ثقافة المقال

من «الرواية التاريخية» إلى «التخيّل التاريخي»

د. عبدالله إبراهيم *

آن الأوان لاستخدام مصطلح «التخيّل التاريخي» بدل مصطلح «الرواية التاريخية»، فهذا الاستبدال يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطّي مشكلة حدود الأنواع الأدبية ووظائفها، ثم إنه يفكك ثنائية التاريخ والرواية، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة، ولا يرهن نفسه لأي منهما، كما أنه سوف يتجاوز أمر البحث في مدى توفر الكتابة على مبدأ المطابقة مع المرجعيات التاريخية، ومدى الإفراط في التخيلات السردية، ثم إنه ينفتح على الكتابة الجديدة التي لم تعد حاملة للتاريخ، ولا معرّفة به، إنما باحثة في طياته عن العِبر المتناظرة، والتماثلات الرمزية، والتأملات، والمصائر، والتوترات، والتجارب، والانهيارات القيمية، والتطلعات الكبرى، فكل هذه المسارات الكبرى في «التخيّل التاريخي» تنقل الكتابة السردية من موقع جرى تثبيت حدوده بصرامة إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر بالدرجة نفسها من الحرية والاهتمام.

ويمكن القول بأن «التخيّل التاريخي» هو المادة التاريخية المتشكّلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها المرجعية واكتسبت وظيفة جمالية؛ فأصبحت توحي بما كانت تحيل عليه لكنها لا تقرّره، فيكون التخيّل التاريخي من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المُعزّز بالخيال والتاريخ المُدعّم بالوقائع، وقد ظهر على خلفية من أزمات ثقافية لها صلة بالهوية، والرغبة في التأصيل، والشرود نحو الماضي بوصفه مكافئا سرديا لحاضر كثيف تتضارب فيه الرؤى، وتتعارض فيه وجهات النظر، فوصول الأمم إلى مفترق طرق في مصائرها يدفع بسؤال الهوية التاريخية إلى المقدمة، ولكن الخطر ينبثق حينما يروّج لوهم مفاده أنه بالارتماء السلبي في أحضان التاريخ يمكن تجنّب رهانات الحاضر المعقّدة، فيصبح الاتكاء على الماضي ذريعة لإنتاج هوية تقول بالصفاء الكامل، والنقاء المطلق. إن وجود الماضي في قلب الحاضر يكون مهما بمقدار تحوّله إلى عبرة، وتجربة للتأمّل.

تحتلّ التخيلات التاريخية منطقة التخوم الفاصلة بين الواقعي والخيالي. ولطالما نظر إليها على أنها منشطرة بين صيغتين كبريين من صيغ التعبير: الموضوعية والذاتية، فهي نصوص سردية أعيد حبك موادها التاريخية، فامتثلت لشروط الخطاب الأدبي، وانفصلت عن سياقاتها الحقيقة، ثم اندرجت في سياقات مجازية، فابتكار حبكة للمادة التاريخية هو الذي يحيلها إلى مادة سردية، وهذا يعني إعادة إنتاج التاريخ بالسرد، وما الحبكة إلا استنباط مركز ناظم للأحداث المتناثرة في إطار سردي محدّد المعالم.

ولطالما ارتسم، على مستوى الأنواع الأدبية، تناقض واضح بين التوثيق التاريخي، والسرد الخيالي، ذلك أنهما «يختلفان في طبيعة الاتفاق الضمني المعقود بين الكاتب وبين قارئه». ومعلوم بأن هذا الاتفاق عرفي لكنه «يُبنى على توقّعات مختلفة من ناحية القارئ، ووعود مختلفة من ناحية المؤلف»، فحينما يفتح قارئ صفحات كتاب روائي، فإنه يهيّئ «نفسه ليدخل عالما غير واقعي» وفي هذا العالم الجديد فإن «معرفة مكان وقوع الأحداث وزمانها هي مسألة في غير محلّها». ولكن حينما «يفتح القارئ كتاب تاريخ يتوقّع أن يدخل، تحت قيادة الأرشيف، في عالم من الأحداث التي حصلت بالفعل». إلى ذلك فإنه يأخذ حذره ويطلب خطابا إن لم يكن صحيحا بصورة تامة «فعلى الأقل (يكون) ممكنا وقابلا للتصديق ومحتملا، وفي كل حال أمينا وصادقا». ذلك ما توصل إليه «بول ريكور».

ثم جرى التفريق بين التاريخ الذي هو «خطاب نفعي يسعى إلى الكشف عن القوانين المتحكّمة في تتابع الوقائع» والسرد الذي هو «خطاب جمالي تقدّم فيه الوظيفة الإنشائية على الوظيفة المرجعية» كما يقول محمد القاضي، فينتج عن هذا أمران، أولهما أجناسي يتصل بـ «العلاقة بين الوظيفتين المرجعية والتخيلية في الخطابين التاريخي والأدبي. فالمؤرخ وإن خيّل يظل متحركا في مجال المرجع، أما الروائي فإنه وإن رجع إلى الواقع ماضيا أو حاضرا يظل خطابه مندرجا في حقل التخيل. فالتاريخ يقدّم نفسه على أنه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدّم على أنها إبداع وإنشاء لعالم محتمل». وثانيهما يختص بنظرية الأدب «ومدارها على علاقة التناقض بين الخطابين التاريخي والروائي، فليس من شكّ في أن الرواية التاريخية تنطلق من الخطاب التاريخي، ولكنها لا تنتسخه بل تجري عليه ضروبا من التحويل حتى تخرج منه خطابا جديدا له مواصفات خاصة ورسالة تختلف اختلافا جذريا عن الرسالة التي جاء التاريخ مضطلعا بها».

وعلى هذا يندرج التاريخ في «منظومة الأجناس ذات الغاية النفعية» وتندرج الرواية في «منظومة الأجناس ذات الغاية الجمالية». ثم تندمج هذه الثنائية في الرواية التاريخية التي تتميز عن غيرها من أنواع الكتابة التخيلية بكونها «تعلن استنادها إلى حوادث ماضية دوّنها السابقون، ومن ثمّ فإنها تستمد وجودها من الدوران حول هذا النص أو النصوص الماضية، مما يكتّف صلتها بهذه الوقائع ويضفي على عالمها صبغة مرجعية واضحة»، فهويتها السردية تتحدد من خلال «التنازع بين التخيّلي والمرجعي». فتكون الراوية التاريخية نوعا من السرد الذي «يرمي إلى إعادة بناء حقبة من الماضي بطريقة تخّيلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة».

*ناقد عراقي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق