح والتميز في المجلة الثقافية الجزائرية.. على ما يقدمونه من وجبات فكرية معرفية عقلية عميقة وموسعة للقراء والمتابعين على اختلاف مشاربهم وأذوافهم …
    كل الشكر والتقدير لكم
    محبكم وأخوكم الدكتور
    سالم بن رزيق بن عوض
    جدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق