ثقافة المقال

حوار افتراضي مع غازي القصيبي واستنطاق نقديّ للكاريكاتير الروائي

غالية خوجة

قال محمد الماغوط، ذات موت ميتافيزيائي:”ما من موهبة تمر دون عقاب”، وأكمل غازي القصيبي:”ما من موقف يمر دون ثمن”، هكذا..، تستمر جراح المبصرين لموسيقا الاختلاف، وتتجول الأرواح المبدعة بين البرازخ والفضاءات اللامرئية، وما إن تصبح كلمة ً حتى تحلّق، وتهبّ لتعكس ما فيها من عناصر، فتشعل الماء، وتلسع اللهب، وتدير الهواء إلى اللا جهات، فيستعيد التراب أحلامه من الرماد والمطر والغابات، وينفخ في النايات كما تفعل الأبدية، فتسمع الأقاصي وتأتي متنافسة، لتبكي، أو تضحك، أو تتأمل، أو تصاب بالعدوى.. قليلون هم المبدعون الحقيقيون الذين يحتفظون بتناغمهم الداخلي مع سلوكاتهم الخارجية، فيجعلهم الأقل وعياً وثقافة وحساسية، يدفعون ثمن مواقفهم الناصعة من صحتهم النفسية والروحية، ما يكفي لأن تلمع كلماتهم، وتتلألأ المعاني في حركة اشتباكية، توهم السطحيين بالوصول، وتغري الغواصين بمزيد من العمق والمغامرة.

هو أحد هؤلاء الذين لم يؤثر فيهم “اليتمُ” عكسياً، بل حثّه على الحضور الجوهري، في الذات، والبحث عنها، وتحديد الهدف، وهو أحد هؤلاء الذين لا يتخلون عن الدم البريء في فلسطين وسواها، وأحد الذين يكتبون في أجناس أدبية مختلفة: الشعر، الرواية، المقالة، الفكر، الإدارة، والسياسة التي برز اسمه فيها، فمثّل السعودية كسفير في كل من البحرين، والمملكة المتحدة، وشغل منصب وزير في أكثر من وزارة: الصناعة والكهرباء، الصحة، المياه والكهرباء، العمل، رغم أنه بدأ كأستاذ مساعد في كلية التجارة، بعدما أنهى دراسته بين الإحساء والمنامة والقاهرة وكاليفورنيا، إلى أن حاز الدكتوراه في العلاقات الدولية من لندن.

الأديب والسياسي الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي، المولود في الهفوف 2 مارس عام 1940، الذي توفيت والدته وعمره 9 أشهر، لم يفسده الدلال لأنه “آخر العنقود”، كما لم تفسده ثروة العائلة، بل هو الذي لم يقبض ريالاً واحداً من رواتبه لأنه كان يوزعها على المحتاجين، وهو الذي لم تتوقف أحلامه على المناصب، لأنه لا يريد أن يختزل نفسه بكرسي دوار، كما لم يقايض مواقفه الحياتية إلا برؤاه، وإصراره عليها، وهو بذلك، يزداد رؤى، وينسج آثاره بطريقة لا تقبل الامّحاء، لأن القارئ لها، لن ينساها، بل ستحفر في بواطنه التماعات جديدة، تظل جديدة، وفي كتابه “هذا وذاك”، ما يؤكد على التطابق بين سلوكه وكلماته:”عندما يجلس إنسان صغير على كرسي كبير تعمى عيونه عن رؤية الأشخاص الحقيقيين فلا يرى من حوله سوى الكراسي فهو أبداً في حالة تزلف شديد للكراسي الأكبر واحتقار شديد للكراسي الأصغر. أما البشر، بعواطفهم وصداقاتهم وحراراتهم وأحزانهم، فلا مكان لهم في هذا العالم المسحور الذي تسكنه الكراسي”.

وبعد صراعه مع أزمات الجهل، وظلمات الوعي، ومرض التخلف العضال، والمرض الجسدي العضال، يصعد القصيبي برزخ َ الروح، ليجرب السفر الأخير خارج مدار الأرض، ربما ستصادفه “فراشة” التي تركها حائرة في روايته العصفورية، أو سيلقي في الضوء وصيته الأخيرة، لكنه بكل تأكيد، يحمل وطنه العربي الكبير، ولغته المميزة، ويشفّ حتى الكثافة الأخيرة، وكأنه نجم تفجّر ليولد من جديد.

 

هل سيظل كعادته متجولاً في البلدان، والمواقع، والنفوس، والأرواح، أم..، سيحيلنا إلى الكاريكاتير السردي، وهو أسلوبه المميز في الرواية المتسمة بسخرية هادفة، وكتابة كاشفة؟

القصيبي هو القصيبي، لكن، هناك سرّ واضح، يجمعه مع كل من “أبو فراس الحمداني”، و”سحيم”، و”المتنبي”، و”نزار قباني”، و”إبراهيم ناجي”، أليس هو تلك الروح المتمردة، الهاجسة بالكشف، الناقدة بصدق، المحبة بعمق، المطالبة بتكسير الظلمات كما تتكسر الريح في النار؟

خطر لي أن أحاور روح القصيبي افتراضياً، من خلال كلماته وفضاء دلالاته، كما قرأته، أو كما هيّئ لي، وأظنها مغامرة مختلفة، فما رأيكم أن نبدأ بهذا الحوار الفانتازي، ونسأله: هل ستظل “عربستان” كما ظهرت في روايتك “العصفورية”؟ لربما، أجاب: أؤكد على أنها قد تشبه شكسبير! “وإلا، فلماذا يغير اسمه العربي الجميل، الشيخ زبير، إلى هذا الاسم السانجسوني الصاقع/ العصفورية ص19؟”.

تأمّل ما حوله في المشفى، كما فعل “أمل دنقل”، و”الطاهر وطار”، وسواهما، ثم سألني: هل تعرفين عربستانياً لا يعاني من الكآبة النفسية؟ وتابع:”هذا مجرد انطباع، مجرد مقولة. أغنياء عربستان مصابون بالكآبة، وسبب كآبتهم فقراء عربستان. وفقراء عربستان مصابون بالكآبة، وسبب كآبتهم أغنياء عربستان. وقس على ذلك. سبب كآبة الحكام المحكومون، وسبب كآبة المحكومين الحكام. سبب كآبة المرضى الأطباء. وسبب كآبة الأطباء المرضى. الزبدة أن المكتئبين لا ينتحرون. أعرف شاعراً يكتب القصيدة نفسها من 77 سنة ولا ينتحر. وهمنغواي، ترك تراثاً هائلاً. لماذا ينتحر وقد قال ما عنده؟/ص 31 العصفورية”.

بدا كمن شرد في السؤال، أو كمن يستذكر شيئاً ما، فكتب: لا أنسجم كثيراً مع شبكة الحاسوب ولوحة المفاتيح، ما رأيك، لو تسمحي، وتعطيني ورقة وقلماً، أنت تسألين، وأنا أكتب.

وهكذا كان، وتوالى حوارنا الافتراضي، مع أصابعه القابضة على القلم، وهي تترك رجفتها مثل “نوتة” موسيقية لبيتهوفن، لم يكتشفها أحد بعد:

ماذا تتوقع أن تفعل “اليونسكو” أكثر من “دنسكو”؟

أغلب ظني، أنها تشبه الجنية “أم السعف والليف” التي يخيف بها الكبار الأطفال إلى أن يكبروا، ويكتشفوا بأنها النخلة لا أكثر! كما تشبه الجنية “أم حمار” المتخصصة في إخافة الكبار لا الصغار!

أسلوبك الكتابي، وعبر 20 مؤلفاً، لا ينفصل عن أسلوبك الحياتي اليومي سواء في المدار الاجتماعي، أو المدار السياسي، حتى في آخر أعمالك، رواية “الزهايمر”، التي كتبتها أثناء المرض، وأسميتها “أقصوصة” رغم أنها أقرب إلى الرواية القصيرة/ القصة الطويلة، أو حكاية الرواية.. هل ترى من الضروري أن يتقنّع النص بالجنون أو الجنية أو الزهايمر حتى يكتب بحرية عن الحرية؟

وأنا أسأل نفسي: لماذا؟ وأضيف لها: ماذا لو أن الأمة العربية، امتلكت الحدس الكاشف، لتعي بشكل أكبر أهمية مبدعيها؟ لربما تجاوزت العديد من الأنفاق المغلقة، أو، لعل الحياة هي السبب، واسألوا “بروفسور العصفورية”، أو “يعقوب العريان” الزهايمري.

سيرتك موجودة في كتاباتك،” شقة الحرية” التي تروي أيام القاهرة، و”دنسكو” لا تخفي تجربتك في اليونسكو، وبين الجنية والفراشة في “العصفورية” جنون عاقل، يتشتت ظاهرياً، وفي “باي باي لندن” نجد ذاتَ الترحال في الاحتمال.. ما الذي لم تقله في أعمالك؟

كل كاتب يكتب ذواته في أعماله، ولا يعني أنها ذواته. وهذا يعني أنها سيرة من نوع ما، لكن، ليس بالضرورة أن تكون سيرة ذاتية!

كيف ترى إلى الشعر حالياً؟

كما كان في السابق، وسيبقى هو الحياة.

ماذا على الرواية أن تفعل لتُلفت إليها العالم اللا مرئي؟

لكل كاتب حالته، ولكني أرى، من تجربتي، أن تقدم الرواية المشوق والمفيد بلغة مفارقة، وأن تستند على موروث اللا وعي، وهو يصير حاضراً في الوعي، أن تشابك بنية الحياة مع مخيلتها، بسخرية مثقفة.

هنالك، تجوال ممتع بين العالمين المجسد والمجرد، كيف استطعت أن تمسك اللحظة الحرجة، وتفرد أجنحتها، فتظل مرفرفة؟

هذا السؤال، أترك إجابته للنقاد والقراء، لأنني لا أعرف كيف يتمّ الهطول، وذلك بحد ذاته لحظة حرجة، تمسكني ولا أمسكها.

– الجماليات الفنية في شعرك كلاسيكية معاصرة، بينما في رواياتك، فتهجس بالواقعي الذي يصير غرائبياً، خرافياً، وأسطورياً، وتلك معادلة صعبة، كيف تكتب؟

من الواقع. غالباً، ما يكون الواقع أشد غرائبية.

لقد أضفت إلى تجوالك تجوالاً جديداً، ما الذي كنت تريده من الحياة؟ من اللغة؟

ألستُ أنا القائل في “للشهداء”: ضربتُ في البحر .. حتى عدتُ منطفئاً،

وغصتُ في البرّ.. حتى عدتُ مشتعلا؟

تعتمد على الضمير الانشطاري، فضمير الأنا يتحول إلى الأنا الراوية، وهو ذاته شخصية أخرى، وهي ذاتها المؤلف، أية شخصية من شخصياتك هي الأقرب إليك؟ ولماذا؟

جميعها أقرب إلي، لكن، ولا واحدة بجميعها هي أنا، وأحَب الشخصيات إلي، في أعمالي، وأعمال غيري، وفي الواقع، تلك التي تنتقد بوضوح وصدق، ولا غاية لها سوى الأفضل والأجمل للإنسان.

كأنه عاد إلى الغياب في البرزخ، مضى ولم يمض، وهذا ما يفعله المختلفون.

نذكر أهم أعماله الشعرية: معركة بلا راية، للشهداء، والروائية: شقة الحرية، العصفورية، دنسكو، أبو شلاخ البرمائي، الجنية، وله مؤلفات في التنمية والسياسة، منها: التنمية والأسئلة الكبرى، بابي باي لندن ومقالات أخرى، حتى لا تكون فتنة، حياة في الإدارة، إضافة إلى المقالات والمحاضرات والحوارات التلفازية والصحافية. وشكّل كل من الهم الوطني والإنساني، ثيمتين موضوعيتين، لعالمه الكتابي، المبني على “التراجيكوميدي المضحك المبكي”، الذي يمزج المشهدية المسرحية بالسيناريو، الحوار المونولوغي بالحوار الديالوغي، عابراً الحالة النفسية للذات والمجتمع، إلى مسافة سردية تفتح الوعي على الجنون، والجنون على الوعي، متخذة سمة “النص المثقف”، الذي يداخل في بنيته عالم ما تحت الأرض، مثلاً “الجنية”، وعالم ما وراء الفضاء مثلاً “الفراشة”، وذلك من خلال المثاقفة بين المخيلة، واللغة، الذاكرة، والحياة اليومية، وما تنتجه من نسيج نَصّي، يظهر بشكل مشهدي، مسرحي، مباشر، لكنه يضمر إيحاءات ضوئية، لا تكتفي بما أوردت من المسكوت عنه، بل تتداعى معه، خاصة في اللحظتين الذاتية “الميكرو”، والمجتمعية “المايكرو”، على حد تعبير القصيبي في روايته “الجنية”، التي يرتكز فيها على الخفي من “الأنثروبولوجي”، ومدى اشتباك البدئي بالخرافي والعلمي والاحتمالي:”كنت أريد أن أثبت أن الأسطورة ليست سوى أسطورة. كنت أتحدى النزعة البدائية في أعماقي، وأضعها أمام لحظة الحقيقة، كنت واثقاً أن شيئاً لن يحدث. كيف يمكن أن يحدث شيء؟ هل تفهمني يا بروفسور؟!/ ص 56”.

في “الجنية”، يحرك القصيبي، أعماقه، لتكون الشخصية الرئيسة، التي تضم “أناه”، وتشمل “الأنا الإنسانية”، التي تختزن المتداوَل عن الجان، وخاصة الإنسان الخليجي، الذي يسمي الجن، المؤنث والمذكر، بأسماء مختلفة، تبعاً، لتوظيف سلوكاتها، فهذه “السلعوه” مصاصة الدماء، وتلك الصحراوية، وثالثة للزرع، ورابع يلقبونه بالجني النيكوتيني، واسمه “أبو درياه”، لأنه يحضر على البحارة النائمين ليستعمل “النرجيلة”، إلى آخر ما هنالك من هذه القبائل، المعروفة، المألوفة، التي يصادفها البطل، فيحاورها، متواصلاً مع الأحداث التي تتواصل، وتنقطع، وتتحرك عبر الأمكنة والأزمنة، مبتدئة مع الشاب السعودي المولود في الهفوف، باسمه الضادي المركب “ضاري ضرغام الضبيّع”، المختزل إلى “ض. ض. ض”، الرامز إلى لغة “الضاد” وشخصية العربي المفخّمة، بصفاتها، وما فيها من دلالات القسوة والجبروت والرعب، والذي يدرس علم الأنثروبولوجي في لوس آنجلس، وكيف يبدو خجولاً في سنته الدراسية الأولى، وهو يتعرف إلى الفتيات، فلا يكرر لقاءه مع إحداهن أكثر من مرة، لكنه يحب فاطمة الزهراء المغربية، التي لا تقبل بها عائلته المشرقية، لكنه يتحدى، ويسافر إليها، ليعقد قرانه عليها بحضور خالها، لأن أباها غير موافق، وهكذا، وبعد أسبوع، من الزفاف، تصارحه زوجته بأنها تقمصت شخصية فاطمة التي رآها ذات حلم ميتة، ومدفونة في مقبرة الشهداء في المغرب، وهنا، تتصارع مكنوناته البدئية، مع عقله العلمي، فهل يصدق، أم لا يصدق، ما يجري معه؟ وإنْ هو صدق ذلك، فمن سوف لا يكذبه، ولا يتهمه بالجنون؟ تعطيه الجنية ورقة، كتب عليها اسمها “عائشة”، وتطلب منه، أن يحرقها إذا أراد استحضارها، وعندما يفعل، ويكون قد سكن مع طالب آخر سعودي، يظهر له جني بملامح عربية سعودية، اسمه “قنديش بن قنديشة”، يناوله حبة مجهولة، ويمضي معه إلى فندق “البيفرلي هيلز”، تاركاً لصديقه رسالة يبلغه فيها بأنه هذه الليلة، مع صديقة، كي لا يقلق عليه.. وتستمر السهرة بينهما، ليعلم خلالها الشاب بأن زوجته “عيشة قنديشة”، تستطيع أن تغير عمرها وشكلها وإلخ.. وأثناء ذلك، تحضر الذاكرة الجمعية مع جن وادي عبقر، ويشكك قنديش بالأسماء التي يطلقها الأنس على الجن، وهنا، يحيل البطل “ضاد”، الجنيَّ، ومن خلاله، يحيل القارئ، إلى بعض الكتب والمراجع والأسماء الجنية، إلا أن قنديش، ينسب إليه كتابة بعض الكتب، ويؤكد على أن الإنس تتخيل بأن من يعاشرهم من الجن، بمجرد أن يمدوا أيديهم في الهواء، ترجع مليئة بالمال، ويحسبونهم، تماماً، مثل “السي آي إيه” في هذه الأيام، والتي لم تكن موجودة في زمان ابن بطوطة بكل تأكيد!

بهذه المفارقات البؤرية، والإحالات المتداخلة، تنمو درامية “الجنية”، وتزيد من حيزها الحكائي، والحدثي، والقولي، مع حكايات قنديش، ومقارنة عالم الجن بعالم الإنس، والوصايا التي بدأ يكشف بعضها قنديش لضاد، وأولها:”لا شيء يؤذي الإنسي مثل الحقيقة، ولا شيء يسعده مثل الوهم/ص 75”. ويرتفع الخط البياني للتراجيكوميدي، إلى أن يكشف لماذا الجن أكثر تعايشاً في المغرب عن البلاد العربية الأخرى، وكيف يقضي البشري عمره ضمن 3 نقاط هي بالترتيب: الجنس فالسلطة فالمال. ويدور الحديث حول المكاشفة بين العالمين الإنسي الذي يمثله “ضاد” ويراه من خلال العالم، والجني “قنديش”، وما يرويه من تفاصيل، جعلته جنياً مستأنساً بفضل الخالة عيشة، وما يركز عليه من الحدس كوسيلة للعلم، على عكس بني آدم الذين يحصّلون المعرفة من خلال التعلم، ثم يأتي العنوان: (زوجتي جنية)، ليطرح الآراء عن فكرة الزواج بين الجن والإنس، بطريقة مقالاتية، شارحة، تركّز على المخاطب، وتعيد كتابة ما جاء في بعض الكتب المختصة بالجن من قصص وحكايات حدثت في الزمن القديم، يثبتها الكاتب كمراجع في آخر الرواية التي يشرح فيها بالتدريج معنى “قنديشة” المتحور من قونديشا، وكونتيشا، وبالتحديد، من لا كونتيسا، اللقب الذي أطلقه البرتغاليون على المحاربة التي يفخرون بها كما تقول جذورهم التاريخية/ ص99 . وتعود البنية إلى التداخل ما بين التحليل التاريخي، والأنثروبولوجي، والخرافي، والموروث الجمعي، وما يظهر من أسلوب مخاطبة المؤلف للقراء كلما رأى ذلك مناسباً للتوظيف:”ولعل من المناسب، هنا، أن أقول للقراء الكرام الذين ينوون متابعة القراءة، إنهم يفعلون ذلك على مسؤوليتهم الشخصية/ ص 103″.

بين فصل وفصل، يسبق كل عنوان من العناوين الاثنين والعشرين، بيت شعري أو أكثر، لإبراهيم ناجي، كتأكيد داعم على الرؤيا والوجدان والتوافق النفسي، كما يتم التفريق بين الجن المؤمن والكافر، والشيطانات والشياطين، إلى أن تعترف الجنية بأنها لا تعلم الغيب، وعبر تلك الفصول، يتم تبادل الرسائل، والشكوك، والاستدعاءات، والتأملات، وتتضح خيوط ساخرة، ودلالات تحيل إلى ما يجول في النفوس، والزمن المعاصر، مقارناً بين الشياطين الشريرين، وبعض السحرة من بني البشر، التي يومئ إليهم منطوق الشخصية، مثل هتلر وستالين وأشباههما، ويحدث أن ينفصل الإنسي عن الجنية لأنهما لم يختلفا أبداً خلال السنة التي عاشا فيها معاً، فيتزوج بإنسية أمريكية، تكشف له عن الفروقات بين المجتمعين العربي والأمريكي، خاصة في معاملة المرأة، وبعدما يتوفى والداه، يتزوج من مريم بناء على وصية أبيه، لكنه لا يستمر معها، ثم يتابع دراسة الدكتوراه، ويلتقي، للمرة الأخيرة، مع “قنديش”، الذي جننته سلوكات البشر، كنتيجة ظهرت بفنية إيهامية، حين يوظف القصيبي شخصية الجني، خارج “أفق التوقعات”:”لم أر قنديش بعدها، وإذا كان الآن، يقرأ هذه السطور فلا بد أن أقدم له اعتذاري، نيابة عن إخوانه الإنس، عن خيبة ظنه فيهم، وأن أرجوه أن يقدم لنا طبعة “أنسية” من بحوثه.. إذا اكتملت!/ص 208″.

وتتداعى الأحداث مع عودة البطل إلى زوجته الجنية التي تختار المغرب لقضاء شهر العسل، فتظهر كل يوم بشخصية جديدة، خاصة شخصية الفنانات والممثلات الأجنبيات والعربيات، ومنهن “صوفيا لورين”، إلى أن تتخلخل جوانيات البطل، طارحاً العديد من الأسئلة الفلسفية، والإشكالية عن الحب، مثل: هل نحب الشكل؟ الروح؟ ما الفرق؟ كيف يمكن لعاقل أن يستوعب هذه المتغيرات؟ يصيب التشويش النفسي والمونولوغي، الشخصية والنصَّ في آن معاً، رغم طريقة الكتابة الاستعراضية التي تشير إلى قضاء وقت من المرح، بين زيارة المشعوذين والسحرة، إلى أن يصل “الراوية الحكواتي”، إلى تلك الحالة التي يصف فيها كيف تلمع عينا عيشة، وتتحول شفتاها إلى جمرتين ملتهبتين، ولا تلبث أن تضع رأسها فوق رأسه، وذراعاها فوق ذراعيه، وبقية جسدها، لتدخل إليه، أو تحلّ فيه، أو تتقمصه! وعندما يصحو “ضاد” يجد نفسه في خيمة على بساط، قرب شيخ يؤنب امرأة يتضح فيما بعد أنها الجنية، ويبدأ البعد الدرامي، بالعودة من لحظة الجنون إلى الواقع، خاصة بعدما يضع الرجل الوقور يده على جبين ضاد وهو يتلو ما تيسر من القرآن الكريم، ثم يطلب الشيخ منهما أن ينفصلا رغم الحب الذي يجمعهما، فتعدُهما عيشة بألا تظهر ثانية، بينما ضاد فيغادر تبعاً لتعليمات الشيخ ويرحل، عائداً إلى بلده، لكنه، وأثناء زيارته للمغرب، مع زملاء العمل، تأخذه قدماه، ودون وعي منه، إلى المكان الذي التقى فيه عيشة منذ عشرين عاماً، وعندما يدخل يرى حبيبته المغربية الأولى “فاطمة الزهراء”، فيقترب كمن فيه مسّ، ليتأكد، لكنها تقول له بأنها غزلان، وفاطمة عمتها! ومرة أخيرة، تنحو البنية نحو الدهشة والتوتر اللا متوقع، فيتزوج غزلان، ويحكي كيف أنجبا أولاداً، سامحاً للذاكرة بأن تعود إلى أيام الدلال مع عيشة، مقارناً إياها بهذه الأيام التي يغسل فيها الأطباق ويساعد بالمهام المنزلية المختلفة، ثم تأتي الخاتمة، مشحونة بطاقة تأملية، تشرك القراء معها، وهذا الإشراك اتخذ لحضوره الفني هيئة “اللازمة” التي تتكرر وظيفياً، كلما أراد الكاتب أن يلفت المفاهيم، والعقول، بنسيان، أو سؤال:”حسن أيها القراء الكرام! لا يجوز للرجل العاقل أن يعكر صفو حياته الزوجية السعيدة بأمور تافهة مثل هذه، أليس كذلك؟!”.

وهكذا، من رؤيا نقدية، نتبين أن رواية “الجنية” تضمّنت من الناحية الفنية نصين: نص الهامش الذي يرويه الجان، ونص المتن، أو النص الأساسي الذي يرويه البطل، وبالمقابل، تتبادل الحكي والسرد شخصيتان هما: البطل كراو ٍ أول، والجني، كراو ٍ ثان، تجمعهما ذاتٌ واحدة هي أنا المؤلف، العالمة بكل شيء، وهي البؤرة ذاتها التي تجعل من “اللا وعي” شخصيات هي الجان، وصوت هذا اللا وعي يمثل “المونولوغ” ويظهر بأسلوب “الديالوغ” عن طريق الحوار، من ناحية ثانية، يبرز “الوعي” من خلال شخصية البطل، التي تشكّل حالة “الديالوغ” المندغم مع “المونولوغ، وضمن هذه الوحدة النصية الكبرى للعلائق، تبدو الذاكرة الفردية والجمعية شخصية لا مرئية، لكنها ظاهرة، من خلال منطوق الشخصيات، والرويّ المسرود، وما يشتبك معها من عناصر أخرى، أهمها المخيلة التي تتحايث مع مجمل الثيمات الموضوعية والفنية.

أمّا في عمله الأخير “الزهايمر/منشورات بيسان 2010″، فيتقنّع البطل “يعقوب العريان”، بالمرض المنسوب إلى الطبيب الألماني “آلويس ألزهايمر”، الذي اكتشفه عام 1906، ليحكي، عبر “مدخل” يشير إلى بداية فقدان الذاكرة، وحضور النسيان، وخاتمة معنونة ب “مخرج” هي عبارة عن رسالة من رئيس قسم الزهايمر في جامعة جورج تاون الأمريكية، فيها عزاء بوفاة البطل، وأوراقه التي أصبحت هذه الحكاية القصصية، المؤلفة من (12) رسالة موجهة إلى زوجته الأخيرة “نرمين” المصرية، شارحاً تقلباته، كاتباً أحداثه، وذاكرته، ونسيانه، كاشفاً المستور من العلائق، والأحلام، والواقع، واصفاً إصابته بهذا المرض، ومصطلحاته العلمية، ذاكراً مَن أصيب به من “صفوة الصفوة”، أمثال:”باري جولدواتر” السياسي الأمريكي المعروف، “ريتا هيوارث” النجمة العالمية، “شارلتون هيستون” ممثل الملاحم السينمائية الكبرى، “جوليانا” ملكة هولندا، وأشهرهم، الرئيس الأمريكي الأسبق “رونالد ريغن”. ومن خلال الزهايمر، كوسيلة فنية، أو قناع روائي، للانفتاح على الحرية في الكلام، ينفتح نسق الحكي، مبتدئاً في نقد طريقة تفكير الناس، وتقاليدهم، التي تفرض، مثلاً، على ابن السبعين أن يتصرف كابن السبعين، لا أن يتصرف كما تتحرك دواخله، ويرى في هذه القولبة، والقيود التي يسببها الناس، تشابهاً بين سجون كثيرة، منها سجن “غوانتانامو”، وسجون “السي آي إيه”، و”التخلف” المتراكم، الذي يفضل البقاء في الماضي، دون النظر إلى المستقبل، كما تفعل الأمة العربية، التي تتكل على كتبها وعلومها القديمة، فلا تحيا الحاضر، ولا تؤلف أي كتاب خاص بالمستقبل، وتلك إشارة كثيفة لحقيقة ما زالت تنجب “سوء الحظ” كما يؤكد “العريان”، الذي يخلط السياسي مع الهامشي مع الواقعي، مفلسفاً لحظة “الغياب”، منتقداً الطفولة، والمراهقة، الحرب، الحب، والحالات الإنسانية الأخرى، التي تبرز تجربة المؤلف كحكمة تلو حكمة:”عندما يصاب الإنسان بمرض لا يشفيه سوى الموت، فمن الطبيعي أن تدور خواطر الموت في ذهنه بين الحين، والحين/ ص28″، أو الحكمة النافرة من موروثه الجميل، عن أبيه:”كل يوم أعيشه هو هدية من الله، ولن أضيّعه بالقلق من المستقبل، أو الحسرة على الماضي/ص49″، وما يتوالى من تسلسل الحكي أثناء رحلته الأخيرة، التي يروي تفاصيلها لزوجته “نرمين”، من مكان إقامته في أمريكا “سانتا باربرة” وهو مكان خليط من المنتجع، والمشفى، العيادة، والمهجع، والفندق، وما ينقله من محاورة خارجية “ديالوغ” تحدث بينه وأحد النزلاء، ويدعى “ديمري ديلنجر”، الذي يظن نفسه “كيسنجر”، فيبوح بموقف أمريكا تجاه الكيان الصهيوني، وكيف ضحكت على العرب، ومازالت تضحك عليهم، ويوضح طريقة التفكير الأمريكية تجاه شعوب الأرض الأخرى، خاصة حين قال:”لا تكن غبياً! أربع أو خمس قنابل ذرية لا تدمر فيتنام. كل ما هنالك أنها سوف تقضي على مليونين أو ثلاثة من البشر الزائدين عن الحاجة، وتحطم العمود الفقري للدولة، وتضمن انتصار فيتنام الجنوبية، وتوقف تساقط أحجار الدومينو، وتزهق أنفاس الشيوعية في كل مكان/ص39”.

“ديمري” الذي يعرف “مارلين مونرو”، ثم يتنكر لمعرفته بها بسبب الزهايمر، يتبادل الحكي مع “العريان” الذي تغيّر اسمه في هذا المكان إلى “جاك”، وقد يظن القارئ للوهلة الأولى، أنه مجرد حوار ساخر، هازئ، إلا أن الدلالة البعيدة، والمقصدية الخفية للقصيبي، تختصر حوار حضارتين، وطريقتين للتفكير والحياة، والتواصل، والاختلاف، والتربية، والعامل الروحي أيضاً، والهالة المرتسمة حول كل شخصية من الشخصيتين لتعكس “الكوميديان” الخاص به، كرمز فردي، يختزل في أبعاده المجموع، أو “الشعب” الذي ينتمي إليه، ومن ناحية جمالية مخفية أخرى، يبرز “الزهايمر” كبطل أساسي، ليس لأنه عنوان العمل ومضمونه، بل لأنه “الشخصية الرمزية” التي تتحكم بعناصر النص، فتظهر، وتغيب، وتركّب الأحداث والأزمنة، وترتد إلى النسيان، أو الذاكرة، كلما كان ذلك إيقاعاً مناسباً، يضيف لحركة الشخوص، وأعماقها، ما يشحذها، مطوراً من حيز الحدث، ليبدو هذا التآكل في قسم من خلايا الدماغ، على نقيضه تماماً، أي أن “الزهايمر” يتحوّل إلى “ذاكرة” للقصة، ويكون البطل “العريان” إنساناً عاقلاً، يتمتع بذاكرة قوية، تسرد سيرة حياته، بتقاطع دلالي، وتقطيع مشهدي، متناسب مع الاستعادة، بدءاً من مغادرته البيت، وصولاً إلى “سانتا باربرة”، مروراً بولادة ابنه “زهير”، وابنته “هيفاء”، وزواجه الأول، والثاني الذي نسيه سواء وقع أم لم يقع، والثالث، وما بين هذا الفضاء الاستذكاري، من تأملات، وأسئلة، وظنون، حول العديد من القضايا، تحسمها لعبة “الموت”، التي تبدأ منذ الطفولة، حيث يتظاهر “يعقوب” الصغير بالموت، ليلفت إليه انتباه الآخرين، وبالمقابل، لا تحسمها حيوية البحث عن “السعادة” حتى في “النسيان”، والعلائق بين “الإيمان” و”الفلسفة”، وكيف تختلط مساحة الحب والموت والحرية والوجود والفراغ، وهنا، تشتبك المسافة الغائبة بين “الذاكرة” و”النسيان” لتبدو الدلالات مثل رقعة الشطرنج، التي يختلط فيها كل شيء بكل شيء، لتكون، في النهاية “اللا شيء”:”هنا، يا عزيزتي، يختلط كل شيء بكل شيء، تختلط الحقائق بالأوهام، ويختلط البروفسور بالبروفسور. وكل شيء هنا ممكن، وكل شيء هنا مستحيل!/ص44″.

وتستمر الحالة بالفيض، تكاشف المسكوت عنه، بالمستور، رغم أنها تتوسّل “المستور” أي “الذاكرة” لتكشف من خلال “النسيان” عن الشبكة التي تحكم البعد السيكولوجي “النفسي”، والسوسيولوجي “الاجتماعي”، وتنتقد العقل الإنساني “العربي وغير العربي”، مفلسفة، بطريقتها، الموت، والحياة، وما بينهما، والعلم الإنساني الذي مهما تطور، فسيظل غير عالم كما يجب، والدليل، أن الأطباء حتى الآن، لم يعرفوا أسباب مرض الزهايمر، ليعرفوا، بالتالي، علاجه المناسب، وكيف يبدو فيه الإنسان شخصاً آخر، لا يتذكر وجوه أقرب الناس إليه، بل كلما رآها، حسبها وجوهاً جديدة! وفي هذه الرؤية المرضية، يجد “العريان” نوعاً من السعادة المخاتلة، لأنه، وكما يروي النص، لم يفقد الذاكرة، بل مات بجلطة، وهذه السكتة القلبية، ناتجة عن ضغط الذاكرة، والتفكير، بكل صغيرة، وكبيرة، مهمومة بالذات، والمجتمع والأمة، ومصير الإنسان الذي لا يفكر بطريقة أقرب إلى الاقتراب من المستقبل.

أخيراً، لا بد من التوقف عند عبارة “دانتي” المكتوبة على “بوابة الجحيم” في ملحمته الشهيرة، التي تظهر متراقصة، أمام عيني “العريان”، أو في “لاوعيه”، أثناء تعريف الطبيب لمرضاه بالزهايمر ودرجاته الثلاث:”يا من تدخلون هذا المكان، اتركوا وراءكم أي أمل في الخروج/ص120”.

في هذه العبارة، انفتاح على “الأمل”، والعمل للوصول إليه، حتى لو كان غير ممكن، في مكان غير ممكن، وزمان غير ممكن، كما فيها من إسقاطات على العديد من المعاني، والدلالات، وأهمها ضرورة محاولة الخروج من طبقات الذات بعد دخولها، وهو خروج يجيده المبدع، مثلما يجيده الإنسان الواعي، تبعاً لعلم النفس، ومن لا يجيد الخروج هو ذاك الإنسان المصاب بالجنون المرضي، والذي لم يكن محور “الزهايمر” ورواياته الأخرى، بل كان خروجاً على الخروج بحد ذاته عن كل مألوف، مقولب، صامت، مظلم، ومغلق..

ترى، هل وصل غازي القصيبي إلى الحرية الخارجية، كما وصل إلى حريته الداخلية الراحلة بين الكلمات؟

 

————————————

* الكاريكاتير السردي (الروائي، القصصي)، مصطلح لأسلوب الكتابة الساخرة بدرامية، تظهر بنيتها السطحية بهيئة “كوميدية”، مضحكة، إلا أنها “تراجيدية”، مبكية، في بنيتها العمقى، ولا ينطبق هذا المصطلح إلا على الأعمال ذات البنية، المثقفة، التي توظف كيفيّة الإسقاط، والإحالة، والتداخل الإشاري، والتوازي الدلالي، توظيفاً مناغماً بين الثيمتين الموضوعية، والجمالية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق